عــــــــــود الــــــــــنــد

مجلة ثقافية شهرية.  للشباب من مختلف الأعمار.

العدد الثالث:  آب/8/اغسطس/اوت 2006

امنحيني الصبر يا قانا امنحيني

واجعلي الشمس تضيء الآن بشكل حزين

واعلنيها للورى أنهم مهما فعلوا لا، لن تهوني

واكتبي أسماء من قد قتلوهم  يا قانا على كل جبين

عود الند موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه موضوعات محمية الحقوق، ويتم ذلك وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لمواد من هذا القبيل، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

عود الند

 

عود الند مجلة شهرية للشباب والشابات من مختلف الأعمار.

تهدف عود الند إلى تشجيع الشباب على استخدام اللغة العربية وتطوير المهارات الكتابية واللغوية من خلال الممارسة، وقراءة مواد ذات نوعية جيدة. وتشجيعا للمبتدئين، سوف نراجع النصوص المرسلة إلينا لتنقيحها ونشرها خالية من الأخطاء النحوية والإملائية.  

تهدف عود الند أيضا إلى توفير منبر للشباب لنشر إنتاجهم من القصص القصيرة والانطباعات والخواطر والنقد الأدبي وعرض الكتب، ولذا فإن الأولوية في النشر للمبتدئين ومن لم ينشروا أعمالهم من قبل.

ترحب عود الند بمساهمات الراغبين في النشر بصرف النظر عن العمر، وترحب بمن سبق لهم نشر أعمالهم، ونشجع هؤلاء على إرسال مواد لم تنشر من قبل.

عود الند تنشر الأعمال بالأسماء الحقيقة لمؤلفيها مع الإشارة إلى البلد الذي ينتمي إليه المؤلف أو الذي يقيم فيه.

مثلا

فلان الفلاني – اليمن

فلانة الفلانية – المغرب

وتنشر الأسماء مجردة من أي ألقاب مهنية أو أكاديمية أو غير ذلك.

التسجيل في عود الند ليس شرطا للنشر في المجلة أو قراءة أي من المواد المنشورة فيها.

لا تنشر عود الند الشعر سواء أكان في صيغه القديمة أم الحديثة، باللغة الفصحى أم العامية.

عود الند مجلة ثقافية، ولذا لن تنشر المواضيع السياسية والدينية، فلهذه منابرها الكثيرة.

نعامل كل من يراسلنا باحترام، ونرد على الرسائل التي تتطلب ردا. ونرجو أن تكون الرسائل مختصرة ليتسنى لنا الإجابة عليها بسرعة.

ارسل إلينا عملك باستخدام نموذج ارسل انتاجك.  ويمكن استخدام النموذج نفسه لإرسال الملاحظات والتعليقات.

يشرف على عود الند عدلي الهواري. لمزيد من المعلومات عنه اقرأ صفحة عن المشرف.

 

مزايا عود الند للكاتب والقارئ

 

عود الند لا تنشر أي نوع من الإعلانات.

لا حاجة لواسطة أحد للنشر في عود الند.

الكتاب سواسية في عود الند.

النشر في عود الند محكوم بضوابط جودة، ولذا ينال إنتاجك الاحترام الذي يستحقه.

عود الند تمد لك يعد العون في تهيئة نصك لنشره خاليا من الأخطاء النحوية والإملائية.

عود الند تمد لك يد العون في تنقيط النص، فتسهل مطالعته وتنقل أفكاره بسلاسة.

عود الند تتيح لك فرصة نادرة لتطوير مهاراتك اللغوية ومقدرتك الكتابية. من يقرأ نصوصا جيدة سينتج في المستقبل نصوصا جيدة.

عود الند تمكنك من قراءة مواد متنوعة، فكونها مجلة يتيح لك قراءة مساهمات كتبت بأساليب مختلفة، فلا تصاب بالملل من قراءة أسلوب واحد.

عود الند لا تشترط أي نوع من التسجيل أو العضوية، لا للنشر في المجلة أو قراءة أي من صفحاتها.

النشر الإلكتروني يوصل إنتاجك إلى جمهور أوسع.

عود الند تعاملك باحترام. من يبعث رسالة يحصل على رد.

عن المشرف

عدلي الهواري.  يعمل في الصحافة منذ عام 1987.  عمل معدا ومقدما ومنتجا للبرامج الإذاعية  من عام 1987 وحتى عام 2003.  انتخب بضع مرات عضوا في اللجنة التنفيذية لاتحاد الصحفيين في بريطانيا.

** معالم الخبرة الصحفية

معد ومقدم ومنتج برامج إخبارية حية

معد ومقدم نشرات اقتصادية حية

معد ومقدم برامج وثائقية، أسبوعية وشهرية

محلل وكاتب باللغتين العربية والإنجليزية

** تغطية إخبارية

الأردن: قمة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الاقتصادية

مصر: قمة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الاقتصادية

الإمارات: الذكرى السنوية الثلاثين لتأسيس الإمارات العربية المتحدة

قطر: قمة مجلس التعاون الخليجي

واشنطن: محادثات سلام الشرق الأوسط

إثيوبيا: منتدى أديس أبابا الاقتصادي

** مقالات منشورة في صحف الحياة والدستور والرأي والقدس العربي

** مقابلات ثقافية – رواية وشعر

إبراهيم نصر الله (روائي وشاعر/الأردن_فلسطين)

يوسف القعيد (روائي/مصر)

حيدر حيدر (روائي/سوريا)

ياسمينة صالح (روائية/الجزائر)

ميرال الطحاوي (روائية/مصر)

فاطمة العشبي (شاعرة/اليمن)

هدى ابلان (شاعرة/اليمن)

 ** مقابلات فنية – موسيقى وغناء

مرسيل خليفة (ملحن ومطرب/لبنان)

اميمة الخليل (مطربة/لبنان)

عبد الله العصامي (ملحن/المغرب)

خديجة جسوس (مطربة/المغرب)

عبد الله الوزاني (أستاذ موسيقى أندلسية/المغرب)

عبد الله الكتاني (استاذ موسيقى أندلسية/المغرب)

** مقابلات – فنون أخرى

على فرزات (رسام كاريكاتير/سوريا)

أمية جحا (رسامة كاريكاتير/فلسطين)

عماد حجاج (رسام كاريكاتير/الأردن)

 

لمزيد من المعلومات عن عدلي الهواري زر موقعه التالي


www.adli.co.uk

للطباعة أحكام




للطباعة أحكام متعارف عليها، وهي على النحو التالي:


النقطة
لا يترك فراغ بينها والكلمة التي تسبقها. ويترك فراغان بعد النقطة والكلمة التي تليها.

مثلا: قرأت مجلة عود الند. وقد أبلغت عنها أصدقائي.

الفاصلة
لا يترك فراغ بينها وبين الكلمة التي تسبقها، ويترك فراغ واحد بعد الفاصلة والكلمة التي تليها.

مثلا: قرأت مجلة عود الند، واستمتعت بموادها.

الواو
لا يترك فراغ بين الواو والكلمة التي تليها.

مثلا: قرأت مجلة عود الند وقررت أن أقرأها كل شهر.

علامة الاستفهام (؟)
تنطبق عليها قاعدة النقطة، أي لا يترك فراغ بينها والكلمة التي تسبقها، ويترك فراغان بينها والكلمة التي تليها.

مثلا: متى علمت بصدور عود الند؟ وهل طبعت أيا من موادها؟

علامة التعجب (!)
تنطبق عليها قاعدة النقطة، أي لا يترك فراغ بينها والكلمة التي تسبقها، ويترك فراغان بينها والكلمة التي تليها.


مثلا: ما أجمل البحر! وما أحلى العسل!

 

وللكتابة أحكام

نقاط وفواصل



 

هل لاحظت كثرة علامات الاستفهام والتعجب والنقاط في العديد من الكتابات المنشورة في المطبوعات ومواقع الإنترنت؟ وهل لاحظت جملا لا يفصلها عن الأخرى نقطة أو فاصلة؟

لتوضيح ما اقصد، إليك نموذجا من مادة منشورة على أحد المواقع، يتحدث فيها المؤلف عن كتابة عن القصة القصيرة.

إذن فالمادة القصصية تكمن بداخل الكاتب وهي تمثل بعضا من تجاربه الخاصة وعلاقاته بالناس وبالأشياء.....وملاحظاته العديدة التي يخزِّنها في نفسه لوقت الحاجة .... فقط هي تحتاج إلى الموهبة التي تجعل منها عملا فنيا له قيمته ....

هل هذه جملة واحدة طويلة أم مجموعة من الجمل؟ لم يستخدم الكاتب الفواصل والنقاط كما ينبغي. ووضع الكاتب خمس نقاط في المكان الأول، وأربع نقاط في المكان الثاني، وأربع نقاط في نهاية الجملة (الفقرة).

نعم توجد حالة في الكتابة تستدعي استخدام ثلاث نقاط متتالية، وتجد هذه الحالة كثيرا في الكتابة الأكاديمية. وتستخدم النقاط الثلاث المتتالية لتدل على حذف جزء من جملة طويلة أو فقرة. وتوضع النقاط الثلاث أحيانا داخل قوسين. أما تزيين الكتابة برش عدد متغير من النقاط هنا وهناك فلا أساس له في أصول الكتابة.

لا تقع في هذه الأخطاء الشائعة في الكتابة. لكل علامة من علامات التنقيط (كالنقطة والفاصلة، وعلامة الاستفهام والتعجب وغيرها) دورها. ولتكن بدايتك مع علامات التنقيط بداية صغيرة تتمثل في إتقان الخطوات الثلاث التالية.


ضع نقطة واحدة في نهاية الجملة.

ضع علامة استفهام واحدة في نهاية السؤال.

مثلا: أين المفر؟

ضع علامة تعجب واحدة في نهاية جملة تتعجب فيها من شيء ما.

مثلا: ما أجمل البحر!
 

من عناقيد الغضب إلى حصاد الكراهية

قــانــا (1996-2006)

جابر سليمان - صيدا، جنوب لبنان



 

الجزاء القانوني يجب أن يبنى على مفهوم الضرورة، فهو ضروري للإجماع البشري أولاً، كي لا ينحدر إلى درك التوحش، وضروري للضحية ثانياً، كي لا تتدهور في سلم الآدمية.

القانوني الهولندي هوغو غروتيس--Hugo Grotius



ها هو التاريخ يعيد نفسه في تلك القرية الجنوبية الوادعة، قانا الجليل، التي شهدت قبل ألفي عام معجزات السيد المسيح ودعوته الخالصة إلى التسامح والمحبة بين بني البشر. بعد عشر سنوات ليس اكثر، تعيد دورة التاريخ نفسها في شكل مذبحة ومهزلة في آن. فبعد المجزرة التي تعرضت لها قانا عام 1996 خلال ما سمي وقتها عملية "عناقيد الغضب" تحصد قانا اليوم عناقيد الكراهية المتأصلة في ثقافة الحقد والاستعلاء الضاربة جذورها في الأيديولوجيا العنصرية الصهيونية. والمبررات في المرتين هي نفسها: الدفاع عن النفس ومحاربة الإرهاب وحماية مواطني "دولة إسرائيل." وهنا يكمن جانب المهزلة في دورة التاريخ هذه، عندما يلعب الجلاد دور الضحية، وعندما يصدق العالم المتحضر مقولة "طهارة السلاح" الصهيونية، فيوجه اللوم إلى الضحية بدلاً من معاقبة الجلاد المجرم.

من الأكاذيب التي روجت لها الصهيونية في حروبها ضد العرب أكذوبة "طهارة السلاح،" التي غدت مثار سخرية، حتى في بعض الأوساط الإسرائيلية. فالصحفي الإسرائيلي غبرئيل بيتربرغ يعلق في صحيفة معاريف 5/7/1996 على صدور الطبعة العبرية من كتاب "حرب الحدود" للباحث الإسرائيلي بني موريس، الذي يتحدث فيه عن العمليات الانتقامية الإسرائيلية (المجازر) ضد المدنيين العرب (1948-1956) مثل مجزرة قبية وغيرها، يعلق قائلا: "إن التوثيق الدقيق للوقائع من قبل الباحث ينبغي له أن يدفن نهائياً ذلك الشعار الفظيع والمثير للسخرية عن "طهارة السلاح،" مستنتجا أن الهمجية لم تكن مجرد ظاهرة شاذة وإنما هي ظاهرة شائعة تثير الأسئلة بشأن المجتمع والثقافة والأيديولوجيا، ما دام الجيش الإسرائيلي كان فعلاً ولا يزال جيش الشعب." وفي صيف عام 1982 نشر روجيه جارودي والأب ميشال لولون والراعي ايتان ماتيو إعلانهم الشهير في صحيفة "لوموند" الفرنسية بعنوان "بعد مجازر لبنان: ما معنى العدوان الإسرائيلي؟" كان الإعلان وثيقة تشرح للرأي العام الفرنسي ما جرى في لبنان عام 1982 وقبلها في فلسطين منذ العام 1948. حينها أقامت الأوساط الصهيونية القيامة ولم تقعدها واتهمت موقعي الوثيقة "بالحض على الكراهية والعنصرية ومعاداة السامية،" إذ يربط الإعلان بين مجازر إسرائيل بحق المدنيين في لبنان وبين المجازر النازية ضد اليهود، أو ما عرف بالمحرقة.

وبالعودة إلى مقولة "طهارة السلاح" نعود إلى قانا عام 1996 لنستحضر شهادات بعض الجنود وضباط وحدة المدفعية التي قصفت مقر قوات الطوارئ الدولية وارتكبت في حينها المجزرة بحق المدنيين العزل، ففي تحقيق أجراه الصحفي الإسرائيلي غيل ريبر (كول همير 10/5/1996) يقول أحدهم (الرقيب ط): "المدفع ليس سلاحاً دقيقاً ... لا يجري التدقيق في الخرائط لان هذا مضيعة للوقت ... وفيما يتعلق بقرية قانا، تقصير أو لا تقصير، سقط منهم قتلى. فما أهمية ذلك؟!"

وعندما يسأله الصحفي :"ألا توجد أي مشكلة ضميرية؟" يجيب الرقيب: "هذا جيش وهؤلاء عرب. ويوجد منهم الكثير ... لا توجد لدي مشكلة ضميرية تجاه هذه المسألة ولا لدى أي شخص من الزملاء." ويضيف الرقيب الصهيوني قائلاً: "في هذه الحالة المحددة حدث انحراف في التصويب ... وسقطت القذيفة في مكان ما كان من المفترض أن تسقط فيه ... ولكن لحسن الحظ حدث ذلك."

وفي سياق التحقيق الصحفي ذاته يقول أحد جنود وحدة البطارية المدفعية التي شاركت في قصف قانا: "دخل اتباع حزب الله قرية فيها عرب، وهذه مشكلتهم. زائد عربي ... ناقص عربي، أنت تعلم ما المقصود. هذا ما قاله لنا أيضاً قائد وحدة البطارية."

بارتكابها مجزرة قانا 2006 تضيف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مجزرة جديدة إلى سجلها الحافل بالمجازر ضد العرب كدير ياسين والطنطورة وقبية وبحر البقر وصبرا وشاتيلا وجنين وشاطئ غزة. وفي كل مرة ينجو مجرمو الحرب الإسرائيليين وحماتهم من العقاب. وفي هذه المرة أيضاً فشل مجلس الأمن في إدانة الجريمة بسبب الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل،" وتحول هذا المجلس إلى أداة بيد السياسة الخارجية الأميركية.

يقال أن المجازر لا تدخل التاريخ والوقائع السياسية عبر استحضار أهوالها ووقائعها فحسب، بل عبر ارتفاع صوت الضحية ومعاقبة المجرم أولا. فمن يعاقب مجرمي الحرب الإسرائيليين وحماتهم من مجرمي الحرب الأمريكيين في إدارة بوش؟ ومن المعلوم أن الإدارة الأمريكية الحالية قد تحسبت لما ارتكبت من جرائم حرب في العراق وأفغانستان وغيرهما، ولم تعترف بمحكمة الجزاء الدولية التابعة للأمم المتحدة، معتبرة أن جرائم الحرب يجب أن تحال إلى محاكم وطنية وليس دولية.

ولكن لا يمكن لمجرمي الحرب الأمريكيين والإسرائيليين الإفلات من العقاب إلى الأبد. فمهما طال الزمن ستطالهم يد العدالة الدولية بالضرورة. وفي هذا السياق يقول القانوني الهولندي الشهير ":"Hugo Grotius

"الجزاء القانوني يجب أن يبنى على مفهوم الضرورة، فهو ضروري للإجماع البشري أولاً، كي لا ينحدر إلى درك التوحش، وضروري للضحية ثانياً، كي لا تتدهور في سلم الآدمية."

والضروروي لا بد أن يحدث لأنه يعبر عن اتجاخ حركة التاريخ.

 

دبـــابــيـــــــس

أمــيـة جـحـا -فلسطين



 

يوم الخميس هو اليوم الذي أصحب فيه ابنتي نور (أربع سنوات) إلى البحر، فلا متنزهات و لا ملاهي للأطفال تتتسع لأطفال منطقة أكبر كثافة سكانية في العالم (قطاع غزة)، أو بالأحرى إسرائيل فرضت عدم اللعب والتنزه على أطفال فلسطين. حتى البحر يا نور ما عاد مكانا رحبا ولن نجد عنده شاطئ الأمان. وصارت نور تردد كثيرا قصة هدى التي قتل الإسرائيليون أسرتها على شاطئ البحر. وربما تكون قصة هدى و هي تنادى على أبيها الشهيد الملقى على شاطئ البحر من أكثر المواقف التي أثرت في نور، إذ أنها فقدت آباها شهيدا أيضا قبل ثلاثة أعوام. وكم تقتلني كلماتها عندما تسألني هل الجنة بعيدة؟ و هل لو ركبنا سيارة نصلها؟ إنها تريد أن ترى أباها.

*****
أيام عصيبة نمر بها. الكهرباء ست ساعات فقط يوميا، والماء مقطوعة، وهناك أزمة الرواتب، وتردي الأوضاع الصحية والاقتصادية. أمشي في الطرقات حيث يزدحم الناس وتتعالى أصوات البائعين لبيع لخضروات ممنوعة من التصدير بسبب الحصار الاقتصادي، وإغلاق إسرائيل للمعابر. آه ما أشد ألم المرحلة التي نمر بها! ولكن تجد أن الغالبية العظمى، والتي تكتوي بنيران هذا الحصار، مستعدة للتحمل فقط من أجل إطلاق سراح أسرانا من سجون الاحتلال البغيض، الذي صب جام غضبه علينا مذ أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. نحن فقدنا الأمل ليس فقط في زعمائنا العرب بل بالشعوب العربية أيضا، فلن نعول على دباباتهم و لا على بترولهم الذي يسير دبابات المحتل فوق أجسادنا. ليس لنا سوى الصبر والأيمان بالله

*****
يجب أن أرسم الكاريكاتير اليومي وأنجزه في فترة وجود الكهرباء. و علي أن أستثمر كل دقيقة. ولكن عمل الشركة التي أرأس إدارتها تأثر كثيرا بسبب أزمة الكهرباء، إذ أن مجال عمل الشركة هو إنتاج أفلام رسوم الكارتون. حاولت البحث عن موتور كهرباء، ولكن ولأن الأزمة عامة تكاد مولدات الكهرباء أن تكون قد انقرضت من قطاع غزة بسبب تهافت أصحاب المصانع و الشركات على شرائها خاصة و أن حل الأزمة سيطول.

*****
أول أمس هزتني صور مجزرة قانا الجديدة القديمة و أنا أرى صور الأطفال التي عفرها التراب. بكت قلوبنا قبل عيوننا، لأننا فقط من يشعر بوجعهم، و فقط نحن من يدرك معنى الألم و الحسرة و الدموع. كنت كالتائهة لا اعرف كيف سأعبر عن هذه الجريمة النكراء، فغضبي كبير، وألمي كبير. تمنيت لو كانت ريشتي بندقية أحملها وأصوب رصاصاتها في قلب المحتل الذي يحمل كل الأحقاد، و أصوبها الى عينيه التي يتحرى بهما دقة وصول الصواريخ لاغتيال الطفولة في فلسطين و لبنان.

*****
حلم أتمنى تحقيقه: أن يجتمع زعماء العرب في قمة عربية في لبنان، وأن يندوا و يشجبوا ككل مرة، و أن تخطيء هذه المرة الطائرات الإسرائيلية لأنه دون شك إسرائيل لا تتعمد قصف من يناصر عدوانها بصمته، وفتاواه الانهزامية، وبالنفط الذي يغذي دباباتها و طائراتها، فتقصف بصواريخها المجتمعين، فلا ينجو أحد. حينئذ ربما ينجو العالم العربي.

كاريكاتير بريشة الفنانة أمية جحا حول مجزرة قانا الثانية

 

الحضاريون والقيم المزيفة

عدلي الهواري



 

إهانة اللغة والمهن الإنسانية والقيم

في العالم الغربي المتحضر قلبت معاني الكلمات لتبرير ما لا يبرر. فإسرائيل تقوم بعمليات جراحية في لبنان وفلسطين. يا لها من إهانة للغة ولمهنة الطب الإنسانية التي تجري الجراحة لإنقاذ حياة الناس وشفائهم من الألم. مهزلة بل مأساة أن توصف بالعمليات الجراحية الأعمال التي تستخدم فيها المدافع والدبابات والطائرات وتسفر عن قتل البشر، وهدم البيوت، وتدمير الجسور.

العالم الغربي المتحضر لا يصدق العرب عندما يقولون إن صغارهم وشيوخهم، نساءهم ورجالهم، يقتلون بدون حساب من قبل إسرائيل. لا بد أن تكون المجزرة كبيرة وفظيعة، كمجزرة قانا الأولى والثانية، وان تكون كاميرات التلفزيون موجودة لتصور الضحايا، وعندئذ قد يتم الإعراب عن أسف مزيف، ويتبع الجرح بالإهانة عندما يقول القتلة إننا لا نستهدف المدنيين.

عندما تظهر أم لبنانية أو فلسطينية أو عراقية منكوبة على شاشات التلفزيونات الغربية لا تجد من يتعاطف معها، فهي لا تتحدث الإنجليزية، وترتدي لباسا مختلفا، وتضع في اكثر الحالات غطاء على رأسها، والتجاعيد تملأ وجهها، وقد لا تكبت بكاءها، وقد تقول إن فقدانها الأعزاء على قلبها لن يثنيها عن التمسك بحقوق شعبها والإيمان بعدالة قضيته، فيترجم كلامها بحيث يظهر أن كلامها عدواني رغم مصيبتها.

وفي إطار قلب المعاني والقيم، يصبح الاعتداء على شعب بكامله دفاعا عن النفس. والهجوم الشامل على لبنان وشعبه هو بمثابة مخاض كما تقول وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس. المخاض فيه ألم شديد للأم، ولكنه يهب الحياة، ويجلب السعادة . ولكن المخاض الذي تتحدث عنه رايس يهب القتل والتدمير بالجملة.

والقنابل الأميركية ذكية. طبعا القنابل لا عقل لها، ووصفها بالذكية إهانة أخرى للغة ولصفة يتحلى بها الإنسان، فلو كانت القنابل ذكية لرفضت أن تدمر البيوت على رؤوس من فيها، وأن تحول الأطفال والنساء والرجال إلى أشلاء. ولا جدوى من ذكاء هذه القنابل عندما توضع في أيدي أغبياء لا يقيمون وزنا لحياة الإنسان عامة، والعربي خاصة.

في الاتحاد قوة، إلا في حالة القادة العرب

الطرف الضعيف في صراع ما يلجأ إلى من قد يؤيده، إما إيمانا بعدالة قضيته، أو لوجود قواسم مشتركة معه. ومن خلال هذا الدعم يزداد الضعيف قوة ويتعزز وضعه مقابل خصمه. وثمة حكمة في بيت شعر يقول:

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا ----- وإذا افترقن تكسرت أفرادا

هذه البديهية أثبت القادة العرب عكسها، فإن تجمعوا وجدتهم يحجمون عن ممارسة الشجاعة الجماعية ويميلون نحو قبول الهوان الجماعي. عندما تسعى فلسطين إلى دعم عربي، فان ما تحصل عليه هو ضغط لتقديم التنازلات. ومع مرور السنين، تدرجت الأمور من كون القضية الفلسطينية قضية كل العرب، إلى قضية تعني الفلسطينيين ولا أحد غيرهم. وبعد اتفاق أوسلو، عمل القادة العرب بمنطق المثل الشعبي "مفيش حد أحسن من حد،" وبدلا من دعم فلسطين لتعزيز وضعها أمام الخصم طرحت مبادرة سلام باسم العرب جميعا.

وحتى مبادرة السلام العربية لم تجد في إسرائيل والولايات المتحدة من يوليها أي اهتمام، وبقيت حبرا على ورقها كغيرها من المبادرات. ولم يشعر طارحو المبادرة بغضب أو إهانة. وعندما شنت إسرائيل على شعب لبنان عدوانا شاملا، سارع القادة إلى الحديث عن مغامرين، واجتمع وزراء الخارجية العرب ولم يتفقوا على شيء، وترك شعب لبنان وحيدا. وهكذا يتضح أن قابلية القادة العرب للرضى بالهوان الجماعي أعمق بكثير مما يتصوره العقل.

جيلا بعد جيل

ها هو جيل عربي جديد يرى بأم عينه أن إسرائيل تتحدث عن السلام كثيرا، ولكنها تمارس العدوان. واستمرت في فعل ذلك حتى بعد اتفاقات السلام مع مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية. وحتى بعد طرح مبادرة سلام عربية في القمة التي عقدت في لبنان، لم تتوان إسرائيل عن الاستفراد بالفلسطينيين، وهي تدخل مدنهم وتخرج منها كما تشاء وتقوم فيها بعمليات جراحية لا تستهدف المدنيين، والغريب أن الفلسطينيين يجدون جثثا لأطفال ونساء في البيوت المدمرة. ثم جاءت إسرائيل بجبروتها إلى لبنان لتعلم اللبنانيين، ومن خلاهم بقية العرب، درسا يرفض العرب أن يتعلموه رغم إعادة الدرس مرارا.

لا أحد متحضرا يمكن أن يقبل أن تكون قيمة حياة إنسان أكثر من آخر. ولا أحد متحضرا يمكن أن يصدق أن هناك شعبا يستحق الأمن والسلام اكثر من شعب آخر. ولا أحد متحضرا يمكن أن يصدق أن بعض الشعوب، وخاصة العربية، لا تفهم إلا لغة القوة.

 

دعما للثقافة المستقلة



 

حال العدوان الإسرائيلي الشامل على لبنان دون صدور وتوزيع عدد مجلة الآداب لشهري تموز/يوليو وآب/أغسطس.  وقد وزعت افتتاحية العدد بالبريد الإلكتروني، والمؤكد أنها لم تصل إلى كل متابعي مجلة الآداب ومحبي الثقافة.   وها هي عود الند تضع الافتتاحية في متناول من لم تصله بالبريد الإلكتروني.  (الوثيقة على نسق بي دي اف وحجمها 85 كيلوبايت).

افتتاحية عدد مجلة الآداب لشهري 7 و 8

والثقافة --التي تحتاج إلى دعم في الأحوال الطبيعية-- تحتاج إلى الدعم اكثر في مرحلة عسيرة يحتاج فيها شعب لبنان لإعادة بناء الكثير.  وقراء عود الند مدعوون  لفعل الممكن لدعم الثقافة الراقية المستقلة ومؤسساتها في لبنان. ومجلة الآداب العريقة جديرة بهذا الدعم، فإن شاهدتها في الأسواق، اشتر عددا، وان استطعت الاشتراك لعام، فإليك أدناه المعلومات لفعل ذلك.

 

الاشتراك السنوي لعام 2006
 

لبنان:

30 دولارًا أمريكيًا (للأفراد) و 60 دولارًا (للمؤسسات).

البلدان العربية (باستثناء دول المغرب العربي):

45 دولارًا (للأفراد)، و90 دولارًا (للمؤسسات).

أوروبا وأفريقيا وبلدان المغرب العربي:

55 دولارًا (للأفراد)، و95 دولارًا (للمؤسسات).

بقية الدول:

70 دولارًا (للأفراد)، و110 دولارات (للمؤسسات).

ترسل اشتراكات المؤسسات بالبريد المضمون لا غير، وأمّا اشتراكات الأفراد فبالبريد العادي (وتُضاف عليها 15 دولارًا عند الرغبة في البريد المضمون). تُدفع الاشتراكات مقدّمًا: (أ) إمّا بشك لأمر مجلة الآداب مسحوب على أحد المصارف العربية، وإمّا (ب) بتحويل مالي لحساب دار الآداب رقم 3-810-763706-0338، بالدولار، البنك العربي.

للاشتراك في مجلة الآداب الرجاء إرسال بريد إلكتروني على العنوان الآتي:

d_aladab@cyberia.net.lb

http://www.adabmag.com/subscribe.htm

اسماعيل شموط: الفنان المؤسس، المجدد

رشاد أبو شاور - الأردن



 

اسماعيل شموط بريشتهما أن يذكر اسم الفنّان الكبير إسماعيل شمّوط حتّى يبدأ الحديث عن نهضة الفّن التشكيلي الفلسطيني، وانتشاره، واتساع حضوره. قبل إسماعيل شمّوط كانت بدايات فنيّة، ولكنها لم تكن أكثر من هواية، وما كان لهذه البدايات وجهة، أو هدف كبير. مع إسماعيل شمّوط، وبعد نكبة 48، وفّن إسماعيل شمط يرتبط بالنكبة، بدأت مرحلة التأسيس، والدراسة الأكاديميّة، والاحتراف، وبلورة الهويّة، والانتماء، والدور.

يشبه، عندي، دور إسماعيل شمّوط في الفن التشكيلي الفلسطيني، دور الروائي الكبير نجيب محفوظ، فقبل محفوظ كانت بدايات روائيّة، ومعه، وبه، نهضت أسس فّن روائي متطوّر، فكان نجيب محفوظ رائداً، ومطوّراً، ومجدّداً، وهذا أمر نادر.

تميّز إسماعيل شمّوط، ليس بفنّه الواقعي، ولكن بتطويره لفنّه الواقعي هذا، بإغنائه تكويناً، ولوناً، وانتقاله باللوحة من البسيط إلى الشاسع العميق الملحمي، من لوحة "أين أبي؟" إلى أعماله الملحميّة في سنواته الأخيرة، التي حملت عنواناً يتداخل فيه الخّاص بالعّام: "السيرة والمسيرة."

إسماعيل شمّوط ترافق في رحلته مع زميلته الفنّانة الكبيرة تمام الأكحل، التي باتت رفيقته وزوجته، وصنوه فناً، وحياة كلّها عطاء.

أوّل معرض لإسماعيل شمّوط شاهدته كان على صفحات مجلّة "الأسبوع العربي" اللبنانيّة، ربّما عام 1964 أو 1965. كان قد دعي لعرض أعماله في نيويورك، ولكنّ الصهاينة ضيّقوا الخناق عليه وحرموه من عرض أعماله في صاله من صالات الفّن، فتفتّق ذهنه وبعض الفلسطينيين والعرب هناك عن اقتراح بعرض اللوحات على سطح بعض سيّارات التاكسي، والدوران بها في الشوارع، والتوقّف في بعض الساحات العّامة. هذه الواقعة تكشف أن فّن إسماعيل شمط بدأ مقاوماً منذ بدايته، وبدأ محارباً لتغييب الإنسان الفلسطيني وقضيّته.

ليس صدفةً أبدا أن العدو الصهيوني قصف بناية كان قد افتتح فيها الفنّان الكبير إسماعيل شمّوط قاعة عرض حملت اسم قاعة الكرامة. كان الفنّان الكبير قد عاد حديثاً من ألمانيا، بعد أن أجريت له عمليّة قلب، ومع ذلك فقد رأيته وهو يغامر بحياته لينقذ بعض اللوحات التي عرضت في المعرض الأوّل في تلك القاعة لعدد من كبار فنّاني فلسطين. في كتابي "آه يا بيروت" كتبت فصلاً قصيراً عن تلك الواقعة التي شاهدتها دون أن ينتبه الفنّان الكبير، وحمل الفصل العنوان: "أزهار الفاكهاني." كان إسماعيل شمّوط يرسم أزهاراً، وبحرا، وطيوراً، ووجوهاً، وعشّاقاً.

إسماعيل شمّوط فنّان كبير مؤسس، مطوّر، مجدّد. رحل بعد أن أغنى حياتنا، ونشر فلسطين بكّل ألوانها في العالم. لذكراه الخلود.

-----

المزيد من المعلومات والرسوم في الموقع الرسمي:

www.shammout.com

 

إلى روح الإعلامية السورية

سلوى الأسطواني

أميمة أحمد - سوريا



 

اسطواني سلوىكنت وسلوى الأسطواني زميلتين في إذاعة القسم العربي من هيئة الإذاعة البريطانية-بي بي سي- وفي موقع إسلام انلاين. لم ألتق سلوى وجها لوجه، ولكن نشأت بيننا صداقة عبر الإنترنت خلال السنوات الثلاث الماضية. كانت سلوى رقيقة المشاعر، لطيفة الحديث، مهذبة التعبير. وكانت سلوى محبة للحياة بشكل منقطع النظير.

تواعدنا في دردشاتنا الإلكترونية أن نلتقي في دمشق بعد عودتي من الجزائر، ووعدتني بأن تكون أول المستقبلين لي في المطار. قالت بضحكتها المغردة سنتعرف على بعضنا في المطار. قلت لها "ستكون أول فرحة لي بعد اغتراب عن سوريا دام حتى اليوم ستة وعشرين عاما. لقد اشتقت للبلد وأهلي وأصدقائي."

عاجلتني بلهفة كمن يضمد جرحا وسألت: "هل تريدين أن أسعى لك مع أصدقاء لي لتعودي معززة مكرمة؟" فقلت لها "مشكورة يا عزيزتي على مشاعرك الطيبة، لكن دعي الأمر للأيام، ولا بد أن نلتقي، المهم الآن أن تهتمي بصحتك، وتعالجي أعراض الغدة الدرقية، فالضغط النفسي أحد أسباب هذه الأعراض المؤلمة التي تشعرين بها."

كم من الضغوط تعرضت لها يا جميلة دمشق؟ كانت تفضفض عن نفسها في أحاديثنا، وقالت لي يوما: "أنت صديقتي الوحيدة رغم أننا لم نلتق. وأشعر بالارتياح معك لأنك تشعرين بما أعاني. الضغط علي من كل جهة: الصحة، العمل، وكلما عملت مع وسيلة إعلام لاحقتني أجهزة الأمن لانتزاعها مني وإعطائها لغيري. سيارتي حطمتها المخابرات بجرافة، وهي مرمية الآن أمام منزلي، والسبب أنني غطيت نشاطات المعارضة السورية في المنتديات التي أغلقتها السلطة بعد شهور قليلة من السماح لها بالظهور." كنت أشعر بمعاناتها، فأسري عنها ببعض النكات، ثم أطمئن عندما أسمع ضحكتها، ونتواعد على اللقاء ثانية.

سلوى الأسطواني من مواليد عام 1938، وقد فقدت ابنة لها كانت في العاشرة من العمر، ولها ابن في الثلاثينات من العمر. دخلت سلوى ميدان الإعلام قبل أربعين سنة، عملت خلالها مع العديد من المؤسسات الإعلامية، فكانت بحق صحفية مخضرمة.  وكانت على مدى سنوات عديدة المراسلة المعتمدة في دمشق لهيئة الإذاعة البريطيانية-القسم العربي.  وعرفها مستمعو القسم بتوقيعها في نهاية رسائلها الصوتية بـ "سلوى اسطواني دمشق."

غابت سلوى عن الإنترنت في الآونة الأخيرة. فسرت غيابها بمشروعها السفر إلى دبي لتعمل صحفية، وكانت قد حدثتني عن ضجرها من الحياة بدمشق التي "تغير الناس فيها كثيرا، وأصبح كل واحد ينهش الآخر، ويدوس عليه لمصلحته، والضغط الأمني يقطع الأنفاس." وبعد نحو أسبوعين من غيابها وصلتني رسالة إلكترونية تتحدث عن مرض العزيزة سلوى، وتعرضها لجلطة دماغية، وهي في غيبوبة. صعقني الخبر. لم أصدق. اتصلت بهواتفها لعل أحدا من أسرتها يجيبني وأعرف وضعها الصحي، ولكن لا مجيب. ولم يبق لي سوى الدعاء لها بالشفاء.

يمر في خاطري شريط الذكريات خلال الثلاث سنوات الماضية، وأسمع صوتها يقول "مشتاقة لك كثيرا، شو أخبارك؟ أنا أخباري زي الزفت، الآن عدت من عند الطبيب. لم أعد أثق بالأطباء." مرت الأيام على مدى ثلاث سنوات نتعشم اللقاء، ونبني الأحلام. وكنت أحذرها: "سلوى ممنوع الخيانة، يجب أن نلتقي،" فتؤكد الوعد باللقاء واستقبالها لي في المطار. لكن جاء قاتل الذات ومفرق الجماعات، جاء الموت وحرمني من لقائها.

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

مـــرايـا الــداخــل

رانيا مأمون - السودان



 

وها أنا أفعلها الآن وأكتب لك، دون تخطيط، أو نية مسبقة، ودون دراية كاملة بما سأكتبه. وجدتني أبدأ في الكتابة -- محبوبتك وصوتك المقروء. أحاول بها ومن خلالها أن أتمرأى في مرايا نفسي. أنظرها، وأعيد النظر إليها، ليس بحثاً عما سقط سهواً مني، إنما محاولة للتجديد. كل شيء يحتاج إلى تجديد حتى الإيمان في قلوب الخلق، وأنا الآن أريد أن أجدد نفسي، ليس بنفضك عنها؛ إنما بوسمك فيها أعمق.

أحتاجُ إليك. وأريدُ أن أحادثك. أشتاقُ إليك. وأرغبُ في رؤيتك. أهفو إليك. وأتمني أن تسبقني روحي إلى قبرك، فكم من السنين مرَّت دون أن نلتقي، دون أن أسمع صوتك، أرى ابتسامتك، أتملى في تفاصيلك، دون أن يسحرني محراب صمتك ويأخذني مني إليك، دون أن تلمس يديّ يدك، دون أن يضمني إليه صدرك، دون أن أسمع حبك وأبكي مع حزنك، وأهدئ غضبك الجميل، وأمتصه كما يمتص الرضيع ثدي أمه؟

ولغرابة الأمر الذي قد لا يصدقه الآخرون، أنني لم أرك تغضب لأجل نفسك. كنتَ جميلا حتى في غضبك، بوجهك المقطب وحاجبيك المقتربين من بعضهما، كأنهما عزيزان يودان إلقاء التحية على بعضهما. وكان أكثر ما يثيرني هو نسيانك أن تغضب لنفسك. بالله عليك أخبرني إن كنتَ فعلاً من بني البشر.

أتذكُر عندما قلتَ لي"أتمنى أن أشق جلدي وأدسك جواهو"؟ كنت أتمنى فعلاً أن تخبئني فيك، وأحيا تحت جلدك. هناك أستشعر الأمان أكثر، وأكون قريبة من مجاري الدم فيك. ولكني قلتُ لك: "أخاف ألم الجرح لك،" ولم أكن لأزيد جراحك المفتوحة أصلاً واحداً، حتى لو كان بيدك لا بيد غيرك.

في البدء كانت توسوسني نفسي بأنك لا تحمل لي ما أحمله لك من حب، وأنني لستُ أولى اهتماماتك كما كنت أنت أول اهتماماتي. أغتاظ منك وأنت تكيل الحب لوطن يُلَوِّح لك بقيده، وتدفق العطاء لمجتمع ينظر إليك من علٍ. أخبرتك بشكّي وغيظي، فقلت لي: "ثقي أن حبي لكِ إن كان مجازاً لنا أن نقدِّر الحب هو نفس قدر حبك لي إن لم يَفُقْه حجما." وكنت قد غفلت في انصياعي لوساوسها أن قلبك أكبر حجماً من قلبي.

وطَّنتُ نفسي على القناعة عندما قلتَ لي: "إن وطنك هو قلبك." ولم أكن بالطمع الذي يدفعني لأن أحظى بكل قلبك، فرضيت بطيب خاطر بالجزء المخصص لي. هل كنتُ غبية برضائي؟ أم كنتُ مكتفية بحبك؟ أم تلميذة تحاول أن تتعلم؟ كيف وإلى أيّ درجة تحب وطنها؟

لم تكن تحبني فقط، بل كنت تعلّمني. تعلمت منك الكثير وعرفت من خلالك الكثير الذي كنت أجهله ولا أهتم به. تعلمت منك كيف أسمو بالحب. كيف أعطي دون شرط. كيف أنزع حقاً. علمتني ألا أرضى بظلم، وألا أسمح لأيّ شيء مهما علا قدره، ولأيّ إنسان مهما كان قدره، أن يكبل حريتي أو ينال منها. علمتني ما لا يحصى بكلمات ولا يُعد، يا من لا مثيل لك. فلم أكن سوى فتاة خرجت للتّو من بيتها ومدرستها لتدخل معترك الحياة، وتكون مسؤولة عن نفسها في غربتها.

أعترف لك أنني كنت صغيرة، عديمة خبرة بأيّ شيء حتى الحياة. وكبرت معك. وكبرت بك. وكبرت لك. هل كنت أنتظر أن أكبر على يديك؟ أم كنت تعرف مجيئي الحتّمي إليك لتُكَبَّرني؟ أم أنه قدرنا: قدري وقدرك؟ يا أيُّها الممتد فيَّ باتساع الكون، لِمَ فارقتني؟ أنا التي أحتاج أن أتدثَّر بك، لأقوى على الحياة ومن فيها. أحتاج إليك في عمري المنزلق بعد أيام إلى الأربعين. أحتاج إليك في وحدتي. أحتاج إليك في غربتي. يا من كنت أبي بعد موته. وأخي في بعده عني. ووطني في اغترابي عنه. يا من كنت لي كل البشر. في وحدتي هذي، وغربتي هذي أنت أكثر ما أتمناه. أنت كل ما أحتاج إليه.

طوال سنوات وأنا أسأل نفسي: "ما الذي يتوجب عليَّ فعله بعد أن غادرتني؟ هل أبكي موتك أم أفخر به؟" وبين حرقة البكاء وزهو الفخر يزحف الحزن فيَّ، يحجبني عن سواه، ويضرب مسمار فقدك نَصْلَه عميقاً في نفسي. ترمل قلبي. وثكل وطني. ووُرِيت أنت الثرى. ومازال الجلاد يا عمري يمسك صولجانه. أيّ آلام عانيت؟ وأيّ دماء بصقت؟ وأيّ حمى استباحتك؟ هل كان كثيراً عليه لو عالجك؟ هل كان كثيراً عليه لو أخرجك؟ أم أن هذا بالتمام والكمال ما أراده: أن يسوقك إلى قبرك ويكتم صوتك إلى الأبد. هل ظن أنه نجح في مسعاه؟ وهل ظن أنه ظفر؟ بدأنا الآن في تحقيق حلمك، وسنُخرِج للملأ صوتك، وسنرى ويرى حينها إن كان قد أصاب في مسعاه أم طاش سهمه.

اعذرني على تأخري الذي طال سنوات، تأخري لم يكن إلا رغماً عني. أنت تعرف هذا، وتعرف أني لا أتأخر عنك تحديداً إلا بسبب. وإن كان في نفسك بعض عتب، وإن كان في نفسك طفيف غضب، فشفيعي لديك حبي، ويكفي هو عن كل اعتذار. منذ الآن كن مطمئناً. ومُت كما عليك أن تموت. مُت وتملأك الثقة أنك لم تمت دون جدوى. مُت وأنت جذل أن لموتك ثمنا. دمك وكل لحظة ألم عشتها هي دَيْنٌ مستحق الدفع منذ سنوات والآن فقط سننتزعه انتزاعاً.

أذكر ما سمعته منك يوماً من كلام شهيد أثينا، سقراط، عندما تلوته كأنك تستشعر مصيرك، تستقرئ غدك، وتكشف عنه الحجاب: "فلنواجه الموت بشجاعة كما واجهنا الحياة. ليست المشكلة يا قضاتي في أن ننجو من الموت، بل في النجاة من الجريمة." هذا سقراط قبلك يُعدم جراء فلسفته وفكره وكلمته، ويُعطى قدح السُّم ليتجرعه بيديه، وهو يعرف أنه سيموت بعد لحظات. أيّ قدرة تلك على الموت وأيّ شجاعة! بينكما عصور وآلاف السنوات والقتل مازال كما هو، فقط اختلفت أداته. كانت في حالته السم، وفي حالتك قتلك مرضاً، وترك المرض يستشري في رئتيك، يآكلهما، يتلفهما. القتل واحد رغم اختلاف طرقه وسبله. وكم من الآخرين واجهوا نفس المصير على مر العصور؟ فهل قدر الكلمة أن تكون قاتلة لقائلها؟ وهل قائلها يعلم أنه يحمل رصاصة في فمه ستُعاد مباشرة إلى قلبه؟

عندما تداعى كل شيء فيَّ بعد وفاة أبي جئتني أنت وقلت لي كلاماً كثيراً عن الموت والصبر، كلاما كنت أعرفه، ويعرفه كل الناس. كانت غايتك أن تلملم حزني وتصُرُّه في حيز ضيق في نفسي. سألتك: "وهل يستطيع الإنسان ألا يواجه موت أقرب الخليقة إليه بالحزن والدموع؟" كنت عاتبة على نفسي، ومازلت حتى الآن أتقلّب على جمر الندم؛ لأنه رحل وهو يشتاق إلي، ولأنني كنت بعيدة بما يكفي لأتوه عن قبره، هو الذي كان يدعوني مهجة القلب. أيّ جحود هذا الذي قابلته به وأي خذلان؟ يزورني في حلمي. يعاتبني أحياناً. يضمني ويداعبني أحياناً أُخَر. وفي كل مرة أطلب منه السماح.

وقبل أن تغادرني اتخذتك أبي بعد أبي. وعوضتني الحياة بك، ثم بعد سنوات قليلة جداً كررتَ أنت موته، وأصبحتُ أعيش مرة أخرى بلا سقف أُبُوَّة يظلّني ويمنحني رعايته وحنانه. بعد موتك يا مَنْ غيّرتَ عاداتي، كنتُ أجهل كيف يمكنني مواصلة الحياة دونك. كرهتُ حياتي، وعملي، وأصبح كل شيء لستَ فيه تافهاً وبغيضاً. تلاشت رغبتي في كل شيء. كل شيء ابتداءً من الحياة نفسها وانتهاءً بالكلام. موتك سلبني كل سبب يربطني بالحياة. أصبح الكون بما فيه لا يعدو أن يكون سوى فراغ لا متناهٍ، أصرخ فيه ولا يسمعني أحد. وأنا تائهة أحمل حبك وأمانتك بين يدي ولا أجد مستقرا.

-----
مقطع من رواية فلاش أخضر للروائية السودانية رانيا مأمون. الناشر: الشركة العالمية للطباعة والنشر - مصر (2006).


 

لا بد من صنعاء وإن طال السفر

جولة في الأسواق القديمة، قلب صنعاء النابض

منال الكندي - اليمن



 

الجولة في أسواق صنعاء القديمة تعيد الذاكرة إلى أيام علاء الدين والمصباح. ويشدك في ممراتها وأزقتها الضيقة منظر حركة الناس وأصواتهم. ولا تزال أسواق صنعاء القديمة القلب النابض للمدينة التي تحتفظ بعبق التاريخ.

الرحلة لاكتشاف وفتح أسرار المدينة القديمة وأسواقها تبدأ بباب اليمن، الذي يقع جنوب المدينة القديمة، ويشكل بداية الطريق المؤدي إلى مدن عدة تنتهي بمدينتي تعز وعدن. ويعود تاريخ بناء هذا الباب إلى سنة 1316، وبني في زمن القائد العثماني، احمد فيضي باشا. يطل الباب من الداخل على ساحة متوسطة يجلس فيها بعض الباعة المتجولين، وتحيط بالساحة حوانيت معاصر الزيت، والدكاكين ذات الطابع الجديد. وتنتشر في الأزقة الأسواق المختلفة والعجيبة من حيث التركيب والتجاور، فالأسواق في هذه المدينة مركزية تقع في وسط المدينة، كما أنها تخصصية ذات نسيج عمراني منسق وتخطيط متصل.

تتألف مباني هذه الأسواق من حوانيت أو دكاكين صغيره لا يزيد معدل أبعاد كل منها عن مترين في مترين، وطريقة بنائها بدائية وخالية من النقوش والزخارف. يتوزع في منطقة السوق عدد من المباني متعددة الأدوار التي تصل في الغالب إلى ثلاثة وتسمى السماسر (ومفردها سمسرة). وكانت السمسرة في الماضي النزل أو الخان، وهي تتكون من مدخل أرضي، وباحة، وغرف متجاورة للمسافرين. وكانت السماسر قديما تمثل حلقة أساسية في تجارة القوافل والعلاقات الاقتصادية المتصلة بها. ويعود عمرها إلى ما يقارب 200 إلى 250 سنة. وكانت السماسر تقوم بوظيفتين أساسيتين هما تخزين البضائع والسلع، وإيواء التجار الغرباء عن المدينة. ومع الزمن تغيرت وظيفة هذه السماسر فأصبحت مراكز لتطوير الحرف اليدوية، ومنها صناعة العقيق، وصياغة الفضة، ودبغ الجلود، والنسيج، ونحت الخشب.

عند دخول السمسرة تخطف بصرك لألأة الفضة وألوان العقيق والكهرمان، وشفافية الكريستال، وتطرق مسامعك الحكايات الغريبة عنها، والخواص التي تتمتع بها كما يعتقد سكان المدينة، فمثلا يقولون لك إن لبس العقيق ينشط الجسم، ويعمل على امتصاص الدم الفاسد، ويزيد من الرزق.

يقال إن مدينة صنعاء القديمة تمتلك أربعين سوقا تتمركز في قلب المدينة والشوارع الممتدة من باب اليمن، وكلها متصلة. ويعتبر سوق الملح قلب صنعاء القديمة، ترشدك إليه روائح البهارات القادمة من الهند. وحوانيت هذا السوق متجاورة ومفتوحة على بعضها البعض على طول الممر الضيق والممرات المتفرعة من السوق الذي يأخذك إلى أسواق أخرى. يعتبر سوق الملح المركز الرئيسي لاستقبال البقوليات والحبوب والبهارات بأنواعها من داخل اليمن ومختلف بلدان العالم. والحياة في هذا السوق تبدأ مع شروق الشمس، فترى الناس ذهابا وإيابا هنا وهناك: هذا يشتري بهارات، وهذه تسأل عن الثوم والحمص، والبائع يلبي طلب المشتري ويكيل الميزان وعلى وجهه ترتسم ابتسامة مرحبة.

ويستمر التجوال فأصل إلى سوق أخر يبهرك فيه الألوان الأحمر والأصفر والأخضر. عالم ثان وكأنك فراشة تطير في بستان زاه بألوانه المختلفة: إنه سوق الفتلة، حيث تبيع حوانيته المتجاورة الخيوط الملونة والمختلفة، والأزرار وكل ما يختص بفن الخياطة والتطريز. ومن سوق الفتلة تعرج إلى سوق المعطارة حيث الحوانيت صغيرة جدا منتشرة على طول الممر الضيق، وحيث يتفنن العطارون في تركيب العطور العربية والهندية، وأدوية الأعشاب الطبيعية، والحناء. ومنه تخرج إلى سوق اللقمة وفيه حوانيت صغيرة تقدم الأكلات الشعبية اليمنية القديمة والتي لازالت مرغوبة كالسلتة والحلبة و الفحسة والملوج (*) وهنا يجد المرء نفسه بحاجة إلى استراحة لتذوق هذه الأصناف اللذيذة التي تسافر به إلى أجواء الحياة القديمة، حيث الأطمعة تقدم في أطباق فخارية بالألوان الزاهية وسط ضجيج الباعة المتجولين.

بعد الاستراحة أنتقل إلى سوق المحدادة، ويعرف أيضا بسوق الحلقة، ويغلب على جدرانه اللون الأسود. وبمجرد المرور فيه تشعر بحرارة النيران التي تشتعل في كل محل. في هذا السوق تصنع الفؤوس والمطارق وأدوات الحراثة. وللسوق حكاية لها علاقة بسورة الفيل التي تذكر المسلمين بمحاولة الهجوم على مكة لهدم الكعبة، وتعرض المهاجمين (أصحاب الفيل) للرمي بحجارة من سجيل، فأصبحوا كعصف مأكول. وملخص الحكاية التي تروى في سوق المحدادة/الحلقة أن أبرهة الذي قاد الحملة وقف في هذا السوق بعد رجوعه من مكة، وقد حلق فوقه طير ورماه بحجرة.

يتفرع من سوق المحدادة شقيقه سوق النجارة، وهو مجاور للجامع ا لكبير، ويقوم بكل أعمال النجارة، ويغطي حاجات صنعاء من أبواب وشبابيك. وبجوار هذا السوق، وعلى طول ممره وفي موسم العيد الكبير، يتم بيع الأضاحي، حيث يخرج الناس من الجامع بعد الصلاة ليشتروا أضاحي العيد.

وأنتقل بعد ذلك إلى سوق البز أو الأبيض، حيث يباع أفضل أنواع الأقمشة، وسمى بهذا الاسم لأنه كان يتميز قديما ببيع الأقمشة البيضاء الخاصة بألبسة الرجال. بعدها تتجول عبر ممرات ضيقة تنتشر على جوانبها حوانيت الجنابي (الخناجر)، وهي مقسمة حسب تخصصها، فهنالك حوانيت خاصة بصناعة العسوب (الأحزمة)، وأخرى خاصة بالخناجر المعروفة باسم الجنبية، وهي بالنسبة لليمنيين جزء لا يتجزأ من اللباس التقليدي للرجال، وترمز إلى الهوية القومية، وتستخدم كضمان عند حل الخصومات أو القبول بشروط التحكيم، وذلك عن طريق وضع خناجر الأطراف المتخاصمة بين يدي القاضي أو الحكم لتفويضه بالبت في الحكم. كما أنها من الموروثات الشعبية التي يعتز بها.

في شهر رمضان يصبح النشاط كثيفا جدا في سوق الجنابي خاصة مع اقتراب عيد الفطر والأضحى ، إذ يتحول السوق إلى مركز لعرض الجنابي وبيعها، وتتفاوت أسعارها حسب أنواعها وأشكالها وقد يصل سعر الجنبية الواحدة إلى 400000 ريال يمني (حوالي ألفي دولار).

ثم أذهب إلى سوق المداعة، وهو سوق في زقاق ضيق جدا، تصنع فيه كل أجزاء المداعة، التي تعرف في بعض البلدان العربية بالشيشة أو الأرجيلة. غير أن المداعة اكبر حجما، وتأخذ أشكالا عديدة، وتحلى بنقوش مطلية بالذهب والفضة. وترى الرجل يتفنن في صناعتها ونقشها، وفي خياطة الأكياس الملونة الخاصة بقصبة الأنبوب الطويل للمداعة.

في الجهة الغربية من المدينة توجد سمسرة الزبيب والبن والقشر. المدخل عبارة عن عقد نصف دائري. ويفضي المدخل إلى بهو فسيح يحيط به من جميع جهاته مخازن لخزن وبيع الزبيب. ويفصل البهو عن المخازن ممر تحيط به عقود متصلة مع بعضها البعض، وهذه العقود محمولة على أعمده من الأحجار الاسطوانية الشكل تنتهي بتيجان. وكان يطلق على هذه السمسرة قديما جمارك البضائع نظرا لوجود الميزان الكبير الخاص بالدولة هناك لوزن البضائع وجمركتها وبيعها.

وأنشط أسواق صنعاء القديمة سوق القات لأنه يعرض اكثر السلع شعبية، وهذا السوق عبارة عن ممر طويل تنتشر المحلات على جوانبه من بدايته إلى نهايته، وهي محلات صغيرة جدا يكفي الواحد منها لشخصين فقط. ويوجد في أسفل المحل مخزن لخزن القات يمكن الدخول إليه عن طريق فتحة في أرض الدكان. والقات أنواعه كثيرة ومسمياته متعددة، وأسعاره متفاوتة. ويزدحم السوق بعد صلاتي الظهر والعصر. ومما يلفت النظر هو أن نشاط الحرفيين والبائعين في تلك الأسواق لا يبلغ ذورته إلا في فتره ما بعد الظهيرة، عندما يخزن الحرفي والبائع القات، ويدخن المداعة قاعدا في متكته المريح والمرتب بمكانة في دكانه.

وهنا تنتهي جولتي في أسواق باب اليمن وممراتها وأزقتها الضيقة، والجولة فيها تمثل نوعا من العودة إلى اكتشاف ما كان يجري في عصور قديمة زاهية. وهذه الاستمرارية التاريخية لأسواق صنعاء منذ ألفى عام إنما هي ناتجة عن أن صنعاء جسدت دائما المدينة والسوق. وتعتبر أسواق صنعاء القديمة من أقدم الأسواق في شبة الجزيرة العربية كلها. ويستطيع المرء أن يجد فيها بغيته ويتمتع أيضا بالسوق والتعرف على أنواع الحرف وجمال اللوحات المعمارية الفنية المتمثلة في المباني التي تحتضن السوق وتطل عليه. كما أن الزائر يسعد ببساطة وترحيب أهالي صنعاء القديمة بمقدمه.

-----
(*)
البز: القماش.
الملوج: خبز يمني يخبز في فرن خاص.
الفحسة: أكلة شعبية تتكون من اللحم والحلبة وتطبخ في إناء من الفخار.
السلتة: أكلة شعبية تتكون من اللحم والمرق والخضروات والحلبة والارز، وتطبخ في إناء من الفخار.
القات: عشبة خضراء تخزن في الفم وتساعد على الاسترخاء. ويجادل البعض بأنها مادة مخدرة.

 

رقـــــــــعـــة شــــــطــرنـــــج

ربى عنبتاوي - فلسطين



 

يا حياتي المبعثرة بين سلوكيات البشر الهوجاء وذاتي الطموحة، يا عالمي المتمرد على الفشل والتصنع والخطيئة، يا أيامي المنتظمة الحظوظ، خالفي القاعدة يوما واحدا واجعلي انتقامك يومين لا بل ثلاثة واتركي لي الغد، يوما سعيدا إن لم يكن مهرجان فرح، ولتعلمي أن حياتي رقعة شطرنج، فلا أنا منكرة ذلك ولا من رسم خارطة أيامي، فيا قدري أسعدني من شروق الشمس لغروبها فقط ليوم واحد، لحلم واحد.

تلك كلمات نظمتها وهي تسيل الشمع على شباك غرفتها ذي الزجاج العاكس، كانت تتأمل تراقص أغصان الزيتون الغاضبة من عدائية رياح شباط، وفي الأسفل أخذت تشاهد هرا اسود يموء بوحشية متحفزاً للقتال مع آخر، وعند رجلها اليسرى قطة تمسح بشعرها الرمادي طرف بنطالها، أكملت رسم خطين متقاطعين أحمرين قطعا النافذة إلى أربعة مثلثات، بينما الريح لم تهدأ تطرق النافذة.

التفتت إلى قطتها. ابتسمت لها وهي تحملها للخارج علّها تنهي صراعا داميا بالأسفل، عادت إلى غرفتها، أزالت الغطاء عن لوحتها، تأملتها، شتمتها، تذكرت كيف عادت إلى المنزل غاضبة، مستفزة فمسكت الريشة، حضرت الألوان ورسمتها. كانت اللوحة عبارة عن رقعة شطرنج خالية بلا أبطال، فلا هناك استعدادات حربية، أو نوايا دفاعية، رقعة بلونين ابيض واسود. تذكرت الشخصيات التي تضطر للتعامل معها، تذكرت كيف تشعر معهم بالاغتراب والاستنفار. كانت تعود للبيت متذمرة وتقول:

"ما الذي يجبرني على تحملهم؟ إنهم حثالة ."

تذكرت مشاريعها الفنية، أفكار لوحاتها، تكلفة الألوان، الأقمشة والإطارات. ابتلعت غضبها بقراءة سطرين لجبران فهدأت ونامت.

استيقظت في الصباح وعلى نافذتها طبقة ضبابية وقطرات ندى، أسندت ظهرها إلى الوسادة، تأملت لوهلة غطاء سريرها المخملي. كان عليه بعثرات ورود ليليكية سابحة على مساحة بيضاء. تذكرت لوحتها، التفتت إليها، نهضت من سريرها وهي تشعر بقلق وتوتر، نظرت إلى النافذة لتجد خطي الشمع ساقطين على قاعدة النافذة، تنهدت وهي تتذكر ترّهات عشوائية تصرفاتها البارحة.

سارت وهي تتأبط لوحتها، ركبت السيارة العمومية وهي تحتضنها. مع كثافة المطر أخذت الأفكار تتبادر إلى ذهنها، لماذا أصرت على أن تكون تلك اللوحة لوحتها المنافسة؟ لماذا وثقت بها لهذه الدرجة؟ لماذا ستضعها أمام لجنة تحكيم وبجانبها لوحات متخمة بالألوان والأفكار؟ أشارت للسائق بالوقوف. نزلت على مقربة من المؤسسة الثقافية، سارت على الرصيف وفي إحدى يديها اللوحة وفي الأخرى المظلة، كانت تبتسم.

على طرف الرصيف كانت هناك برك مائية، مرت سيارة مسرعة من جانبها، فجأة تبلل جانبها الأيسر، اندفعت للجانب مذعورة، انزلقت اللوحة من يدها وسقطت على الرصيف، سارعت لحملها وهي تحاول الاطمئنان أن الماء لم يتسرب إلى اللوحة.  لعنت يومها وهي في طريقها إلى المؤسسة، تذكرت رقعة شطرنج حظها، لامت تأخرها في تسليم اللوحة لليوم السيئ في توالي أيامها، لم تؤمن بالتنجيم يوما بل آمنت برقعتها (يوم لك ويوم عليك).

قدمت اللوحة للجنة بسرعة دون أن تلمح تعابير وجه أحدهم وهو يمزق غطاءها، غادرت، ابتعدت لترمي وراءها هموم لوحة بأكملها، منهاج حظ بأكمله، صعدت إلى الحافلة وفي جيبها قطعة شكولاتة فاخرة، تذكرت كيف التقطها سريعا قبل أن تضطر لأخذ الأواخر الأقل تميزا وكيف كان يومها آنذاك بحر تفاؤل وسعادة إن لم يدم إلا قليلا.

لامت نفسها مراراً، فقد كان يومها أعسر من وقوع لوحة على ماء الطرقات: لقد نسيت أخاها الصغير في المنزل لوحده، فتعثر واقعا من أعلى الدرج، ووجدته أختها متألماً، فأسرعت به إلى المستشفى القريب.  اللعنة على تلك اللوحة! وبخت نفسها لأنها نسيت الاتصال بجليسة الأطفال لترعى أخاها الشقي كثير الحراك.

وسط اضطرابات عائلية، وخوف وقلق من تأثير السقطة على رأسه، وسط تهويلات خيالها، لم تنم الليلة، أمضت الليلة جلوسا على مقعد المستشفى، لم تنم إلا بعد أن عادت إلى بيتها مع عائلتها وأخيها الصغير في حضن أبيه، وهي مطأطئة الرأس تأنيبا وخجلا.

أسندت رأسها إلى الوسادة وفي رأسها تراكمات يوم مشئوم، زاد إيمانها بالتطير، استعادت أحاسيسها على مدار عشرين سنة، إنها الرعشة، كان عليها أن تتيقن كل صباح، إنها تلك القشعريرة التي تنتابها عند النهوض من الفراش. لماذا تلازمها حتى في الصيف؟ إنها الصوت الداخلي لها لتحذر يومها، نامت وفي عينيها دمعتين سقطتا دافئتين على وجنتيها، لتنزلقا وتمتزجا مع بحر الوسادة الأزرق.

استيقظت دون أن يوقظها أحد، الكل غاضب منها على البارحة، تركوها نائمة للعاشرة. "آخ العمل." انتفضت، ارتدت ثيابها بسرعة وسرحت شعرها وذهبت للعمل وفي داخلها كأس ممتلئ لا بل فائض من النقمة على كل ما حولها، على رقعة شطرنجها التي عذراً هي اليوم معها وليس ضدها تنهدت :" فلنرى."

دخلت الشركة، اتجهت إلى مكتبها، أخرجت أحد الملفات لتستكمل مراجعة وتدقيق بعض الأوراق، جاءها رنين هاتف، إنها المؤسسة الثقافية تدعوها لمقابلة أمام مجموعة من المختصين لمناقشة لوحتها، أعادت سماعة الهاتف وفي قلبها ترّقب جميل.

أخذت تعد الدقائق لانتهاء دوام عملها السقيم، تجنبت الرد على استفزازات بعض الموظفين الذين لا يفقهون شيئا في الحياة سوى كسر إرادة الآخرين والانتقاص من قدراتهم، تجنبت مواجهة مديرها الغاضب إلى الأبد، غادرت وفي جعبتها تفاؤل، لم لا ورقعة يومها باعتبار أنها بيضاء.

جلست أمامهم، كانوا ستة كلهم فنانون محترفون، أزالوا الغطاء عن لوحتها، شهقت في داخلها، ازدادت ضربات قلبها، شعرت بحالة احتقان داخلي، إنه المطر الذي فعل فعلته بلوحتها، هناك تشوه بنصف اللوحة، دائرة رمادية في المنتصف على شكل دوامة، أخذت يداها ترتجفان، انعقد لسانها وعجزت عن الكلام لفترة إلى حين احضروا لها الماء فشربت .

ناقشوها في لوحتها، ما هدأها هو ما لمسته من انبهار فيها، لم تكن لتصدق أن أحد الفنانين المعروفين على صعيد واسع اخذ يمدح البقعة الرمادية وكيف أنها ترمز للنسبية عكس المربعات المصطفة والتي ترمز للأبيض والأسود (المطلق).

بهرت بكلامه مستغربة كيف يمكن أن يكون حديثه عن لوحتها هي. سألها: "ماذا تعني لك اللوحة؟" سكتت وهي تبلع ريقها مستعيدة جزءا من ثقة.

"إنّها تعبر عني، إنها قدري ومنهج أيامي."

صمتت وهم أيضا صمتوا. أومأ أحد الفنانين من اللجنة رأسه إعجابا، شكرها على حضورها. غادرت الغرفة، ودّت لو ترقص على أنغام موسيقى كانت تصدر من إحدى الغرف القريبة، ودّت لو تطير وهي ترى طيورا دورية تحلق فرحاً من شجرة لأخرى.

قررّت أن تعود لبيتها سيرا، تكفيرا واعتذارا .

سارت تفكر: انتظرت حتى آخر يوم لتسليم اللوحة، تسببت بمشاكل كادت تخسر فيها أخاها الصغير، ربما لسبب حملت اللوحة بيدها اليسرى مقابل الشارع، ربما لحكمة سقطت اللوحة واتسخت بمطر الطريق، لتتحقق لها سعادة غامرة.

تذكرت أسرتها. اشترت لهم قالب حلوى من مخبز قريب، وكيسا ممتلئا بالحلوى الملونة الجميلة الأشكال لأخيها الصغير، ولنفسها اشترت وردة من بائع أزهار متجول، ومشت تكمل الطريق.

فكّرت. كان المطر سرّ تألق لوحتها، وتذكرت تعليق الفنان عن رمادية الحياة وكيف تنعدم الحياة المطلقة سعادة أم شقاء، تذكرت أن المطر من السماء وأن السماء من الكون وأن الله ملك الكون.

ابتسمت مردّدة كلمات شكر، ومرسلة قبلة إلى السماء حيث الله ملجأ التائهين والمعذبين والباحثين عن الحقيقة.

 

نصوص متفرقة

ياسمينة صالح - الجزائر



 

كم عمرك؟

سألها عن عمرها ولم ترد. في الحقيقة لم تتوقع أن يسألها عن عمرها أولا. كانت تريد أن تكسب وقتا قبل أن تكون جاهزة لسؤال كهذا.

قالت لها صديقتها الخبيرة في المواعيد واللقاءات:

"اسمعي. لا تتكلمي معه عن شيء تقليدي، بادري بالحديث في مواضيع تتحكمين فيها. لا تفقدي زمام المبادرة، ولا تكسري الصمت بالسؤال. اجعليه يعتاد عليك. ثم دعيه يطالب بحضورك يوميا.  واجعليه المبادر للاعتراف يحبه لك."

ولكن عندما جلست أمامه ارتبكت. فهذه أول مرة تلتقي فيها بشاب تعرفت عليه عبر الهاتف. أعجبه صوتها وأعجبها صوته. قبل أن يلتقيها سألها عبر الهاتف: "كيف سأعرفك؟" واتفقا أخيرا على أن يحمل كل واحد منهما جريدة تحمل نفس العنوان. شعرت أنه حين رآها بدا انه انتظرها أكثر من اللازم. شعرت أنه بدا مترددا أيضا حين جلست قبالته. كانت مرتبكة وكان يبدو خائبا ينظر إلى ساعته كمن يستعجل الذهاب. ثم فجأة سألها:

"كم عمرك؟"

وارتبكت. لم تعرف كيف ترد وكيف تبادر إلى الحديث عن شيء آخر. كان ينتظر ردها، وحين تأخر جوابها رأته يقف ويقول لها:

"بصراحة أنا مرتبط بموعد عمل نسيت إخبارك عنه أمس."

ثم أضاف كمن يعوضها عن شيء: "سأكلمك الليلة،" وذهب.

بقيت جالسة تنظر إليه منسحبا. حين اقترب النادل يسألها ماذا تشرب، نظرت إليه وقالت: "عمري أربعون سنة."
-----

مدرسة

سأله التلميذ: "كيف نفرق بين الواجب والاختيار؟" فرد المعلم متحمسا للدرس:

"الحرية مسؤولية، والواجب هو الذي يصنع الإنسان بينما الاختيار يصنع منه هواية."

كان الدرس طويلا. في نهايته قال المدرس لتلامذته سعيدا بالخاتمة:

"اسمعوا جيدا يا أبنائي: الدين معاملة، والوطن أمانة، والجار وصية تركها لنا نبينا صلى الله عليه وسلم. إن استنجد بك جارك عليك أن تلبي. عليك أن تلبي كيفما كانت علاقتك به، فنصرة المظلوم جزء من حبنا لله، ومن يحب ربه ينصر مظلوما يستنجد به."

حين غادر الأطفال الفصل وجدوا الشارع محاصرا بالدبابات والعسكر ورجال الأمن الذين طوقوا المتظاهرين الهاتفين: "لبيك يا فلسطين."
-----

حب مثالي

قال لها: "أحبك." واستغربت أن يقول لها "أحبك" بذلك الصوت الجاف. لم يلمس يدها، ولم يضمها إلى صدره كما يفعل عاشق خارج من أفلام الأبيض والأسود. كان ينظر إلى البعيد صامتا وبعيدا. وبدا لها صمته مهينا كصفعة مباغتة. ظل مديرا ظهره، وظلت تنتظر منه أن يصحح غلطته بالتفاتة منه. وحين التفت وجدها قد غادرت. لم يلحق بها. أحس أنه قال الكلمة المناسبة لتذهب. أليس الحب أن تذهب حين لا يكون ثمة سبب للبقاء؟
-----

فارق

ما يهمني أن العالم كما هو لن يتغير، وأنني سأظل كما أنا لا أتغير، وأن الكوارث والمصائب والهموم تختار أصحابها الدائمين، وأن الفجائع حين تضرب تتفادى القصر الرئاسي وأحياء الجنرالات الذين لا يجدون وقتا للبكاء أو للتساؤل، فللموت رائحة الفقراء. ولأن الفقراء يتكدسون في نفس الأمكنة، يصطادهم الموت جماعيا ليقتصد في الوقت والجهد.
-----

الولد

أراد أن يكون له ولد ورأى ذلك حلما جائزا بعد خمس بنات وعمر ربطه بالكارثة. كان يريد الولد ليتباهى به أمام نفسه، وليسكت به سخرية إخوانه الذين كانوا يسألونه: "وماذا بعد؟"

قالت له أمه: "تزوج من ثانية وستفرح بالولد."

فتزوج من جديد. وحين جاء موعد الوضع، جلس منتظرا ومستبشرا.

قالت أمه: "أخيرا سيكون لك ولد يحمل اسمك."

عندما بشرته الممرضة بسلامة المولود ابتسم متباهيا. وحين دخل إلى غرفة المولود وجده بنتا.

 

الـقــلـب يـخــفـق

عيسى ريتا - السودان



 

عاد القلب يخفق. لاشيء يضاهي الحب. ما الذي يدفع الناس للكتابة؟ هذا الغبار من حولي لا يتيح لي متنفسا للكتابة، ولا فسحة للحب. ولكن أجدني أكتب وأكتب وأحب، وأتنسم الغبار ولا أموت بنفس الوقت. وأقرأ الشعر بذاكرة خربة، فالأذن تعشق قبل العين أحيانا.

كان صوته يأتي عبر الأثير إلى قريتي النائية، فأحمل المذياع وأذهب بعيدا لأجلس على لحاف مفرود على مروج العشب لكي لا يفسد ضجيج أهل البيت متعة الاستماع. صار صوته مألوفا، وأذناي لا تخطئانه أبدا . ثم غاب صوته.

ذات يوم أتتني رسالة إلكترونية تخبرني بصدور عود الند. عجبا! لابد أن الرسالة ضلت طريقها إلي كما ضلت حياتي بالحب. عبثا احب واكتب. أي صدفة أوصلت رسالة من رجل مثله لإنسان بسيط مثلى لم يكتب حرفا تحت ذرات النهار، ولم يخط إلا بداره حبا للأوطان؟ شاهدت اسم صاحب الصوت الذي ألفته يدعوني لقراءة عود الند. أقبلت على تصفحها بلهفة، كنت كمن في بستان يقطف من هذا وذاك، وينعش قلبه شذا الأزهار.

هزتني الكتابات كما يهز النسيم أغصان الأشجار. احسد بعض الكاتبات والكتاب على التعبير. رغم عـُجمـتي، انتابني إحساس بان بعضهم يتحدث بما كنت أخفيه من تعبير بلغتي المحلية. يسرقونني كما يسرق أبناء القرى أحلام أبناء المدينة. بعضهم يسبقنا لمدن اكبر، وآخر يبزنا بأشياء وتقعدنا الدهشة. كنت احب، وحينما كنت احبها كان حتى الله يحبها. لذلك كنت اكتب ولا أمل الكتابة والحب . لم اعد اكتب لأنها لم تعد تحبني، فتوقفت عن الكتابة، وطويت صحائفها، ولكن عود الند جاءت فذكرتني بحبي القديم، ودفعتني للبحث عن الورق والقلم.
-----

ملاحظة من المشرف: الأخ عيسى ريتا حباه الله بذاكرة قوية، وكثير من الوفاء، فقد انتهى عملي الإذاعي في شهر شباط/فبراير 2003. وصدر العدد الأول من عود الند في حزيران يونيو 2006. وأنا بدوري لا أدري أي صدفة قادت رسالتي إلى مستمع وفي. ولكن ربة صدفة خير من ألف ميعاد.

 

وديع والقديسة ميلادة وآخرون

غالب هلسة - الأردن



 

غالب هلسةنامت نجمة ساعات قليلة، ثم أخذت تتثاءب وتتمطى.  فجأة داهمها الشعور بأنها تأخرت.  نهضت مسرعة وفتحت باب الدار.  كانت بقايا الليل في أطراف الحوش، في الظلال المستقرة في الزوايا وخلف الدواب.  سماء مارس بدت صافية بلا غيوم، سماء كما يجب أن تكون السماء: نجوم قليلة شاحبة، وزرقة داكنة.  لسعها برد الصباح فعادت إلى داخل الدار وهي تعاني مشاعر متناقضة: عليها أن تسافر أولا ولكنها لا تحب أن تغادر بيتها.  كانت تستطيع أن تسمع من الحوش حركة الفرس القلقة وهي تخبط بقدميها. الفرس هي الوحيدة التي تشاركها قلقها.
 
الزيت ما زال مشتعلا أمام أيقونة العذراء، ولكنها لم تستطع أن تركع أمامها مثل كل يوم وتصلي.  فكرت:  "عندما تضرب الفرس الأرض بقدمها فذلك دليل شؤم،" ثم نسيت ذلك.  شدت اللحاف من فوق سعاد وصاحت:
 
"يا بنت يا سعاد، ياختي ريتك ما تنامي في حضن العريس، قومي.  شوفو ياختي البنت بعدها نايمة."
 
أخذت سعاد تتمطى. رفعت رأسها وهي تعدل خصلات شعرها، وتفرك عينيها وهي تقول بسوط مستطيل متثائب:  "يا ربي."
 
"ربي ياخدك، قومي وقوّمي القرود اللي نايمين، ونهضي الفراش، واخفقي العجين، وسوي فطور لاخوانك، واعلفي الدواب."
 
نهضت سعاد ومدت ساعديها على امتداد كتفيها وهي تتثاءب.  بدت طويلة قوية، في وجهها الأسمر لمعة الصحة، وعنقها طويل شامخ.  كانت تتصرف بوحي حرية وتلقائية وبثقة.
 
لم تكلف نفسها بإيقاظ الصغار، بل شدت المرتبة من تحتهم، فتكوموا على البساط البالي، وأخذوا يستيقظون ببطء وهم يصارعون الغولة التي طلعت لهم في المنام مهددة بأكل الصغار الذين لا يطيعون أمهاتهم.  أكتشف موسى كسرة خبز كان قد سرقها وداهمه النوم قبل أن يتمها.  وارتفع صوت ميخائيل وجلوه مختلطا ببكاء بلا دموع:
 
"جعانين، أيوه جعانين، ليش موسى يعني؟
 
ومضى موسى يقضم الكسرة وهو نصف نائم.
 
نهض وديع وأدار رأسه المحلوق على الصفر في نواحي الدار، وشد البيجامة المليئة بالرقع من مختلف الألوان، ثم سار وقرفص قرب الزير وأصدر أمره الذي لم يلب قط:
 
"سعاد، تعالي صبي علي ميه، بدي أغسل."
 
كان يقول ذلك كل يوم بوقار وثقة، شأن الذي يطاع دوما.  ولكن سعاد فعلت ما تفعله كل يوم، إذ دفعته بقدمها كشيء يعترض طريقها، فتدحرج على قفاه، فنهض وهو ينفض بيجامته والتفت إلى أمه مشهدا إياها على ما حدث:
 
"شايفة البنت؟  وكمان وسخت البيجامة."
 
فردت سعاد:  "ياخوي أي هيه بيجامة هذه؟ شوف كم رقعة فيها.  استح على نفسك وما تقول بيجامة."
 
أخذ وديع يزعق:  "بتلوميني، بتلوميني لو موتها يعني؟  بتلوميني؟"
 
فقالت:  "بستسمح منك يا أستاذ وديع، وأهل السماح ملاح."
 
لمعت على وجه الأم ابتسامة سريعة ثم أخفتها وقالت:
 
"تحط عقلك في عقلها يا ابني وأنت شاب متعلم؟  ياللا البس في سرعة وخليها تحضر فطور"
 
"سمعتي ايش قالت عن البيجامة؟
 
فردت الأم: "سمعت يا ابني، ما هي مجنونة وجاهلة."
 
عند أول خيوط الشمس كان وديع يقف مستعدا في الحوش وهو ينادي:
 
"استعجلي يامه، بينادوا."
 
قبلت نجمة سعاد، ثم تساقطت دموعها عندما قبلت الصغار، وهي تردد وعيد توصيتها لابنتها التي حفظتها الآن عن ظهر قلب ووديع يستعجلها.
 
ثم سارت الأم وسعاد وراءها تسير حاملة الخرج والدجاج والسلة.  وضعتها على الجحشة وانطلق الصغار يركضون ويزعقون:
 
"خذينا معاكي يامه على القديسة، خذينا يامه."
 
أمسكت بهم سعاد وأدخلتهم الدار.
 
-----

غالب هلسا: من مواليد ماعين- الأردن عام 1932. توفي في دمشق عام 1989.

المقطع أعلاه من قصة بعنوان وديع والقديسة ميلادة وآخرون. منشورة ضمن مجموعة قصصية تحمل العنوان ذاته. الناشر: أزمنة للنشر والتوزيع - الأردن (2002)، الطبعة الثانية.
 


 

كانوا يضحكون كالموج

محمد برادة - المغرب



 

ثلاث مرات في الأسبوع نجتمع بمنزل عباس بعد انصرافنا من المدرسة. تستقبلنا أم منانة بالترحاب والقبلات: "أولادي، تبارك الله على ولادي." نصعد إلى الغرفة المجاورة للسطح متأبطين دفاترنا وكتبنا. نتجرع الاتاي ونقضم الرغايف السخنة. يبدأ الاجتماع في شكل حوار لا ينتهي ليشمل كل الموضوعات: اعتقال المناضلين والزعماء، مقطعة السجاير والسلع الفرنسية، قدرة اللغة العربية على التعبير، أم كلثوم وعبد الوهاب، غراميات الأصدقاء مروية بالسند والحجة.

ذات يوم، عقب 20 غشت، اتخذ اجتماعنا طابعا جديا صارما. عباس يتكلم بحدة ويتساءل عن دورنا. لا تطول حيرتنا فقد كان يمتلك الحوار:

"غدا تنظم مظاهرة احتجاج على نفي الملك. الجميع سينزلون إلى الشارع ونحن كذلك. هل هناك اعتراض؟"

يطغى الحماس، ترتفع الأصوات محبذة، نشتم لفرنسيس وجنسه. نعلن استعدادنا للعمل ولما ينطوي عليه من مخاطرة.

ضحوة صباح من أصباح غشت تغمرنا ونحن نتقافز كالجراد بين صفوف المتظاهرين نعمم الشعارات ونضرب الهواء بقبضة أيدينا:

"يا فرنسا سيري في حالك، والمغرب ماشي ديالك."

نلتقي بمنافسينا من قسم الكبار يهدرون بأصواتهم وقد بدا أن لهم دورا في تنظيم المظاهرة. لا نرضى بالهزيمة. نرفع عباس فوق الأكتاف. تزغرد النساء ويتراجع عسكر الكوم أمام امتدت صفوف المتظاهرين. هل أستطيع أن اصف ذلك الحماس، وذلك الفخر الذي أحسسنا بهما ونحن عائدين إلى بيوتنا يسيل العرق فوق وجوهنا المحمرة، وتتعثر خطواتنا من شدة الإرهاق؟

فوجئنا بعد ذلك بتغيب عباس عن المدرسة طوال عدة أيام كل أسبوع. نحاصره بالأسئلة فينتحل الأعذار. وعندما نزوره بغتة قلما نجده. تستقبلنا أم منانة بنفس الترحاب، ونتحرز من أن نقول لها إن عباس لا يحضر بانتظام إلى المدرسة، بل إن استغرابنا زاد ونحن نسمعها تجيبنا ذات مرة بأن عباس "عنده اجتماع" وكأنها تتعجب لكوننا لم نذهب إلى نفس الاجتماع. كلما حضر إلى المدرسة سألنا عن المقرر الدراسي وعن الاستعداد للامتحان الثانوي، وعن أحاديث مسامر الحزب. نجيبه بنوع من الاعتزاز أن اللقاء مع المسامر كان مفيدا وهاما لأنه شرح لنا الخطوات المبذولة لإدراج قضية المغرب ضمن جدول الهيئة الأممية، والتصريحات الصادرة لإدانة الأعمال "الوحشية" للإدارة الاستعمارية. يهز رأسه مع ابتسامة ساخرة وكأنه ينظر إلينا من شاطئ آخر.

لم يستسغ أعضاء جماعتنا هذا السلوك الجدي لعباس. وبدأت مشاعر النفور تتشرب إلى نفوسنا، لكن كان يكفي أن يحضر إلى القسم لنستعيد ألفتنا وقوتنا، فتنطلق الضحكات، وتتضاعف جرأتنا ونحن نتحلق حول التلميذات في انتظار قدوم الأستاذ. تتبدد الحيرة والشكوك، ونسأل عن موعد المظاهرة المقبلة. يجيب في تعقل لا يناسب ما عهدناه فيه:

"عليكم أن تهتموا بالدروس لتنجحوا، فالامتحان على الأبواب."

نجحنا جميعا، وعباس أيضا. بدأ التساؤل عن إمكانية متابعة الدراسة بالعربية بعد مرحلة الشهادة الثانوية. لاح صيف سنة 1954 متجهما، متوترا، وشعرت كأن الأرض تسيح تحت أقدامنا.

ذهبت لتوديع عباس بمناسبة سفري خلال العطلة، ودار بيننا الحوار التالي:

"سررت لنجاحك رغم أنك لم تواظب على الحضور."

"ماذا سنفعل بهذه الشهادة؟ ننتظر أن يهدي الله فرنسا لتعطينا الاستقلال ونكمل تعليمنا بالعربية؟"

"هذا مستبعد، بل اتفقنا على السفر إلى المشرق. هل غيرت رأيك؟"

"نعم. لم اعد أرى جدوى من ذلك. لن نحرر الوطن بالشهادات."

"لكننا صغار لم نتجاوز الخامسة العشرة."

"اسمع: لا دخل للسن فيما نتحدث. أنا من عائلة فقيرة، وأنت كذلك. لا تملأ رأسك بالأوهام. سأبقى هنا. يهمني أن أشارك الآخرين في البحث عن طريقة لمواجهة المستعمر. تلك هي المشكلة."

"لكنك ستلعب دورا أهم كمتخرج من الجامعة عند تشييد الاستقلال."

"يهمني الحاضر أكثر. ما تقوله ليس مضمونا إذا لم يكن هناك من يحقق استمرارية الفعل."

"هناك الجماهير. أنت تعرف ذلك أكثر مني."

"أتظن أنها ستظل تثق فينا ونحن نعللها بأن الفرج قريب، وبأن صورة الملك انتقلت إلى صفحة القمر؟"

"ماذا إذن؟ ماذا يقول الزعماء؟"

"لا شيء، أو كل شيء. إنهم لم يهيؤونا لما يتوجب أن نفعله الآن. علينا أن نبتدع فعلا ملائما للمرحلة."


يتكلم كأنه رجل محنك، كأنه ليس من سننا، كأنه ليس هو الذي يعشق اللعب والضحك ومغازلة البنات. حاولت أن أرتقي إلى نفس الأجواء التي كان يحلق فيها وعيه وهو يحاورني."

"اسمع عباس، لا بد أن ينهزم الاستعمار."

لم يرد. اكتفى بابتسامة ساخرة. كان يبدو متعجلا مشدودا إلى عالم مغاير لعالم الانتظار والتوقع الذي كنت أغوص فيه.

-----
مقطع من قصة بعنوان كانوا يضحكون كالموج منشورة في مجموعة قصصية بعنوان سلخ الجلد. الناشر: دار الآداب - لبنان (1979)، الطبعة الأولى.


 

عن الشعر والشعراء

غازي القصيبي - السعودية



 

الشاعر في رأيي هو الإنسان الذي منح موهبة التعبير عن تجاريه وانفعالاته بطريقة فنية موسيقية معينة. وقد يكون الشاعر طبيبا أو تاجرا أو مهندسا، وقد يكون ذا اتجاهات يمينية أو يسارية، وقد يكون قصيرا أو طويلا، وقد يمر بك في الشارع فلا تلمح في مظهره ما يدل على شاعرية أو رومانسية. الشاعر فرد كبقية الأفراد، لا يميزه عن غيره سوى القدرة على التعبير النفس الشعري.

غير أن هذه الصورة الساذجة على ما يبدو لا تعجب بعض النقاد والشعراء الذين يتحدثون عن الشعر بلغة أقرب إلى الألغاز، ويتحدثون عن الشاعر كما لو كان مخلوقا خرافيا عجيبا يعيش على القمر، ويضفون عليه من الأوهام والهالات ما يجعل القارئ العادي يتخيل أن الشاعر متميز تميزا لا جدال فيه عن البشر.

ومن الأوهام الشائعة عن الشاعر أنه ارق إحساسا وأرهف شعورا وأعمق عاطفة من بقية الناس. وإذا كان الشعراء معذورين إذا تحمسوا لهذا الرأي وعملوا على إذاعته ونشره، فلست أدري ما عذر الآخرين. لا يوجد ثمة دليل على أن الشاعر أرق من غيره إحساسا. ولعل الذين عرفوا عددا من الشعراء، من خلال معايشتهم لا من خلال قراءة دواوينهم، يدركون أنهم كباقي البشر: عرضة لمختلف أنواع الضعف البشري. من الشعراء من يتميز بأنانية لا حدود لها. ومنهم من يتصرف بقسوة وغلظة. ومنهم من يحب المال حبا يتضاءل أمامه حبه لحوريات الشعر وعذارى القصيد. ومنهم من يلهث وراء كلمة مديح كطفل لمح لعبة جديدة. ومنهم من يفزع من كلمة النقد فزع المرأة من أن ترى امرأة أخرى ترتدي نفس الرداء.  والقدرة على الحب والعطاء والإحساس ليست وقفا على الشعراء. بإمكان عباد الله من الناثرين أن يحبوا بعمق وتفان، وان تمر بهم أعمق العواطف وأغزرها، وأن يعيشوا تجارب تفوق أصالتها وروعتها تجارب أعظم الشعراء.

ومن الأوهام التي تحيط بالشعر وتأبى أن تفارقه وهم مؤداه أن الشعر—ولسبب مجهول لم يوضحه أحد بعد—يفوق غيره من وسائل التعبير الفني. وهذا الوهم هو الذي يدفع كل طالب في المدارس الثانوية إلى تجربة حظه مع الشعر. وهو الذي يدفع بعض كتاب النثر الفني إلى الإصرار على أن ما يكتبونه شعرا. وهو الذي يجعل معظم الشعراء يشعرون بشيء من الزهو والتعالي على غير الشعراء. والحقيقة –ومعذرة للشعراء من القراء—هي أن الشعر من حيث المبدأ لا يتمتع بأي ميزة على غيره من وسائل التعبير. وبوسع قطعة نثرية أن تكون أروع وأجمل واعمق أثرا من قطعة شعرية. بوسع مسرحية أن تثير في قارئها من النشوة الفنية ما لا يثيره مائة ديوان، بل إن الكلام العادي الذي يتفوه به إنسان عادي قد يكون في بساطته وعفويته وصدقه أروع من أعمق الرموز الشعرية.

ويتفنن بعض النقاد في وضع قائمة للمواصفات التي يجب أن تتوفر في الشاعر ليحظى برضاهم. ومن هذه المواصفات واحدة تتحول تدريجيا إلى كليشيه، وهي أن الشاعر يجب أن يكون مفكرا عظيما في الوقت نفسه. لا جدال في أن الموهبة المدعمة بثقافة واسعة اقدر على التعبير والإبداع من الموهبة التي تتغذى على نفسها. ولكن الإيمان بهذا الشيء واشتراط أن يكون الشاعر مفكرا عظيما شيء آخر. بإمكان الشاعر أن يكون مبدعا دون فكر عظيم. لقد أهمل التاريخ الأدبي أشعارا لفلاسفة نابغين، واحتفظ بأشعار لمجانين وموسوسين. ولست أدري أي فكر عظيم يختبئ خلف أشعار بودلير أو ريلكة أو بايرون، وأي فكر عظيم عند شعراء معاصرين عرب مثل السياب وناجي وأبو ريشة ونزار قباني؟

ويتواضع بعض النقاد فلا يشترط الفكر العظيم، ويكتفي بأن تكون للشاعر "فلسفة حياتية محددة" أو "رؤية كونية متميزة" أو قدرة على كشف حجب المستقبل والتنبؤ بمصير الحضارات. من النقاد من لا يتمتع بقراءة قصيدة رائعة بحجة أنه لا يجد فيها موقفا للشاعر من الوجود. ومنهم من يعيب على الشاعر لأنه بحث في شعره عن نبوءة مستقبله فلم يجدها، وكأن الشاعر كاهن من الكهان أو بصارة من قارئات البخت. هذه المواصفات لا تقل شططا عن سابقتها، فالشاعر قد يكون فيلسوفا وقد لا يكون. قد يتميز برؤية كونية وقد لا يتميز. قد يقدر على التنبؤ وقد يعجز عنه دون أن يكون في هذا كله ما يرفع من قدر شعره أو يحط منه.

-----

مقطع من مقالة منشورة في كتاب عن هذا وذاك للشاعر السعودي غاري القصيبي. الناشر: تهامة (1981)، الطبعة الثانية.
 


 

متى يجب استخدام أي أو أية؟



 

الجواب المختصر: استخدم أي دائما.

الجواب الطويل: اقرأ ما يلي.


عندما أفتى أحدهم ذات مرة أمامي بأن استخدام أي مع مؤنث خاطئ، وأنه يجب استخدام أية، قررت التدقيق في القواعد التي تحكم استخدام أي وأية. وبعد العودة إلى المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، توقفت عن استخدام أية، ولا استخدم منذ سنوات عديدة سوى أي، وأفعل ذلك وأنا واثق أن استخدامي صحيح في كل الحالات.

لقد اتضح لي من المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم أن أي تستخدم مع المؤنث والمذكر وكذلك مع المفرد والمثنى والجمع. إليك بعض الأمثلة:


أي قبل لفظ مذكر:

قل أي شيء أكبر شهادة ... (سورة الأنعام، الآية 19).

وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ... (سورة الشعراء، الآية 227).

أي قبل لفظ مؤنث:

وما تدري نفس بأي أرض تموت ... (سورة لقمان: الآية 34).

في أي صورة ما شاء ركبك ... (سورة الانفطار: الآية 8).

أي قبل مثنى مذكر:

فأي الفريقين أحق بالأمن ... (سورة الأنعام: الآية 81).

أي قبل جمع مؤنث:

ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون ... (سورة غافر: الآية 81).

فبأي آلاء ربكما تكذبان ... (سورة الرحمن: آيات عديدة).

-----

المرجع: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم. صفحة 109. المعجم من إعداد محمد فؤاد عبد الباقي. الناشر دار الفكر – لبنان (1987).

 

مئة أم مائة؟



 

الجواب المختصر: استخدم مئة دائما.

الجواب الطويل: اقرأ ما يلي.


عندما تقرأ القواعد الكثيرة لكتابة الهمزة قد تقرأ قاعدة تقول إن مئة تكتب على شكل مائة ولكن يبقى لفظها مئة.  ولكن أسباب كتابة مئة على شكل مائة ليست مقنعة، ولا مبرر لها.  يقول مؤلف كتاب الإملاء والترقيم في اللغة العربية، عبد العليم إبراهيم:

وأرى حذف الألف المقحمة في مائة؛ إذ لا فرق في النطق بين مائة وفئة ورئة.

ولقد أدى إقحام الألف بين أحرف مئة إلى تحريف نطقها في مجال التقدير العددي؛ إذ يقول كثيرون من الصيارفة ورجال الإحصاءات "ماية"  بنطق الألف التي يرونها في الكتابة.

-----

المرجع: الإملاء والترقيم في اللغة العربية.  المؤلف:  عبد العليم إبراهيم.   الناشر:  مكتبة غريب - مصر (1975).

 

عود الند في الصحافة

والمواقع



 

نشر موقع ألف ياء الثقافي يوم 2/7/2006 خبر صدور العدد الثاني من عود الند تحت عنوان "عود الند تتستذكر الجواهري."

شارة موقع الف ياء الثقافي

غلاف العدد الثاني من عود الند

عود الند تستذكر الجواهري

لندن- ألف ياء: صدر العدد الثاني من المجلة الثقافية الإلكترونية عود الند

www.oudnad.net

ويحتوي العدد مجموعة من النصوص التي تشمل مقطعا من رواية، وقصصا قصيرة وخواطر، إضافة إلى مقالة عن الشاعر العراقي الراحل محمد مهدي الجواهري.

ويشمل العدد ثلاث مواد مختارة هي مقاطع من رواية أم سعد لغسان كنفاني، وقنديل أم هاشم ليحيى حقي، والرحيل لرضوى عاشور. وهناك درسان موجزان أحدهما يلخص إحدى قواعد النحو العربي، وآخر خاص بالكتابة السليمة إملائيا.

وقال عدلي الهوراي المشرف على المجلة: "إن العدد الأول قوبل بترحيب حار، ويلمس ذلك من رسائل التهنئة التي أثنت على فكرة المجلة ومحتواها ومستواها، إضافة إلى تلقيها مساهمات جعلت العدد الثاني يصدر بعدد أكبر من المساهمات وبخمس كتاب جدد لم يشاركوا في العدد الأول."

تجدر الإشارة إلى أن عود الند مجلة شهرية تصدر في الأول من كل شهر، ولا تشترط على القارئ أو الكاتب أي نوع من التسجيل للنشر فيها أو قراءة صفحاتها.


ونشرت صحيفة الزمان الدولية أدناه عن العدد الثاني من عود الند في عددها الصادر يوم 2 حزيران-يونيو 2006.
www.azzaman.com

صورة للخبر كما نشرته مجلة الزمان الدولية