عــــــــــود الــــــــــنــد

مجلة ثقافية شهرية.  للشباب من مختلف الأعمار.

العدد الرابع:  أيلول/9/سبتمبر/2006

اضغط هنا لتصفح مواد المجلة.

عود الند موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه موضوعات محمية الحقوق، ويتم ذلك وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لمواد من هذا القبيل، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

عود الند

 

عود الند مجلة شهرية للشباب والشابات من مختلف الأعمار.

تهدف عود الند إلى تشجيع الشباب على استخدام اللغة العربية وتطوير المهارات الكتابية واللغوية من خلال الممارسة، وقراءة مواد ذات نوعية جيدة. وتشجيعا للمبتدئين، سوف نراجع النصوص المرسلة إلينا لتنقيحها ونشرها خالية من الأخطاء النحوية والإملائية.  

تهدف عود الند أيضا إلى توفير منبر للشباب لنشر إنتاجهم من القصص القصيرة والانطباعات والخواطر والنقد الأدبي وعرض الكتب، ولذا فإن الأولوية في النشر للمبتدئين ومن لم ينشروا أعمالهم من قبل.

ترحب عود الند بمساهمات الراغبين في النشر بصرف النظر عن العمر، وترحب بمن سبق لهم نشر أعمالهم، ونشجع هؤلاء على إرسال مواد لم تنشر من قبل.

عود الند تنشر الأعمال بالأسماء الحقيقة لمؤلفيها مع الإشارة إلى البلد الذي ينتمي إليه المؤلف أو الذي يقيم فيه.

مثلا

فلان الفلاني – اليمن

فلانة الفلانية – المغرب

وتنشر الأسماء مجردة من أي ألقاب مهنية أو أكاديمية أو غير ذلك.

التسجيل في عود الند ليس شرطا للنشر في المجلة أو قراءة أي من المواد المنشورة فيها.

لا تنشر عود الند الشعر سواء أكان في صيغه القديمة أم الحديثة، باللغة الفصحى أم العامية.

عود الند مجلة ثقافية، ولذا لن تنشر المواضيع السياسية والدينية، فلهذه منابرها الكثيرة.

نعامل كل من يراسلنا باحترام، ونرد على الرسائل التي تتطلب ردا. ونرجو أن تكون الرسائل مختصرة ليتسنى لنا الإجابة عليها بسرعة.

ارسل إلينا عملك باستخدام نموذج ارسل انتاجك.  ويمكن استخدام النموذج نفسه لإرسال الملاحظات والتعليقات.

يشرف على عود الند عدلي الهواري. لمزيد من المعلومات عنه اقرأ صفحة عن المشرف.

 

مزايا عود الند للكاتب والقارئ

 

عود الند لا تنشر أي نوع من الإعلانات.

لا حاجة لواسطة أحد للنشر في عود الند.

الكتاب سواسية في عود الند.

النشر في عود الند محكوم بضوابط جودة، ولذا ينال إنتاجك الاحترام الذي يستحقه.

عود الند تمد لك يعد العون في تهيئة نصك لنشره خاليا من الأخطاء النحوية والإملائية.

عود الند تمد لك يد العون في تنقيط النص، فتسهل مطالعته وتنقل أفكاره بسلاسة.

عود الند تتيح لك فرصة نادرة لتطوير مهاراتك اللغوية ومقدرتك الكتابية. من يقرأ نصوصا جيدة سينتج في المستقبل نصوصا جيدة.

عود الند تمكنك من قراءة مواد متنوعة، فكونها مجلة يتيح لك قراءة مساهمات كتبت بأساليب مختلفة، فلا تصاب بالملل من قراءة أسلوب واحد.

عود الند لا تشترط أي نوع من التسجيل أو العضوية، لا للنشر في المجلة أو قراءة أي من صفحاتها.

النشر الإلكتروني يوصل إنتاجك إلى جمهور أوسع.

عود الند تعاملك باحترام. من يبعث رسالة يحصل على رد.

عن المشرف

عدلي الهواري.  يعمل في الصحافة منذ عام 1987.  عمل معدا ومقدما ومنتجا للبرامج الإذاعية  من عام 1987 وحتى عام 2003.  انتخب بضع مرات عضوا في اللجنة التنفيذية لاتحاد الصحفيين في بريطانيا.

** معالم الخبرة الصحفية

معد ومقدم ومنتج برامج إخبارية حية

معد ومقدم نشرات اقتصادية حية

معد ومقدم برامج وثائقية، أسبوعية وشهرية

محلل وكاتب باللغتين العربية والإنجليزية

** تغطية إخبارية

الأردن: قمة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الاقتصادية

مصر: قمة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الاقتصادية

الإمارات: الذكرى السنوية الثلاثين لتأسيس الإمارات العربية المتحدة

قطر: قمة مجلس التعاون الخليجي

واشنطن: محادثات سلام الشرق الأوسط

إثيوبيا: منتدى أديس أبابا الاقتصادي

** مقالات منشورة في صحف الحياة والدستور والرأي والقدس العربي

** مقابلات ثقافية – رواية وشعر

إبراهيم نصر الله (روائي وشاعر/الأردن_فلسطين)

يوسف القعيد (روائي/مصر)

حيدر حيدر (روائي/سوريا)

ياسمينة صالح (روائية/الجزائر)

ميرال الطحاوي (روائية/مصر)

فاطمة العشبي (شاعرة/اليمن)

هدى ابلان (شاعرة/اليمن)

 ** مقابلات فنية – موسيقى وغناء

مرسيل خليفة (ملحن ومطرب/لبنان)

اميمة الخليل (مطربة/لبنان)

عبد الله العصامي (ملحن/المغرب)

خديجة جسوس (مطربة/المغرب)

عبد الله الوزاني (أستاذ موسيقى أندلسية/المغرب)

عبد الله الكتاني (استاذ موسيقى أندلسية/المغرب)

** مقابلات – فنون أخرى

على فرزات (رسام كاريكاتير/سوريا)

أمية جحا (رسامة كاريكاتير/فلسطين)

عماد حجاج (رسام كاريكاتير/الأردن)

 

لمزيد من المعلومات عن عدلي الهواري زر موقعه التالي


www.adli.co.uk

للطباعة أحكام




للطباعة أحكام متعارف عليها، وهي على النحو التالي:


النقطة
لا يترك فراغ بينها والكلمة التي تسبقها. ويترك فراغان بعد النقطة والكلمة التي تليها.

مثلا: قرأت مجلة عود الند. وقد أبلغت عنها أصدقائي.

الفاصلة
لا يترك فراغ بينها وبين الكلمة التي تسبقها، ويترك فراغ واحد بعد الفاصلة والكلمة التي تليها.

مثلا: قرأت مجلة عود الند، واستمتعت بموادها.

الواو
لا يترك فراغ بين الواو والكلمة التي تليها.

مثلا: قرأت مجلة عود الند وقررت أن أقرأها كل شهر.

علامة الاستفهام (؟)
تنطبق عليها قاعدة النقطة، أي لا يترك فراغ بينها والكلمة التي تسبقها، ويترك فراغان بينها والكلمة التي تليها.

مثلا: متى علمت بصدور عود الند؟ وهل طبعت أيا من موادها؟

علامة التعجب (!)
تنطبق عليها قاعدة النقطة، أي لا يترك فراغ بينها والكلمة التي تسبقها، ويترك فراغان بينها والكلمة التي تليها.


مثلا: ما أجمل البحر! وما أحلى العسل!

 

وللكتابة أحكام

نقاط وفواصل



 

هل لاحظت كثرة علامات الاستفهام والتعجب والنقاط في العديد من الكتابات المنشورة في المطبوعات ومواقع الإنترنت؟ وهل لاحظت جملا لا يفصلها عن الأخرى نقطة أو فاصلة؟

لتوضيح ما اقصد، إليك نموذجا من مادة منشورة على أحد المواقع، يتحدث فيها المؤلف عن كتابة عن القصة القصيرة.

إذن فالمادة القصصية تكمن بداخل الكاتب وهي تمثل بعضا من تجاربه الخاصة وعلاقاته بالناس وبالأشياء.....وملاحظاته العديدة التي يخزِّنها في نفسه لوقت الحاجة .... فقط هي تحتاج إلى الموهبة التي تجعل منها عملا فنيا له قيمته ....

هل هذه جملة واحدة طويلة أم مجموعة من الجمل؟ لم يستخدم الكاتب الفواصل والنقاط كما ينبغي. ووضع الكاتب خمس نقاط في المكان الأول، وأربع نقاط في المكان الثاني، وأربع نقاط في نهاية الجملة (الفقرة).

نعم توجد حالة في الكتابة تستدعي استخدام ثلاث نقاط متتالية، وتجد هذه الحالة كثيرا في الكتابة الأكاديمية. وتستخدم النقاط الثلاث المتتالية لتدل على حذف جزء من جملة طويلة أو فقرة. وتوضع النقاط الثلاث أحيانا داخل قوسين. أما تزيين الكتابة برش عدد متغير من النقاط هنا وهناك فلا أساس له في أصول الكتابة.

لا تقع في هذه الأخطاء الشائعة في الكتابة. لكل علامة من علامات التنقيط (كالنقطة والفاصلة، وعلامة الاستفهام والتعجب وغيرها) دورها. ولتكن بدايتك مع علامات التنقيط بداية صغيرة تتمثل في إتقان الخطوات الثلاث التالية.


ضع نقطة واحدة في نهاية الجملة.

ضع علامة استفهام واحدة في نهاية السؤال.

مثلا: أين المفر؟

ضع علامة تعجب واحدة في نهاية جملة تتعجب فيها من شيء ما.

مثلا: ما أجمل البحر!
 

كلمة: عن العددين الحالي والسابق

عدلي الهواري



 

لن تخفى على القارئ الزيادة الواضحة في عدد المواد المنشورة في عود الند، وقد طالت قائمة المواد في هذا العدد إلى حد دفعنا إلى تعديل التصميم قليلا، بحيث يتم تبويب المواد بدلا من أن تكون جميعا في قائمة واحدة. وكل باب بحافظ على سمة التصميم الذي انطلقت به عود الند، ويمكن الانتقال من قسم إلى آخر بكل سهولة.

بالإضافة إلى زيادة عدد المواد، أود أن الفت انتباه القارئ إلى ثلاثة أمور جديرة بالملاحظة:

أولا: أقدمت عود الند على فتح باب التعاون مع الفنانين التشكيليين من خلال اختيار لوحة التشكيلية العراقية نادية محمد ياس لتتصدر غلاف العدد الرابع بموافقتها. ويد التعاون ممدودة للفنانين التشكيليين ليس فقط لنشر لوحة على الغلاف، بل ليكتبوا أيضا عن شؤون الفن والثقافة.

ثانيا: أسفرت اتصالات مع ممثلي مراكز محلية في لبنان عن حصول عود الند على مواد تتعلق بالمهجرين اللبنانيين الذي لجأوا إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، ولولا اقتراب موعد صدود العدد الرابع لحصلنا على المزيد. ونتطلع إلى إقامة المزيد من الاتصالات مع المراكز المحلية العربية، خاصة التي تقدم الخدمات التعليمية والثقافية للشباب لتنشر عود الند إنتاجهم.

ثالثا: فتحت عود الند المجال لنشر الموضوعات ذات الصبغة الأكاديمية، وتتسم هذه بأنها طويلة وموثقة ومتعمقة في تناول موضوعها. وهكذا تكون عود الند قد أخذت في الحسبان فئة أخرى من القراء تتكون من الباحثين وطلبة الجامعات، خاصة من هم في الدراسات العليا.

هذا عن العدد الرابع. أما العدد الثالث فقد حظي بترحيب حار، وإقبال شديد، وانعكس ذلك على عدد الرسائل التي تلقتها عود الند للتعليق على موضوع بعينه، أو للإشادة بالعدد ومحتوياته. كما انعكس على عدد المساهمات التي أرسلت على أمل النشر. وننصح الراغبين في النشر بالاطلاع على صفحة عن عود الند. وننبه إلى أننا لا نعيد نشر ما هو منشور في مواقع أخرى.

هذا وقد تعطل موقع المجلة ثلاثة أيام على الأقل بسبب مشكلة تقنية واجهت شركة الاستضافة. ولاستيائنا من الخدمة انتقلنا إلى شركة أخرى، وتلافيا لتكرار هذه المشكلة، سجلنا عنوانا رديفا، وأقمنا له موقعا بديلا تستضيفه شركة أخرى. وهكذا يصبح لعود الند عنوانان:

www.oudnad.net
www.oudnad.info

وغني عن القول إن تطوير المجلة سيبقى مستمرا، شكلا وموضوعا، ونرحب بتلقي الملاحظات، وسيسرنا تلقى مساعدة عملية لا تتوقع مكافأة مالية مقابلها، فعود الند مشروع لا يهدف إلى الربح. وكل الجهود التي تبذل من اجل صدورها في أبهى الحلل تتم دون مقابل، وثمة حكمة تقول "إن افضل الأشياء في الحياة مجانية."

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

لوحة الغلاف

بريشة نادية محمد ياس



 

لوحة الغلاف برشة الفنانة التشكيلية العراقية نادية محمد ياس، وقد تم نشرها بعلمها وموافقتها.  للمزيد من المعلومات عنها وللاطلاع على المزيد من لوحاتها، زر موقعها التالي:

www.nadiayass.com

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

رحيل الروائي نجيب محفوظ



 

توفي في القاهرة يوم الأربعاء 30/8/2006 . الروائي المصري الشهير نجيب محفوظ عن عمر يناهز خمسة وتسعين عاما. وقد فاز محفوظ في عام 1988 بجائزة نوبل للآداب. لنجيب محفوظ روايات عديدة، وبعضها حول إلى أفلام سينمائية، من بينها:

اللص والكلاب (1962)
زقاق المدق (1963)
الطريق (1964)
بين القصرين (1964)
السمان والخريف (1967)
قصر الشوق (1967)
ميرامار (1969)
ثرثرة فوق النيل (1971)  

أوفى معلومات عن الروائي الراحل منشورة في موقع دار الشروق المصرية، وتشمل مقاطع من رواياته.

http://www.shorouk.com/naguibmahfouz/

 

النون في الفعل المضارع: متى تبقى؟

ومتى تحذف؟



 

عند الحديث عن اكثر من شخص في صيغة الفعل المضارع يضاف للفعل ألف ونون ( ا – ن) أو واو ونون (و – ن). وبناء على ذلك يصبح الفعل المضارع يلعب على النحو التالي:

يلعبان. يلعبون

وتضاف أيضا ياء ونون (ي – ن) في حالة المخاطبة. بناء على ذلك يصبح الفعل المضارع تلعب على النحو التالي:

تلعبين

من الأخطاء الشائعة نتيجة التأثر باللغة المحكية حذف النون، كأن نقول:

كانا يلعبا في الشارع.

كانوا يلعبوا في الشارع.

هل كنت تلعبي؟

حذف النون في هذه الحالات، لأنه لم يسبق الفعل أداة جزم (لم) أو نصب (أن، لن، كي). ولذا يجب أن نقول:

كانا يلعبان في الشارع.

كانوا يلعبون في الشارع.

هل كنت تلعبين؟

تسمى الأفعال المضارعة المتصلة بألف المثنى وواو الجماعة أو ياء المخاطبة الأفعال الخمسة، وأوزانها هي:

يفعلان. تفعلان. يفعلون. تفعلون. تفعلين.

إذا دخلت لم على أحد الأفعال الخمسة تحذف النون:

لم يفعلا. لم تفعلا. لم يفعلوا. لم تفعلوا. لم تفعلي.

وإذا دخلت أداة نصب (لن مثلا) على الأفعال الخمسة تحذف النون:

لن يفعلا. لن تفعلا. لن يفعلوا. لن تفعلوا. لن تفعلي.

لن لا تحتاج سوف



 

في قولنا "لن يلعب" إشارة واضحة إلى المستقبل.

ولذلك، لا حاجة لأن نقول "سوف لن يلعب."

لا تضايق لن بإضافة سوف قبلها.

عندما تكفي كلمة لأداء المعنى، لا داعي لاستخدام كلمتين.

 

الـقـمـر يـجـد سـبـيـله إلى قـلوب الأطفال

الفلسطينيين واللبنانيين في المية ومية

جــابــر ســلــيــمــان - لبنان



 

"قمرنا غايب ضيع سبيله

يا البنت الحافية دخلك قوليله

يرجع لأمه، الغربة ويل الويل

يا ليل، يا ليل، يا ليل"

بهذه الكلمات للفنان الفلسطيني مروان عبادو انساب صوت المغنية والمربية الشابة أمل كعوش كحزمة من ضياء، وتدفقت النغمات برقة وعذوبة من أوتار العود بين أصابع العازف الشاب محمود الخالدي.  لامست الكلمات والنغمات شغاف قلوب الفتية الصغار المتراصين في قاعة نادي القسطل بمخيم المية ومية قرب مدينة صيدا، فرددوا بشغف المقطع الأخير من الأغنية:  "يا ليل، يا ليل، يا ليل."

وفجأة وجد القمر الساطع سبيله إلى قلوب الفتية الجنوبيين ليبدد ولو قليلاً من ليل غربتهم المؤقتة، بعد أن هجروا من بيوتهم وقراهم في الجنوب المقاوم، تحت وابل من قصف الطائرات والمدافع والدبابات الأمريكية/الإسرائيلية المنفلتة من عقالها، والخارجة عن كل القيم التي كرستها الشرائع والقوانين والمواثيق الدولية.

عائلات جنوبية جاءت من قانا ومروحين وزوطر وغيرها من قرى الجنوب اللبناني، ولجأت في مخيمات عين الحلوة والمية ومية، ففتح لها أهلنا قلوبهم قبل أن يفتحوا أبواب بيوتهم، وتقاسموا معهم رغيف الخبز وقطرة الماء ومشاعر الفخر والاعتزاز بانتصارات المقاومة، إلى أن تمت عودتهم الكريمة والمؤزرة بالنصر إلى بيوتهم وقراهم ومرابع صباهم في الجنوب المقاوم.  وهكذا عانقت المخيمات الفلسطينية قرى جبل عامل، وبتنا نسمع اللهجة الجنوبية المحببة في أزقة المخيمات. 

كسر الجنوبيون كل الحواجز النفسية التي أقامتها بعض القوى الطائفية بين المخيمات ومحيطها، وبددوا الصورة التي رسمتها بعض وسائل الإعلام للمخيم الفلسطيني بوصفه جزيرة أمنية تشكل مصدر خطر لمحيطه اللبناني، حيث أصبح المخيم واحة آمنة لمن يلجأ إليه من أهلنا الجنوبيين.

كان قد تم تنظيم لقاء الأطفال الفلسطينيين من مخيم المية ومية مع أقرانهم الأطفال اللبنانيين الذين لجأوا مع أهلهم إلى المخيم، بمبادرة من اللجنة التربوية المنبثقة عن لجنة متابعة الجمعيات الأهلية الفلسطينية لإغاثة مهجري الجنوب اللبناني الذين لجأوا إلى صيدا ومخيماتها. وهو واحد من نشاطات عدة نظمتها اللجنة التربوية، بإشراف مسؤولها سالم ياسين، وبدعم من مجموعة "عائدون،" واتحاد المرأة الفلسطينية.

كان المشهد رائعاً في مخيم المية ومية في ذلك المساء التموزي الحار:  أطفال لاجئون بعيداً عن وطنهم يستضيفون أطفالاً مهجرين في وطنهم. ذكرني مشهد الأطفال بما قاله الأديب الفرنسي الراحل "جان جينيه" عن أطفال المخيمات الفلسطينية في الأردن، عندما زار مخيم أربد في أوائل السبعينات: "الجمال أخّاذ في المخيمات حيث يسود الأطفال."

كان من الصعب علينا تمييز الأطفال الجنوبيين عن أقرانهم الفلسطينيين:  السحنات وتقاسيم الوجه نفسها، والعيون الشقية ذاتها، والجباه المرفوعة عينها، يوحدهم بريق الأمل في العيون.  تماهى جمع الأطفال في مشهد حزين عندما رددوا وراء المغنية والمربية الشابة أمل أغنيتها:

هلا لا لا ليّا        

هلا لا لا ليّا

عيني يا فلسطينية

كل القوافل رجعت

وين راح الزمن فيّا؟

تماوج جمع الأطفال، وتعانقوا، والتقت عيونهم، وكان في عيون الأطفال الجنوبيين حزن ولوعة، وبريق يشي بوعد صادق، كأنهم أرادوا أن يقولوا لأقرانهم من أطفال المخيم الذين طال انتظارهم، وطالت غربتهم: الزمن الآتي زمنكم لا محالة، وقوافلكم سترجع حتماً، وستحط رحالها في أرض البرتقال الحزين.

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

شهادة المهجّر

حسين محمد عامر



 

اسم الرواي: حسين محمد عامر
العمر: 28 سنة
المهنة: ميكانيكي سيارات
العنوان الدائم: القليلة
العنوان الحالي: مدرسة المنطار/الانروا في مخيم عين الحلوة
اجرى المقابلة: محمود زيدان
التاريخ: 14 آب/أغسطس 2006

كنت في المدرسة اتفقد المهجرين، وسمعت الراوي يتكلم عن كيفية استقبال أهل المخيم له والكرم الزائد الذي أحاطوه به هو وعائلته. في اليوم التالي سألت أحد أعضاء لجنة الاستقبال عن أوضاع الناس الذين قدموا إلى هذه المدرسة في المخيم، وإذا ما كان بينهم من تعرض لإصابة أو شاهد من أصيب، فاخبروني عن حسين، فطلبت منه أن أقابله، إلا انه رفض إجراء المقابلة في المدرسة لأنه لا يريد أن يتكلم أمام زوجته التي قتل أخوها لأنهم لم يخبروها بعد. فكان له ما شاء. مشينا بعيدا وجلسنا في العتمة على ضوء شمعة أجرينا المقابلة.

س. خبرني شو صار معكم من البداية؟

ج. كنا بالبيت عم نسمع اخبار وقت عملية المقاومة. سمعنا اسر جنديين، قلت لمرتي قلبي حاسس انو رح يصير شي. بلشت اسرائيل القصف. قلتلها تعي نظهر من البيت لانو البيت مواجه. ونروح نقعد في بيت خالي. ظهرنا اول يوم. صار في قصف على طراف البلد. فزعنا كتير. كنا خمس عيل بالبيت، قاموا اول م فلوا بيت عمي اهل مرتي وخي بيي على صور. بقيت انا ومرتي وخي مرتي لثاني يوم. بس ثاني يوم تأزم الوضع اكثر؛ صاروا الاسرائيليي يقصفوا عالبلد. عملوا غارة على بيت من 3 طوابق فوق ساحة البلد بالضبط.

قلت لابن عمي خي مرتي، وصل مرتي على صور وانا ببقى هون. واذا تأزم الوضع بجييب شوية ملابس وبلحقكن على صور. قام ابن عمي وصلها ورجع لعندي. لما رجع قعدنا بمستودع زي الملجأ عند بيت خالي. ظلينا اربع تيام انا وابن عمي. خامس يوم انضرب بيتنا، رحت اشوفو، لقيتو عالارض. حاولت اجيب اواعي ما قدرت. كلو البيت نازل عالارض.

قلت لابن عمي انو الوضع تأزم ولازم ننزل ع صور، قلي يالله. اجت معنا عيلة تنزل ع صور. واحنا نازلين، قبل مفرق قانا، اجا صاروخ طيارة بالسيارة من ورا وشظية بابن عمي (25 سنة) واستشهد.

[غص الراوي بالبكاء مدة تزيد عن العشرة دقائق. أوقفت المقابلة ورحت أواسيه، ثم اسر لي انه يريد أن يبكي منذ أيام، إلا انه لا يجد المكان والزمان الذين يستطيع أن يطلق فيهما العنان لحزنه بالخروج بعيدا عن زوجته وأهلها كي لا يعلمهم.]

بعد الضربة اجا الإسعاف بعد ربع ساعة واخذنا على صور. هناك قلنا للصحافيين ما حدا يطلع اسم ابن عمي عالتلفزيون. دفنوه مع الشهدا وما حدا عرف مثل مرتي ومرت عمي. بعد الدفن رحت ع صور عند مرتي ومرت عمي في مدرسة الحجة مريم في البص. بقينا أيام ما حدا تطلع فينا، أو جبلنا شي ننام عليه من البلدية.

قاموا أهل مخيم البص عرفوا عن وضعنا فضبوا الفرش والحرامات من بيوتهم وما خلونا بحاجي لشي. بعد هيك اجا معلمي اللي بشتغل معو عرف اني بالمدرسة، قللي اجي معو عالشقة مطرح م هو ساكن.

بعد يومين انضربت البناية بجنبنا، فقام هو فل بسيارتو، السيارة ما بتسعنا، كنا شي عشرين. قلتلو احنا بنلحقك، مشي. بعد ربع ساعة رحنا مشي من صور عالبص. ما كان معنا اجار السيارة. صرت شوف بالبص إذا حدا بياخذ الناس ع صيدا تبرع، شفت تكسي قال بدو 250 الف. واحد تاني قال 100 دولار. قلنالو فش مصاري، اعمل عمل إنسانى. سمعني واحد وراي، ما بعرف اسمو. أعطانى 100 دولار وقلي خود عيلتك على صيدا وسامحني، ما قبل آخذ اسمو حتى ارجع المصاري.

طلعنا ع صيدا بالتكسي. في البلدية تسجلنا وبقينا 3 ساعات واقفين. ما حدا تطلع فينا. بعدين وقفت عالنجمة، قرب مني شوفير تكسي، سألني من وين انت؟ قلتلو من الجنوب. طلع فلسطيني. جابنا على مخيم عين الحلوة لهون. في هون خالة مرتي، بس بحياتنا مش زايرينها. سألنا عن جوزها وهو جابنا هون عالمدرسة.

س. برأيك ليش استهدفوكم عالطريق؟

ج. لانو إسرائيل ما بتوفر مدنيين، هي قاصدة المدنيين.

س. هل انقصف في البلد أماكن عامة مثل جامع أو مدرسة؟

ج. قصفوا الحسينية ومبنى البلدية 4 اميات كهربا.

س. هل كان في شي مميز بالقذائف الي ضربوكوا فيها؟

ج. كانت الروائح غريبة. بعد الدخنة بتحس انو في ريحة كريهة لدرجة مش معقولة، مثل
الخنق. اول مرة بنشوف هالشي. غريب.

س. اجا عندكم دفاع مدني أو صليب احمر؟

ج. اجا الدفاع المدني تفقد.

س. هل أنذرتكم إسرائيل وطلبت منكم إخلاء البلد؟

ج. لا، ما عملوا شي.

س. غير الصاروخ اللي نزل عليكم، حدا تاني تصاوب قدامكم؟

ج. انضربت سيارتين ورانا، في سيارة مازدا استشهدت فيها مرة، اجا حجر براسها من القصف.

س. خبرني كيف استقبلوك أهل المخيم؟

ج. اللي بيفوت عالمخيم عيب يقول انو اتهجر. أهل المخيم ما خلونا نحس بشي، بيجوا بيقعدوا معنا وبيلعبوا معنا، وبياخذونا عالسوق.

س. كيف شفت الحياة هون؟ زي ما كنت تسمع انو في قتل وإجرام؟

ج. الشعب الفلسطيني حطنا بعينو، واحتضنا وحفظلنا كرامتنا. بس امرق بالسوق بسلم عالناس بحترموني. هديك اليوم كنت ماشي بالسوق، صاحبي عمو حلاق. قلي قوم احلق. قلتلو مابدي لاني مش حامل مصاري. بس من قد م شد علي، قمت. بس خلص، عرضت عليه مصاري، رفض. وقلي إذا بدك شي تاني، بس قول. ثاني يوم بعتلي مصاري مع ابنو. انا مش عارف كيف اشكر الشعب الفلسطيني. انا رحت وشفت قرايبيني برا ورحت قلتلهم تعوا عالمخيم لانهم ميتين من الجوع. في منهم خايفيين ييجوا زي م أنا كنت. بس قلتلهم بكرة بس نرجع عالبلد بتشوفوا شو عملوا معنا أهل عين الحلوة. جابوا اكل ولبس لاولادنا وللكل. وانا لو بصحللي بيت بالمخيم لاسكن هون، لانو الناس هون أهل الكرم. حتى الحياة هون رخيصة.

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

شهادة المهجّرة

عبلة مصطفى درويش



 

اسم الرواي: عبلة مصطفى درويش
العمر: 21 سنة
المهنة: سيدة منزل
العنوان الدائم: القليلة
العنوان الحالي: مدرسة المنطار/الانروا في مخيم عين الحلوة
اجرى المقابلة: محمود زيدان
التاريخ: 14 آب/أغسطس 2006



س. اوصفيلنا شو صار معك وشو كان شعورك؟

ج. شعوري مهجرة. كنت قلقانة كثير معي ابني صغير. في القليلة ذقنا المر. لا خبز ولا شي. صاروا يبيعوا ربطة الخبز بأربعة آلاف.. تحاصرنا عشر أيام في مستودع. أطفالنا مرضى. الله يهد إسرائيل، حرمتني من اخوتي. بالموت قدرنا نهرب ع صور. وهناك عجقة ووسخ. أول م وصلنا هناك شافتني مرا، شكلنا بحزن، راحت جابتلي بيجامة وحفاية. بعدين انصدمت طلعت المرا فلسطينية من المخيم. كنت مفكريتها مهجرة مثلنا.

بعدين عملنا المستحيل حتى ننقل ع صيدا. اخذوا منا عالراكب 50 دولار، والسيارة كان فيها اكثر من عيلة. في ناس قاعدين على ركبنا. البوارج والطيران كلو يضرب، وين نهرب؟ أنا وأهلي وزوجي وولادي، وصلنا على صيدا. أول مرة بوصل على ساحة النجمة. رحنا على مدارس الحريري، قالوا ما في وسعة، مع انو منظرنا بحزن. ما قالوا لنقعدهم موقت.

بقينا في الشارع، فقلتلهم جوز خالتي ساكن في عين الحلوة، بس أنا ما بعرف وين بس بعرف اسمو. وقفنا بالطريق، شافنا صاحب تكسي ابن حلال، بس شاف حالتنا تقطع قلبو. أخذنا عالمخيم وجاب الشباب. ما لاقوا محل في المدرسة، فتحوا المدرسة هيدي هون. واستقبلونا بشكل كثير مليح. جابولي فرش وحرامات من قلب بيوتهم واخذلي الشوفير ولادي وحممهم. وبس عرفوا انو احنا نايمين رجال ونسوان مع بعض، فكوا البرادي من غرفهم وفصلوا بيننا وبين الرجال. جابوا لأولادنا صندوق كلو معلبات وشوكولاته. بس صرت ابكي، قالو لي ما تبكي انت مش مهجرة. احنا هون ضيوف عندكم.

ثاني يوم رحت بدي اشتري من السوق، لقيتهم مأمنين كل شي، حليب وحفاظات لابني. صرنا نترجاهم ما يجيبوا شي، لانو غرفنا انتلت. واحنا عارفين انهم كانوا عم بجيبوا من بيوتهم.. ثاني يوم ابني مرض، بدي اخذو عالدكتور. قام واحد اخذو حلقلو وحممو واخذو عالمستشفى ولما رجع، رجع معو عصير وقنينة صحة وسندويشات. رجعت على الغرفة، لقيت الجليات مجليين والغرفة ممسحة، وماخذين تياب جوزي وغاسلينهم وتاركين مؤن في الغرفة. ابني بيستعمل كيس حفاظات كل 15 يوم، بيوم واحد جابولي 3 أكياس. مش عارفة شو بدي اقول. بدي اشكر كل الشعب الفلسطيني بكل المخيمات. والله يحميكم.

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

حدث في البرج الشمالي

محمود الجمعة - لبنان



 

فـاطـمـة قـانـصـوه
 

لم تكن فاطمة قانصوه على درجة من القوة تسمح لها بالمشي سريعا. كانت تعيش في بلدة دعبال في الجنوب اللبناني. بعد تعرض البلدة للقصف الشديد من المدفعية والطيران الحربي الإسرائيليين، غادرت الأم البلدة للبحث بيت تحتمي فيه وأسرتها. غادرت دعبال واتجهت مشيا على الأقدام نحو مخيم البرج الشمالي، أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين القريب من مدينة صور في جنوب لبنان. وبدا لها أن منطقة البرج الشمالي ستكون آمنة، إذ لا يوجد فيها أهداف عسكرية لتكون هدفا للعدو.

وعندما أصبحت على مشارف المخيم، قريبة من مصنع للصابون، مر بها إسماعيل، أحد سكان المخيم، والقى عليها التحية المعتادة: "السلام عليك." بعد أن أصبح على بعد حوالي خمسين مترا منها سمع دويا هائلا ارتجف له قلبه، وتسمرت خطواته، وشعر بارتباك جعله للحظات لا يعرف ما يفعل.

كان دوي الانفجار الشديد ناتجا عن صاروخ أطلقته طائرة حربية إسرائيلية من طراز اف 16، وقد وجه إلى مصنع الصابون، فدمره. كان الانفجار شديدا. وتناثرت الشظايا مئات الأمتار.

هب شباب المخيم لمحاولة المساعدة. عندما وصلوا المكان الذي لا يبعد مئتي متر عن المخيم ، وجدوا هولا لا يمكن تصديقه. بالأمس كان كل شيء جميلا، وكل شيء في مكانه. في تلك اللحظة، كان كل شيء مدمرا ومبعثرا. همة الشباب كانت اقوى من التدمير. لم يساورهم الخوف من غارة ثانية. نسوا انهم هدف سهل لعدو لا يعرف الإنسانية والعمل الإنسانى.

منزل حسين الزيات المحاذي للمعمل دمر بالكامل، رفع شباب المخيم من الأنقاض ما استطاعوا بأيديهم العارية. حملوا الأشلاء الممزقة للأم وأطفالها الثلاثة إلى سيارة الإسعاف. وقد شاءت الأقدار أن يكون الأب وقت الانفجار خارج المنزل.

عاد الشباب وكانوا كأنهم تمرغوا في التراب، وطمست ملامحهم. نصحهم بعض الأهالي بأن يذهبوا ويغتسلوا للتخلص مما على أجسادهم من مواد قد يكون بعضها ساما.

بعد ساعات من ذلك، قال إسماعيل إنه شاهد امرأة كانت تمر بالقرب من المصنع قبل الانفجار، وتساءل: ماذا حدث لها؟ قال آخرون إنهم لم يسمعوا عنها شيئا. قرروا أن يبحثوا عنها. بحثوا هنا وهناك، ولكن المحاولات باءت بالفشل. مر اليوم الأول ولم يعثروا على أثر لفاطمة. فتشوا في اليوم الثاني ولكن دون جدوى. بعد أن فشلوا في كل المحاولات، قال أحدهم ربما تساعدنا القطط بعد يوم أو أكثر على تحديد مكان جثتها.

وفي اليوم الثالث على فقدان فاطمة كان أحد المنازل المجابهة للمعمل بحاجة إلى وضع قفل للباب الرئيسي، واستدعى ذلك إزالة الركام الناتج عن تدمير سور البيت (التصوينة). وتحت ذاك الركام كانت فاطمة ترقد، والحياة لا تزال في عروقها.

وما حدث هو أنه حين وقع الانفجار الشديد، انخلعت إحدى بوابات المعمل، وطارت ثم هوت على تصوينة المنزل المقابل للمصنع، وأخذت البوابة فاطمة في طريقها. دمرت تصوينة المنزل، وانهال الدمار على البوابة التي كانت فاطمة قد أصبحت تحتها.

وهكذا نجت فاطمة، ربما لأنها خرجت تبحث عن ملجأ لأسرتها، وربما لأنها بحثت عن الأمان في مخيم للفلسطينيين الذين جاءوا إلى لبنان بحثا عن الأمان.

حسين يونس

أثناء الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982 كان حسين يونس في الرابعة عشرة من عمره، أما أيام حرب إسرائيل على لبنان عام 2006 فقد كان أبا لخمسة أطفال، وعاملا زراعيا يوميا يناهز عمره ثمانية وثلاثين عاما.

وحسين يونس رجل بسيط، نقي السلوك ويتحلى بالرزانة والأمانة. كان قبل الحرب يحرس بستانا في تلك المنطقة. ومن أجل التغلب على الواقع الاقتصادى الصعب، قرر أن يربي بقرة لكي تساعده على حياته الصعبة، ولكي تزيد من دخله. ومع مرور الأيام صار لديه بقرتان وعجل، وأثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان كانت إحدى البقرتين حاملا.

خلة حمارة منطقة تبعد حوالي ثلاثة كيلومترات عن مخيم البرج الشمالي، وهي منطقة مليئة ببساتين الحمضيات والموز، وفيها بعض المنشآت كمعمل بلاستك وأمصال المستشفيات. وهي أيضا منطقة كانت في السابق محطة لطلاب المدارس ليدرسوا فيها، هربا من واقع بيوت الصفيح. وكانوا يستظلون بأشجار السرو والكزرينا.

عندما بدأت الحرب كان نصيب هذه المنطقة المفعمة بالحياة الطبيعية قصفا وحشيا، إذ بدأت الطائرات الحربية تلقي قنابلها دون تميز ما بين مدني او عسكري. ولم تبارح أجواء المنطقة طائرات بدون طيار أطلق عليها الناس لقب "أم كامل" (*).

كانت "أم كامل" تقوم بتصوير المنطقة بشكل دائم لكي تقدم المعلومات للطائرات الحربية التي كانت تش الغارات في الليل والنهار، ولا تترك مجالا لأي كان ان يتحرك او يسعف جريح او يساعد مستغيث.

أفرغت الطائرات الحربية حممها على المنطقة، فقتلت ودمرت، واقتلعت الأشجار. وكان بين أهدافها معمل البلاستك، فتعالت سحب الدخان المنبعثة من مواده المحترقة، حتى لكأنك تعتقد أن فصل الشتاء قد حل في سماء المنطقة المحيطة بمنطقة البرج الشمالي.

كان حسين يونس معتادا على الذهاب إلى البستان للاعتناء بالبقرات ثلاث مرات في اليوم: صباحا وظهرا ومساءً. وبعد بدء العدوان، بقي يذهب في الأيام الأولى كعادته، يركب دراجته النارية ويصل كالمعتاد، و يضع التبن لتأكل البقرات، ثم يأتي لها بالماء لتشرب.

كان الناس من حوله ينصحونه بعدم الذهاب لأن المنطقة محفوفة بالمخاطر الكبيرة، ولكنه يعتقد أن البقرات مخلوقات يجب الحفاظ على أرواحها، ولا يعقل أن تترك دون عناية.

في اليوم الثامن للمعركة، انطلق بدراجته النارية كالعادة، وسار هذه المرة بمحاذاة أشجار السرو المحيطة بالبساتين، ولأن "أم كامل" كانت تحوم فوق المنطقة قرر أن يترك الدراجة تحت شجرة سرو، واحتمى هناك من الطائرات المراقبة.

بعد ذلك قرر أن يجري لكي يدخل بوابة البستان، وسمع عندئذ سمع دويا هائلا لا يبعد كثيرا عنه. وصل إلى حيث بقراته، ووضع التبن لها وقدم لها الماء، وعاد مسرعا إلى مكان الدراجة النارية، فوجد حفرة كبيرة. عاد أدراجه إلى المخيم مدركا أن الأوضاع تزداد خطورة كل يوم. لكن هذه المرة كانت صعبة وبدأ يفكر في تقليل مرات الذهاب إلى لمرة واحدة.

يسأله البعض "لماذا لا تجلب البقرات إلى المخيم؟" فكان أحيان يقول قد يتم وقف إطلاق النار قريبا، ولا يصبح هناك داع لذلك، وأحيانا أخرى يقول أنه يخاف على البقرات، خاصة وان واحدة منهما حامل.

قرر في اليوم التالي الذهاب عصرا. فكر في ترك دراجته النارية على زاوية محطة السبعيني، ثم يذهب سيرا على الأقدام. ولكن عندما وصل المحطة غير رأيه، وواصل الرحلة بدراجته فالوصول إلى مكان البقرات مشيا كان سيحتاج إلى نصف ساعة.

وصل إلى بقراته ووضع لها التبن والماء. ولكنه هذه المرة لم يستطع العودة كالعادة، فقد كانت "ام كامل" تحلق في الأجواء. واشتد القصف على المنطقة دون هوادة. وتوالت الغارات حتى أن شظايا القصف ذلك كانت تتناثر فوق المخيم ومحيطه. ولما حل المساء، قرر العودة، وغير ر خط سيره المعتاد، فبدل أن يحضر باتجاه المخيم قرر الذهاب باتجاه البازورية اعتقادا منه أنها آمن من الجهات الأخرى. لم يكن يدري أن القصف كان في كل الاتجاهات.

في طريق عودته تذكر صاحب البستان يعيش في البازورية، وهو من عائلة الجفال. وجد صاحب البستان لا يزال في منزله، وقد فوجئ الرجل بحضوره، ورحب به في بيته، وقد أذهله تصميم هذا الرجل على الاهتمام بالأبقار. وبدأ يؤنبه المجازفة بحياته، وذكره أن البساتين والأملاك لا قيمة لها إن أصابه شيء. قدم له صاحب البيت ما توفر من طعام قليل نتيجة الحصار الذي اشتد على الجميع.

كانت الساعة قد قاربت الحادية عشرة ليلا، وأصر حسين يونس على العودة إلى بيته. قراره أثار جدلا كبيرا بينه وبين صاحب البستان، الذي قال: "هل أنت مجنون؟ كيف سيكون موقفي أمام الناس إذا حدث لك مكروه أثناء عودتك؟ تعقل يا حسين. مستحيل أن أتركك تذهب. الصباح رباح، والنهار له عينان." ولكن حسين ظل مصرا على العودة إلى بيته في المخيم.

في تلك الأثناء، في مخيم البرج الشمالي، اجتمع أقارب حسين وجيرانه وبدأوا البكاء عليه ظانين انه استشهد. وتعالت أصوات النحيب، وعبارات الندب من قبيل ضيع شبابه من اجل البقرات. بدأت اللعنات تصب من كل صوب على البقرات المشؤومة، وترديد عبارة تذكر بأن الحياة اغلى بكثير من أن يضحى بها على هذا النحو.

تفادى حسين سلوك الطريق العام، واختار دربا بين البساتين. اصطدم بأسلاك الشائكة تفصل بين البساتين، وتلافي الاصطدام بالمزيد، بحث عن عصا لتعينه على تلمس طريقه في الظلام الحالك.

حوالي الواحدة ليلا، اقترب من مشارف بلدة البرج الشمالي القريبة من المخيم الذي يحمل اسمها. ارتاب من حالة الصمت المطبق على المداخل الشرقية للبلدة، فقرر أن يمشي ويدق قدميه بالأرض لعله يصدر صوتا يعلن عن اقتراب إنسان، فلا يروح ضحية نتيجة الدخول عن طريق الخطأ في كمين نصبه المدافعون عن البلدة للقوات الإسرائيلية.

ولما وصل الشارع الرئيسي في البلدة، راح يدندن بصوت مرتفع، أملا في أن يسمعه أحد. وفجأة سمع صوت ينادي بسؤال: "من أنت؟" تنفس حسين الصعداء. رد على السؤال:

"أنا حسين."

جاءه سؤال آخر: حسين مين؟

"حسين يونس."

ناده الصوت آمرا: "اقترب؟

اقترب حسين أكثر من صوت المنادي، الذي طرح المزيد من الأسئلة:

من أين أنت؟ أين كنت؟

استجمع حسين شجاعته، وقال

"أنا من مخيم البرج الشمالي، اسألوا عني فكل الناس في المنطقة يعرفوني. اسمي حسين يونس، ولكن البعض يعرفني باسم حسين ريا."

خلال نصف ساعة بدأ الذين أوقفوه يعتذرون له، وقالوا إن ما فعله مغامرة، وطلبوا منه انه يعلمهم مسبقا إن هو قرر الذهاب ثانية.

وصل المخيم فأثارت عودت سالما فرحة عارمة في نفوس الزوجة والأب والأولاد والأهل، وكثرت تهاني والأقارب والجيران بعودته سالما، وبدأ أيضا التأنيب على ما فعل. ولكنه كان يفكر في ما سيفعله في اليوم التالي من أجل البقرات. وقد اتخذ قرارا بإحضارها إلى المخيم.

كان حسين بحاجة لمن يعينه في عملية إحضار الأبقار إلى المخيم. وهذا الشخص كان عليه أن يكون مستعدا لركوب الأهوال. وقد وقع الخيار على عديله، وأقنعه في اليوم التالي بأن يأتي معه لكي يساعده في جر البقرات من مكانها إلى المخيم. قررا أن يذهبا في الساعة الخامسة عصرا، وأعدا العدة للذهاب سيرا على الأقدام. وقبل ذهابه ذهب إلى المدافعين عن بلدة البرج الشمالي ليعلمهم بأنه قرر الذهاب في المساء ليجلب بقراته.

انطلق برفقه عديله واحتميا (واحتما) بأشجار السرو والكزرينا، وكان يطمئن عديله على الطريق بأن يقول له لا تخف أنت معي، فأنا كل يوم احضر إلى هنا وها أنا أمامك حي. كانت الحفر الكبيرة التي أحدثها القصف على مدار الأيام قد غيرت ملامح الطريق. أغصان الشجر المكسرة والمتناثرة كانت إحدى العقبات في طريق العودة، لذا أخا يزيلان بعضها لتكون عودتهما الليلة بعقبات أقل.

وصلا بعد طول عناء ومشقة إلى مكان البقرات، وقدما لها. ولكن لم تكن الأحوال تسمح بالانتظار طويلا، فقررا البدء برحلة العودة إلى المخيم مع الأبقار. مشى عديله جارا البقرة الحامل والبقرة الثانية تتبعها وخلفها العجل، في حين كان حسين يحث البقرات بعصى المسير بخطوات سريعة.

حوالي التاسعة ليلا اقتربا من مشارف المخيم. تنفسا الصعداء. عادا سالمين، ومعهما عجل وبقرتان، إحداهما حامل.

-----

(*): أم كامل تحوير شعبي لاسم طائرة استطلاع بدون طيار من طراز ام كيه (MK).

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

كـــالـــــعــادة

سالم ياسين - لبنان



 

"الخامسة والنصف،" ارتفع صوته مخاطبا زوجته في ذلك الصباح الباكر، ثم أضاف:

"سهرت طوال الليل أتابع أخبار الحرب. الدمار والقتل والتهجير مخيف للغاية. وآيات الصمود فوق العادة. مخيم عين الحلوة للاجئين يعج بالنازحين. الله يساعد الناس. كلما ازداد البشر تراكمت النفايات كما ونوعا وأبخرة نافذة. انتبهوا! لا تدعي الأولاد يلعبون في الخارج، ربما سيطبق وقف لإطلاق النار خلال أقل من ثلاث ساعات. مع السلامة" (1).

انطلق يدفع عربة النفايات المدعمة بألواح من الصفيح لزيادة حجم حمولتها صعودا إلى أعلى جبل الحليب، أحد أحياء مخيم عين الحلوة. إنه ليس ضمن مكان عمله في وكالة الغوث (2)، ولكن أهل الحي طلبوا منه جمع نفاياتهم، فهو عامل نفايات من الدرجة الأولى في الوكالة وأحواله صعبة، لذلك يجمعون له ما تيسر من مال في آخر الشهر، وأحيانا يضيفون بعض الثياب المستعملة لأولاده.

ساعة من الزمن وأذهب إلى عملي"الرسمي." طالما أضحكتني فكرة عملي "الرسمي،" فأنا لن ألبس ثيابا "رسمية." نفس الثياب ونفس العربة ونفس الرائحة في وظيفتي "الرسمية." المراقب هو من يلبس ثيابا "رسميه." كذلك ابن عمي ذو الوجنتين الحمراوين المكتنزتين في قسم التسجيل، الذي دبر لي هذه الوظيفة بمساعيه الخيّرة. غالبا ما يوبخني لكثرة العيال بعد أن يطمئن على عملي في الوظيفة المعتبرة مفاخرة بنفسه. في آخر مرة قال لي وأنا أسجل أصغر أبنائي يحيى:

"لو أنك متزوج من أربع نساء، كنت سأفتح لك أرشيفا خاصا وسأعمل موظفا لك وحدك في الوكالة. "

"المال والبنون زينة الحياة، فإن لم يكن المال فليكن البنون على الأقل، والحمد لله." أخبرته ذلك خجلا، فأنا أعلم مرماه من التعليق: إنه نقص المال وضيق الحال بكثرة العيال، وأن أبقي في البال جميله القتّال.

ابتسم لذاته راضيا، فلو أنه تزوج من أربع نساء لأصبح أكبر زجّال، ولم يكتف بهذا الموال، فكل كلمة فيه ألفها لدى تسجيل ولد من أولاده.

نغّص الله عيشك يا موظف التسجيل بعينك الضيقة، كلما أخبرتني زوجتى أنها حامل، تقفز حضرتك في بالي لتعكر مزاجي. هل تعلم كم أسعد برؤية أولادي في المساء، بأكفهم الطرية وقلوبهم الطاهرة، وأنا سيّد قصري وعصري والكل تحت طوعي؟ سيكملون تعليمهم إن شاء الله في أحسن مدارس، وسيعوضوني وأعوضهم حياة حرة وكريمة، وآخر هذا الشهر سآخذهم إلى مدينة الملاهي نكاية بك يا أحمر الخدّ وأسود القلب.

وصل إلى أعلى الجبل وأخذ بجمع النفايات بسرعة وهمة كبيرة، دافعا عربته بين الأزقة، ماسحا قطرات عرقه بأطراف أكمامه، مشيحا بوجهه بين الفترة والأخرى عن الأبخرة المتصاعدة من عربته ليلتقط نفسا نظيفا.

تأفف من كثرة الحجارة الكلسية في الطرقات، التي تتطلب منه جهدا إضافيا ليوازن عربته في المسير بثقل الحمولة. إنها الحجارة التي يتكون منها الجبل. كان لونه أبيض كالحليب قبل أن يكتظ بسكانه وعمران كل متسع فيه.

بعض الوقت وينتهي من هذا الحي ليبدأ في حيه "الرسمي" قبل وصول المراقب. أشعل سيجارة ونفخ دخانها بشدة، رافعا رأسه إلى السماء مصغيا إلى أزيز طائرة الاستطلاع "أم كامل" (3). إنها الملعونة التي تسبق الطائرات الحربية عادة. صور من ثوابت الزمن: الحصان فالعربة، كما عربة النفايات فأنا، كما "أم كامل" فالطائرات الحربية.

توجه نحو آخر بقعة في الجبل. بعض الوقت وينتهي من العمل هناك. بعض الوقت ويعلن وقف إطلاق النار.

علي الانتهاء بسرعة. سأمسح عرقي وأنظف عربتي جيدا فلا أريد أن يعرف المراقب الشكّاك أني أعمل وقتا إضافيا، هو وقت مستقطع من فترة نومي، فهل تختلف القاعدة أم يبقى عملا إضافيا؟ لا أدري ولم أسال أحدا بعد. المهم أن أبدو له في كامل نشاطي. سأضيف بعضا من مزيل الرائحة، فالبشر في ازدياد و أنواع النفايات غريبة، ورائحة الموت والبارود وقيظ الصيف يزيد من حدتها، والضجيج فوق العادة وجهدي فوق العادة.

ربما سيوزعون بعض الإعاشات هذا الشهر بسبب الحرب، كما في أيام الثورة، راتبا إضافيا بدلا للصمود والتصدي. ولكن لا عملي الآن "صمود وتصدي" ولا الإعاشات بدورها لذلك المبتغى، إنما هي بدل للبقاء، للأحياء فقط.

هي آخر بقعة قبل الوصول إلى سوق الخضار. يحلو للأولاد أن يلعبوا فيها كرة القدم. في كل مرة يتركون قطعا من حجارة البناء كعلامات للمرمى. هي طريق أوسع قليلا من باقي الزواريب لكنها تصلح للّعب.

العفاريت يصرون على وضع علامات بارزة للمرمى وكأنه ملعب "رسمي." ضحك في نفسه مجددا لفكرة الملعب "الرسمي" فكيف يكون الملعب "رسميا"؟ لا أنا ولا الملعب نستطيع أن نكون "رسميين" في هذا المخيم، ربما في الماضي السحيق كان الملعب ملعبا، كما كنت في يوم عرسي "رسميا." حمل الحجارة ببعض الجهد ووضعها على جانبي الطريق، فاليوم قد يستخدمها الأولاد مجددا إن طبق وقف إطلاق النار.

اندفع بالعربة نزولا. ربما كان عدد الحجارة هذه المرة ثلاثة فقط على غير العادة، لكنه لم يشغل باله كثيرا فالعمل "الرسمي" بانتظاره، وكذلك عيون وأنف المراقب. أسرع بعض الشىء ولم ينس أن يلقي نظرة على باب محل العطور المقفل على مفرق سوق الخضار. الدنيا حرب، ومن يشتري عطرا في زمن الحرب؟ تنهد مجددا لنفسه العهد والعزم على شراء مزيل الرائحة، فهو لا يحتمل مخاطرة اكتشاف أمر عمله الإضافي.

ساعة ونصف ويبدأ وقف إطلاق النار. سيعود النازحون إلى قراهم ويخف الاحتقان البشري ومخلفات نفاياتهم، وربما لن أعود بحاجة إلى مزيل الرائحة، ويعود المخيم كالعادة، من يدري؟ ثم إن أنف المراقب مدمن على الرائحة العادية، وهو أنف عادي كما هو عاديّ كل ما يقع ضمن السياج المضروب حول المخيم.

دوى هدير الطائرات الحربية فجأة، وزلزلت الأرض بفعل الانفجار الضخم. جفل قلبه بين جوانحه بعنف، ورأى أولاده يلعبون في مدينة الملاهي الموعودة وضحكاتهم تعلو وتعلو فتصم أذنيه، فناداهم بصوت أخرس، لكنهم يبتعدون تباعا ويخرجون عن طوعه تباعا، وسكون مطلق أبدا، فوق أي عادة.

تجمهر الناس كبارا وصغارا وبدأت الأصوات تعلو:

"إنه زبّال الأنروا، أبو سميح."

"لقد مات وهو وراء عربة النفايات."

"قطعة من حجارة الإسمنت طارت بفعل القصف وشجّت رأسه فمات من فوره."

"دخلت زاوية الحجر في رأسه."

"انظروا إلى الحجر، عليه آثار الدم المتخثر وبعض من دماغه."

حمل الرجال الجثة ومضوا بها إلى حيّه "الرسمي،" ودار النحيب والعويل في بيته "الرسمي." اليوم سيلبس أبو سميح ثوبه "الرسمي" باللون الأبيض وبعض العطر، ولكن ليس من زغاريد ولا من مراقب. وغدا سيعلو الغبار الحجر الإسمنتي فيخفي آثار الدماء، ويحمله الأولاد ليبقى علامة للمرمى، شاهدا على الحياة وشاهدا على الموت، فالحياة والموت داخل سياج المخيم، في نفس المرمى، كالعادة.

-----
(1)  سرى مفعول وقت إطلاق النار (وقف الأعمال العدائية) الساعة الثامنة صباح بتوقيت لبنان يوم الاثنين 14/8/2006.

(2) الوكالة ووكالة الغوث اسمان متداولان لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة وتعرف أيضا بـ أونرا، وهــي تعريب للحروف اللاتينية التي يتكــون منها اسم الوكالة (UNRWA).

(3):  أم كامل تحوير شعبي لاسم طائرة استطلاع بدون طيار من طراز ام كيه (MK).

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

للجنوب وردة بقاء أبدي في ذاكرتنا

إلى روح فادي حاوي

ياسمينة صالح - الجزائر



 

"القتل لا يمكنه أن يلغي ذاكرة الإنسان المتشبثة في الأرض، فالأرض لا تموت."

الروائي الكولمبي، غابرييل غارسيا ماركيز



لعلي تذكرت عبارة غابرييل غارسيا ماركيز وأنا أجلس قبالة شاشة الجهاز وأطالع رسائلك الأخيرة. تلك الرسائل التي كنت تعاتب في بعضها تأخري في الرد عليك. لم تكن ثمة إجابة مقنعة لي أو لك. كنت أصمت حين لا أجد كلاما يكفي لنتقاسمه مع الآخرين كرغيف ساخن وحار. كنت أصمت كي لا أجرك إلى إحساسي المسبق بالفجيعة على ما كان أو ما يمكن أن يكون. وكنت خائفة عليك من الحزن، من حزني ومن حزن المدن التي نعرف حرقتها بعد الأوان. أنت الذي صدق ألوان ريشة اعتقد أنها ستكفي لتدافع عما تبقى من عشب ومن ماء. لم يكن لي أن أنقل إليك فجيعتي "القومية" العميقة التي طالما جررتها في خطواتي وفي قوائم الخسارات التي من كثرتها نسيت كيف أعدها من البداية. خفت عليك من اللون الأسود الذي أحبه والذي كثيرا ما انتقدته بقولك لي: "كل الألوان مستمدة من الأسود في الأساس، ولكنها تجاوزت الأسود في خصوصياتها، لهذا نحب الألوان ونكره الأسود." وكنت أبتسم بيني وبين نفسي.

هل كنت أكثر واقعية منك؟ لا أظن. فقد كنت أقرب إلى الحقيقة منا وأنت تصر على أن للعصافير هويتها وللألوان تاريخها الثابت كما الأوطان تماما. كنت أقل منك حلما كلما فكرت أن الأوطان أكثر مما تبهجنا، وأننا حين نحب وطنا نتمسك فيه بيتمنا الأبدي في خرافة الوجود والبقاء الذي يتعرض للقصف بجرة قلم.

***
فادي الصديق والرسام الذي وعدني بلوحتين هدية لي، قال إنه سمى إحدى لوحاته "بحر الصمت" لأنه أحب روايتي الأولى كثيرا، ولأنه أراد أن يرسم الرواية بألوان مغايرة -كما قال- بحلم أكبر. بفرح أكثر. وببياض أوضح. فادي الذي كنت ألتقيه في شارع الحوار المباشر على الانترنت. عبر الماسينجر يسألني فجأة: "وين غاطسة يا صديقتي؟ صار لي زمن وأنا أنتظر ظهورك." فادي البسيط كشجر الجنوب والصادق كأرضه. ذلك الجنوب الذي حين يتكلم عنه يقول "هيدي أرضي،" وحين يتكلم عن "البقاء" يقول: "وين بدي أروح؟ أنا هون وسأبقى هون،" بلهجته اللبنانية التي كانت تبدو لي كطبق جاهز ومغر وبعيد. ثم حين انفجرت الحرب الهمجية على لبنان، وجدتني أصاب بالذعر قبالة كل هذا التساقط الغريب لكل الأحلام المتبقية. إزاء الصمت المطبق الذي اكتشفت أن العالم كله يستحليه ويمارسه اليوم علينا جميعا. ذلك الصمت الذي كنت أهرب إليه طواعية كم كرهته. كم شعرت بالنقمة عليه. أنا المرأة التي كانت تغيب أكثر مما تحضر وتصمت أكثر مما تتكلم، وجدتني أصاب بالفزع وأنا أتصفح وجه لبنان الذي دمرته القنابل الإسرائيلية ودمره الصمت العربي والدولي. وفي قمة صدمتي وجدتني أسأل عن فادي. كتبت له رسالة أسأله فيها عن حاله فلم يرد. فهمت أن الحلم والحرب لا يلتقيان إلا في نص نؤمن أنه سيختزل لوحده حقيقة الكون بكل ما فيه وما عليه. ولعلي كنت أدرك ذلك من بداية الخليقة، مثلما أدركته أنت يا صديقي الأجمل.

***
فادي الريشة الحالمة والصداقة التي تحكي عن الغد بعبارة "الأمل" التي لا تعني لجيلي اليتيم شيئا. فادي الذي كتبت له عشرات الرسائل في غيابه أكثر مما كتبتها له في حضوره. كنت أدرك أن الهرب من القصف الإسرائيلي جزء من الدفاع عما تبقى من احتمالية العيش ولو قليلا، في تلك الأرض التي أعرف حبك لها وأعرف انتماء ريشتك لخضرتها ولمائها ولتفاصيلها المتشابكة حينا والغامضة أحيانا. فكرت أنك ستقرأ رسائلي حين تهدأ الأمور، وأنك سترد علي بعبارة "ها أنا أعود كمحارب أتعبته الهدنات المغشوشة وغير الحقيقية." ولكنك لم تعد. حين سألت صديقا مشتركا عنك أخبرني بهدوء جارح: "فادي الرسام؟ ألا تعرفين؟ لقد استشهدوا جميعهم. أصابت قذيفة إسرائيلية ضيعتهم في منطقة البقاع. استشهد عشرات من سكان القرية أيضا."

***
فادي. ها أنت تصمت الآن. تصمت في الوقت الذي تمنيت أن تتكلم فيه، لتدافع عن ألوانك الجميلة وعن قناعاتك الجميلة وعن حقك الشرعي في الحياة وفي البقاء. كأن تقول لي "أنا هون، وين بدي أروح؟" أعرف أنك بقيت حين غادر الجميع. حين كانت الطائرات تسحب رعاياها نحو الخارج كي تعطي للإسرائيليين سببا آخر للقتل والتدمير. أعرف أنك هنا، حين لم تذهب. حين لم ترحل. حين لم تصر على الكلام في زمن وجدنا فيه العالم قد "أكل" لسانه كي تأكلنا إسرائيل باسم الحضارة التي تخلفنا عنا ألف عام مضت وألفا أخرى ستأتي عما قريب في خريطة الشرق الأوسط الجديد.

***
فادي. لروحك ورد البلاد وتفاصيل الرحلة الأخيرة والوطن/الحالة، فأن تموت شهيدا أجمل بقاء في أرض تعي أنها لك. لروحك ورد الجنوب وعشبه وعصافيره التي لم تتوقف عن الغناء برغم القنابل والموت اليومي. برغم الدمار والكارثة.

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

الأخـــــبــار

صحيفة لبنانية جديدة



 

صدرت في لبنان صحيفة يومية جديدة تحمل اسم الأخبار ويرأس تحريرها جوزف سماحة. وقد صدر العدد الورقي الأول يوم الاثنين، 14 آب/أغسطس 2006.  عنوان موقع صحيفة الأخبار:

www.al-akhbar.com  

مقتطفات من رسائل القراء

حول العدد الثالث



 

وصل عود الند الشهر الماضي العديد من الرسائل. وفيما يلي مقتطفات منها:

(1)  تعليقات عامة على المجلة

"شاكر لكم من قلبي هذه الخطوة البناءة والجريئة في زمن يتم به قذف المبتدئين وإقصاؤهم إلى الخارج."

"المجلة فعلاً مفيدة سيما للمبتدئين ... كما أود أن أشير لك بأن من أبرز الفوائد التي حصلت عليها والتي لا توجد في المواقع والمجلات الأخرى هي كيفية التعامل مع التنقيط."

"... جاءت عود الند لتضيء الطريق ولتكون منقذا شهريا لنا، فتعطينا دفعة أخرى من الأمل والاعتزاز. إن ترتيب الموضوعات له وقع جميل خطته يدا فنان احترف هذا العمل، صادق ومرفه الحس، تنساب موضوعاته كالماء العذب في إطار يعطيه جمالا على جماله."

"تحية فلّ وياسمين من تونس الخضراء."

"مشروع أنيق يوحي بثقة وروح إبداعية مع تمسك بثوابت تنظيمية منطقية. أتمنى لكم كل النجاح والتوفيق. "

"وصلتني مجلّتكم وأعجبت بمحتوياتها وأشكركم للمجهود الذي تبذلونه من أجل نشر الثقافة العربية. أتمنى لكم التوفيق."

"أهنئكم بالمستوى الراقي ـ فكراً ومضموناً وإخراجاً ـ لمجلتكم الغرّاء التي نرجو لها المزيد من التقدم والازدهار لتحتل المكانة المرموقة التي تليق بها في حياتنا الثقافية."

(2) تعليقات على مواضيع في العدد الثالث

"رحم الله سلوي اسطواني أنا اعرفها من خلال إذاعة لندن من مدة طويلة لم اعد اسمع صوتها لقد فوجئت بخبر وفاتها من موقع مجلة عود الند."

"تحية لك سيدي رشاد[أبو شاور]

تحية لك يا سيدي آخر الغير منبطحين من ما زال يذكر فلسطين والأرض والشجر والطيور والرجال في زمن ثقافة النفط الوسخةَ. سيدي العزيز تأكد تماما أن لك جماهير في كل الوطن العربي كما كان لغسان كنفاني وناجي العلي، وشكراً لك يا سيدي."

"رحمك الله يا إسماعيل شموط

هي مرة واحدة في حياتي التي التقيتك بها يا أبا الفنانين العرب، لكنني عشقتك وعشقت فيك روحك وفنك وصدقك ولطفك، وعشقت ذاك الطفل الصغير المتشبث بعباءة جده بإحدى لوحاتك، وعشقت تلك المرأة الأم الواقفة بشموخ وكبرياء كل امرأة عربية، وعشقت الفلاح الذي أرهقته شمس أرضه. إنهم شخصيات اعرفها وتعرفني، احبها وتحبني واشتاق لها كما اشتاق إليك يا معلمنا."

"الشكر لله ثم لكم يا أهل الكرم باليمن السعيد

عزيزي الأخت الفاضلة [منال الكندي]... لقد ألهبت شجون الشوق إلى إعادة ذكريات اليمن وخاصة صنعاء ، فهل تمنحي عهد ووعد الاخوة والزمالة بالكتابة عن المكلا - بحضرموت حيث قضيت عامين دراسيين في التدريس بالمرحلة الإعدادية والثانوية في جولة الريان قرب المطار بمدرسة النصر الثانوية بين أبناء وأشقاء واخوة (يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) فلا غرو أن يستغرب الكرم على الكريم والحب من المحب على الحبيب."

"أقول لياسمينة [صالح] أليس هناك بارقة أمل؟ النصوص لا تخلو من لغة جميلة وبسيطة أدت مهمتها في توصيل ما أرادته توصيله الكاتبة .واجمل ما في هذه النصوص هو وصول الكاتبة إلى هذه النهايات الغير متوقعة مما يدلل على أن الكاتبة متمكنة ومحيطة بمواضيعها الجميلة التي تمتلك من دربة في الكتابة والسيطرة على ما تكتبه، وهذه النهايات مفرحة رغم خيبة الأمل التي تصورها لنا. إنها تفرح القارئ وتحثه على قراءة النص اكثر من مرة."

"تمنيت لو أستطيع أن أكمل موضوع أخى غازي [القصيبي] في مقاله عن الشعر والشعراء، فطالما جلسنا نكتب عن الشاعر وعن أحاسيسه المرهفة، فلا أستطيع أن أصفه بغير ما هو ارقى واحن والطف. من الممكن أن يكون الشاعر كما ذكر الأخ غازي هو إنسان عادي مثلنا مثله لا يتغير عنا وعنه بشىء، ولكن الفرق إذا جالسته ترى الفرق في حواراته ومداخلاته الرقيقة."

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

العدد الثالث في الرياض السعودية

www.alriyadh.com



 

نشرت صحيفة الرياض السعودية في صفحاتها الثقافية يوم 30/8/2006 تقريرا موجزا عن عود الند أعدته القاصة السعودية المعروفة هيام المفلح.

التقرير كاملا تحت الصورة:

العدد الثالث من مجلة «عود الند» نقلة نوعية سيطرت عليها أحداث لبنان

الرياض - هيام المفلح:

شهد العدد الثالث من المجلة الثقافية الشهرية «عود الند»، نقلة مهمة تمثلت في تواجد مزيج من الأسماء المعروفة والجديدة، وانعكست على مواضيعها أحداث لبنان الدامية .

وقد ذكر المشرف على المجلة الإعلامي عدلي الهواري في تصريح خاص له : «إن عود الند نجحت في إقناع أسماء معروفة /كرشاد أبو شاور وأمية جحا وجابر سليمان / بالكتابة في العدد الثالث، الذي جسد غاية عود الند في أن تكون منبرا ثقافيا راقيا للكتاب المخضرمين والجدد».

ومن الطبيعي أن تفرض أحداث لبنان نفسها على هذا العدد، حيث تم تخصيص الغلاف للإشارة إلى مجزرة قانا الثانية، وخصص في العدد ملف تحت عنوان «لا للعدوان.»

وشمل العدد كتابات إبداعية متنوعة كالقصة القصيرة والتحقيق ونصوص أخرى، إضافة إلى ثلاثة مقاطع من كتب صدرت في الماضي. كما نشرت «عود الند» مادتين موجزتين حول الكتابة السلمية. وهناك كلمتا وداع للفنان التشكيلي الفلسطيني إسماعيل شموط، والإعلامية السورية المخضرمة، سلوى الأسطواني.

تجدر الإشارة إلى إن «عود الند» مجلة إلكترونية تصدر في الأول من كل شهر، ولا تشترط أي نوع من التسجيل لقراءة المجلة أو الكتابة فيها، وعنوان موقعها هو www.oudnad.net
----------
التقرير أعلاه منشور على الوصلة التالية:
 
http://www.alriyadh.com/2006/08/30/article182638.html

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

الراية تسطو على عود الند

قصص ياسمينة صالح في الراية دون إذن



 

بتاريخ 13/8/2006 نشر موقع صحيفة الراية القطرية قصص ياسمينة صالح القصيرة التي نشرت في العدد الثالث من عود الند. ولم تشر الصحيفة إلى أن القصص منقولة عن عود الند. بعد اكتشاف السرقة، وجهنا خطابا إلى رئيس تحرير الراية، يوسف محمد الدرويش.  واتصلنا به هاتفيا لمتابعة الموضوع، فقال إنه حول الخطاب إلى الشخص المعني، وهذا بعث لنا رسالة يفسر فيها ما حدث، فقال:

نشير إلى أن صفحة واحة الراية هي صفحة للكتاب الهواة نعرض لهم فيها نماذج من الكتابات الجيدة لكبار الكتاب والأدباء، في إطار تعليمي إرشادي، والكتاب أنفسهم يختارون هذه النماذج لنشرها تمهيدا لتدارسها في اجتماعات صغيرة تعقد بين فترة وأخرى، ومن هنا تلاحظ تقديم كتابات للأدباء والكتاب الكبار من الوطن العربي في الإطار الذي أشرت إليه.

لكن هذا التفسير غير مقنع، فالذي اختار القصص لنشرها في واحة الراية كان عليه أن يعرف أن عليه الإشارة إلى مصدرها، وعلى الراية أيضا واجب التأكد من أن ما تنشره ليس مسروقا. وبدلا من الاعتذار عما حدث، تهرب رئيس تحرير الراية والشخص الذي حول إليه الخطاب من مسؤولياتهما.

http://www.raya.com/site/topics/article.asp?cu_no=
2&item_no=171159&version=1&template_id=111&parent_id=110

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

نقلا عن عود الند دون وضع عنوان المجلة

نصوص ياسمينة صالح في موقع سوداني



 

نشر موقع سوادني نقلا عن عود الند اثنين من مواضيع الروائية الجزائرية ياسمينة صالح، وهما "وطن من زجاج" و"تلك المدينة-الذاكرة-اللغة."  أشير في الموقع إلى أن عود الند هي المصدر، ولكن لم ينشر عنوانها.

اسم الموقع: سودانيز انلاين دوت كوم (sudanaeseonline.com).

عنوان الصفحة:

http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=60&msg=1154407344
 

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

العدد الثالث في موقع ألف ياء

www.alefyaa.com



 

نوه موقع ألف ياء الثقافي بصدور العدد الثالث من عود الند يوم  2/28/200.

وتحت صورة مصغرة لغلاف العدد الثالث، نشر الموقع الخبر التالي:


















النص اللبناني يستحوذ على مواد عود الند

لندن-الف ياء: صدر العدد الثالث من المجلة الثقافية الشهرية الالكترونية عود الند. وشهد العدد نقلة مهمة تمثلت في تواجد مزيج من الأسماء المعروفة والجديدة، وانعكاس ذلك على زيادة عدد مواد العدد وتنوع المواضيع.

وقال عدلي الهواري، المشرف على المجلة: "إن عود الند نجحت في إقناع أسماء معروفة كرشاد أبو شاور وأمية جحا وجابر سليمان بالكتابة في العدد الثالث، الذي جسد غاية عود الند في أن تكون منبرا ثقافيا راقيا للكتاب المخضرمين والجدد."

وفرضت أحداث لبنان نفسها على العدد الثالث، فأشار الغلاف إلى مجزرة قانا الثانية، وخصص في العدد ملف تحت عنوان "لا للعدوان." وشمل العدد كتابات إبداعية متنوعة كالقصة القصيرة والتحقيق ونصوص أخرى، إضافة إلى ثلاثة مقاطع من كتب صدرت في الماضي. وتنشر عود الند مادتين موجزتين حول الكتابة السلمية. وهناك كلمتا وداع للفنان التشكيلي الفلسطيني إسماعيل شموط، والإعلامية السورية المخضرمة، سلوى الأسطواني.

تجدر الإشارة إلى إن عود الند مجلة إلكترونية تصدر في الأول من كل شهر، ولا تشترط أي نوع من التسجيل لقراءة المجلة أو الكتابة فيها، وعنوان موقعها هو
www.oudnad.net

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

العدد الثالث في صحيفة الزمان

www.azzaman.com



 

نشرت صحيفة الزمان الصادرة يوم 4/8/2006 خبرا عن صدور العدد الثالث من مجلة عود الند. أدناه صورة صورة الخبر كما نشر في الزمان:

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

انــتــظـــار

روضة الجيزاني - السعودية



 

يستيقظ من نومه مبكرا. يمارس تلك الطقوس التي اعتادها يوميا. وفي طريقه لمكتبه، يجري عشرات الاتصالات. يزدهر خياله بنجاحات حققها ومازال ينتظر تحقيقها. يلتقط شريطا اعتاد على سماعه يوميا. صوت الأماكن يحرك ذكرى سنواته العابرة. يحاول أن يلتقط صورا من أماكن كانت عناوين للقيا بينهما فلا يجد سوى مساحات فارغة تشيخ أمامه اللحظات، وتصبح الأشياء التي حوله عجوزا ينتظر نهايته بكثير من القناعة.

يواصل السير. "يا أنت لم تخلق للأحياء وإنما للأشياء،" عبارة رددتها كثيرا. ظلت بداخله تجسد أمسه وحاضره، تلوح بسنوات مضت جعلت كل شي أمامه مصابا بالوحدة والوجع وذنب الانتظار، وتفاصيلها اليومية يجدها أمامه تمطر الحزن بسخاء.

انتظار. الجميع ينتظر عودته. الجميع يجب أن ينتظر مقدمه. يستقرئ أفكاره حتى وإن كانت كتلة من وهم. انتظار لا يحمل معه إلا صقيع الحياة. انتظار تقيده مفاهيم لا تليق إلا به، مفاهيم تختصر الحياة أمامك، تجعل منك وجها للشقاء والكآبة.

يواصل السير من نفس الطريق. محطته اليومية تفاصيل تتبارى أمامه مواكب من الحزن والشقاء. يحدث نفسه: صحراء هي حياتي، وإناء الصبر تيبس من شدة الجفاف، وتلك الحبيبة هي من يدفعني للحياة، للعطاء. ذبلت من صقيع الوحدة ووجع الانتظار. ما أفقرني إليك، إلى معانقة يديك، ونظراتك لي تحيي الجدب وتهبني الحياة.

يسير ويقترب من نهاية المشوار. يستقبل أصواتا عبر هاتف سيارته تذكره بمواعيد تواجده على الخارطة الاجتماعية، ويختلط ذلك بأصوات سيدات اعتدن على الأخذ دون عطاء. أصوات محشوة بعبارات النفاق وصقيع الخيانة. لم يعد للحلم حياة، لم يعد للنجاحات طعم، ولم تعد لحظاتي إلا صقيعا وثورة من الألم وذكريات لا تحتمل. لم تعد الأشياء تحملك لي. كان حبي لك شريرا أنانيا لم يستطع التوطن إلا في تلك الوجوه الشريرة، وتلك المفاهيم الخطأ التي اعتادت على الأخذ. لم افهم مفاهيم العطاء حتى أصوغ لك حرفا يليق بعظمة حبك لي وطهرك. كنت عاقرا انشد العطاء بعيدا عنك.

وينتهي مشواره اليومي. يقف عند بوابة مكتبه ينظر إليها فلا يجد سوى ملامح كساها الانتظار وحولها إلى انكسار ضار. يحاول أن يعيدها إليه بعد أن أصبحت أيامه جثثا محنطة تفوح منها رائحة الموت، ومرارة تفصل بينه وبينها لحظات الأنظار، وتفاصيل تاهت ضمن أطر النظريات والأرقام وقوانين ارتجلها يوما ليصنع منها منطقا للحياة التي عاشها معها ليعترف اليوم أن الانتظار مؤامرة، وأن العطاء خيانة، وتلك الوجوه خلقت للخيانة، وأن الحقيقة الوحيدة هي من كانت شاهدا للوفاء والأمان ورمزا لأصعب شي: الانتظار.

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

حـــــــتــــام

بسام الطعان - سوريا



 

كصخرة كبيرة سقطت وتدحرجت على الأرض بلا مبالاة، سقط عليك السؤال المخيف يا عبد الله. لم تعد تجرؤ على الاقتراب من القطعان البشرية التي غالباً ما تقيدك في عمقك، ثم تجعلك هائماً بواد ليس فيه زرع أو ضرع يا عبد الله. هل وجودك على الأرض يشكل إدانة لهذه القطعان أم لذاتك؟ ما سمعته كان غريبا. فاجأك. لقد صرت قصة تتلى في الصباح والمساء فوق الأرصـفة وأمام الأبواب، وكأن لا حكاية في العالم إلا حكايتك. من داخل منتجع الذات التي تمتلئ بالتوهان، قلت لنفسك في ليلة شبه ميتة: "سأرحل إلى مكان لم يطأ من قبل، ولم يحلق فيه طير، فهذه الأرض ليست جديرة بي أو لست جديراً بها."

تذكرت أمك النائمة في حجرتـها، فدخلت في حروب ضارية مع نفسك. آه يا عبد الله، تقلبت في فراشك تقلب المحتضر علـى سـرير الموت. أنفاسك تصاعدت متقطعة، وخفقات قلبك الواهن تصارعت. شعرت بصـداع قوي داخل رأسك، حاولت أن تغمض عينيك وتستسلم لسلطان النوم، لكن مخلوقاً غريباً على شكل سـؤال جثم فوق صدرك وبدأ يمتص بلذة وعلى مهل أوردة دمك. كنت بأمس الحاجة إلى النوم، ولكن كيف يأتيك النوم وقد تجرعت سؤالاً علقمياً في كأس صدئة لو وجـّه إلى جبل لتصدع وانهار.

ابن من أنت يا عبد الله؟ سؤال أعاد الروح إلى ذاكرتك بعد أن كانت مدفونة بين أنقاض أيامك وجعلك تنفض عنها غبار النسيان. حاولت الدخول في السنين المنسية. بحثت في أراجيـح الطفولة لعلك تتذكر شيئا منها، لكنها سرعان ما انهارت وألقت بك في بركة مليئة بتماسيـح شرسة. حاولت قطف زهور الذكريات لتطرد بعبيرها الرائحة العفنة التي تبعثها أشباح ذاكرتك المفجوعة، لكن السؤال ظل يكسو رأسك.

ابن من أنت يا عبد الله؟ سؤال مخيف زمجر كآلة ميكانيكية صنعت في العصور القديمة في أذنيك. سؤال لم تعد تريد سماعه، تكرهه كما تكره العالم الذي أنت فيه. انه حبل من مسد يلف جسدك النحيل، وينحت كهفاً بلون الدم في سراديب قلبك. دخل ألم مفاجئ في تجاويف رأسـك، فضغطت عليه براحتي كفيك، ولكن ما دخل رأسك، هو الآخر يئن لحاله ويبحث عن متنفس يرمي من خلاله كوامن بركانه.

من خوابي الظلام رحت تتجول في ردهات الذاكرة من جديد، أرسـلت نظراتك إلى الماضي القريب والبعيد، بحثت عن رسم لرجل حملك، مسد شعرك، قبـّلك، داعبك، قدم لك قطعة حلوى، لكنك لم تر غير رسم لشيطان يقف في الزاوية المقابلة ويقهقه ساخراً.

اجتاحتك رعشة هزتك هزاً، أيقظت أوصالك، وعلقتك من قدميك ويديك بسنانير الصحو، نهضت من سرير الاحتضار، مسحت حبات العرق المتناثرة علـى جبينك المشتعل، لملمت شظاياك وما رافقها من أهوال، زرعت في غابات الكلام أشـجاراً لا تثمر إلا المرارة، دخلت إلى حجرة أمك الباردة، المدماة بويلات الأنين، وقفت بالقرب من فراشها وأنت مختنق بالنشيج: "أمي. أمي. هل أنا؟ ابن مـن؟" هاجمك وابل من الوساوس فتراجعت بصمت، لم تدر لماذا يا عبد الله، بقيت مكانك هامداً جامدا كالتمثال.

اقتربت منها مرة أخرى وفي عينيك تمور ملايين الأسئلة، رأيت الاصفرار بادياً على وجهها المليء بالتجاعيد، جلست بقربها، مسدت شعرها الأبيض بحنان، أمسكت يدها، قبـّلتها ولونتها بالدموع، نظرت إليها بعينين جاحظتين رأتا كل أنواع الهموم، ثم أطبقت جفنيك وذهبت في رحلة بدايتها لهيب ونهايتها تعذيب: " كم جرحاً سأنزف يا أمي، يا أعز الناس؟ كم منفى سألقى قبل أن ينفجر هذا القلب؟"

فتحت عينيها ببـطء، نظرت إليك بأسى، وأحست بما يجول في خاطرك، مسحت دموعك وأنت تحاول التراجع، لكنها نادتك بحنان لا يوصف، وأجهشت ببكاء مصحوب بتوجعات آلامها. اقتربت منها وأنت تحس بأن ثمة عالماً مجهولاً بانتظارك. جلست إلى جانبها، فشدتك إلى صدرها وضمتك بحرارة لم تعهدها من قبل، ارتميت في حضنها رمية اليتيم وانفجر السؤال:

"ابن من أنا يا أمي؟"

دون مقدمات ردت:

"لا أعرف ابن من أنت يا ولدي، وأنا لست أمك."

تنزلت الكلمات ويلاً من نار جرفت مسامعك، كدت تهرب لمغاور وصحارى الجنون، غير أنك تمالكت زمام نفسك وقبعت في صومعة السكون، وقبل أن تنهض من حضنها وترجع أدراجك إلى الوراء، ارتجفت أمك، تأوهت وزفت نظراتها للأفق البعيد يا عبد الله.

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

حضرموت: تاريخ موغل في القدم

وتعايش فريد مع البيئة

منال الكندي - اليمن



 

حضرموت: مدائن تاريخية، وواد أخضر نضير. بحر لؤلؤي، ودروب عابقة بالبخور. تقع إلى الشرق من العاصمة اليمنية، صنعاء، على امتداد وديان واسعة وبين السلاسل الجبلية وصحراء الربع الخالي. تمتلك حضارتها عبر التاريخ مذاقا يمتزج بين ثقافة وفكر واغتراب وعمران، منسجما مع طبيعة سكانها.

الجولة في حضرموت تبدأ بمدينة المكلا، التي تعرف أيضا باسم الخيصة وبندر يعقوب، ويطلق عليها لقب عروس بحر العرب، وهي عاصمة محافظة حضرموت، إحدى محافظات اليمن الثماني عشرة. تتميز المدينة بطابعها المعماري وروعة مآذنها. مبانيها البيضاء ترتفع إلى أربعة طوابق مشرفة على حافة شاطئ البحر. يجمع طابعها المعماري المميز بين عناصر المعمار اليمني والعربي ونمط جنوب شرق آسيا. ترتفع المباني تدريجيا متسلقة الجبل الذي يقف وراءها شامخا ويعرف بقارة المكلا. وقد حبتها الطبيعة بشواطئ رملية فضية ناعمة محاطة بالبساتين الخضراء المريحة للناظرين.

يشد النظر في المكلا ناطحات السحاب، وتداخل اللون الأبيض الناصع، الذي طليت به بنايات كاملة وجميع أسطح البنايات بطوابقها العلوية، مع اللون الطيني الذي يسود معظم اللوحة المعمارية المجسمة بالبيوت، بتكوينها المتناغم كقطعة موسيقية متكاملة الإيقاع والنغمات.

من أهم معالم مدينة المكلا حصن الغويزي الواقع عند مدخل المدينة، وقصر السلطان، وشاطئ خلف، وغيل باوزير الذي ينسب إليه أجود أنواع التبغ. وتغص المدينة بالمحلات والمقاهي والمطاعم التي يقبل عليها اليمنيون مرتدين المعوز (أو الفوطة)، وهو قطعة من القماش يلف بها النصف الأسفل من الجسم.

المكتبة السلطانية.

تقع هذه المكتبة في وسط المكلا، وتأسست عام 1941 م في عهد السلطان القعيطي، صالح بن غالب القعيطي، الذي زودها بالكتب والمخطوطات والمراجع التي اقتناها من الهند والمكتوبة اللغات العربية والأجنبية. ولكنها تعرف اليوم باسم مكتبة الشهيد بامطرف، تخليدا لذكرى المؤرخ الحضرمي محمد عبد القادر بامطرف، صاحب المؤلفات والدراسات العديدة حول حضرموت وتاريخها. ولا يزال أبناء حضرموت يعتزون بعلمائها القدامى، كالفقيه عبد الله بن عمر بامخرم الذي كان يلقب بالشافعي الصغير، وصاحب دراسات في الفلك. والصيادون والمزارعون لا يزالون حتى اليوم يتبعون تقويما له.

ومن أجمل معالم المكلا شارع المطار والخور. فشارع المطار يصطف على جانبيه نحو ثلاثة آلاف نخلة. وأما الخور فقد حول منطقة كانت بؤرة للمكاره الصحية، ومياه الصرف، إلى خور (ممر مائي) تضخ فيه مياه البحر، فأكسب المدينة رونقا. وبني فوق الخور جسر يربط شرق المكلا بغربها، ويبدو عن بعد كالمتلهف شوقا لاحتضان مياه بحر العرب الصافية.

بعد التجول في مدينة المكلا، لا بد من زيارة مناطق أخرى من حضرموت، وخاصة الشحر والصويبر، وغيرهما من مدن وقرى وادي حضرموت. وقبل الانتقال إلى خارج المكلا، لا بد من الاستماع إلى شاعر الأغنية الحضرمية، أبو بكر الفقيه، وخاصة في أغنية "سر حبي" التي تدل على مكانة المكلا:

سر حبي فيك غامض سر حبي منكشف
ايش الي خلاني اعشق فيك والعشق تلف
ايش اوقعني في الشبكة ونا عيني تشوف
لا تعذبني وإلا سرت واتركت المكلا لك إذا ما فيك معروف

على أنغام أغنبة أبي بكر الفقيه، اتجه من المكلا شرقا نحو ستين كيلو مترا إلى منطقة الشحر التي تشتهر بأسواقها العربية القديمة. ومن معالمها السور والقلاع والشواطئ المتميزة بتواجد السلاحف (شاطئ شرمة)، وميناء خلف الذي اشتهر عقب تدهور ميناء قنا التاريخي.

الطريق من الشحر إلى الصويبر يملأ عينيك بجمال الطبيعة وقدره الخالق. اشتهرت منطقة الشحر في الماضي بصناعة الفضيات كالخناجر والحلي المختلفة، إلا أن هذه الصناعة اختفت بعد شيوع لبس الذهب والتخلي عن اقتناء الخناجر .

أما منطقة الصويبر فتمتلئ بعيون المياه المعدنية، وفيها واحة من النخيل حول عين مياه، في منطقة كانت تستخدم لإناخة الجمال. ومع الزمن أدرك الناس قيمة مياهها العلاجية بالتجربة، وأصبح يتدافع عليها المرضى من أنحاء اليمن للعلاج فيها. طعم الماء يشبه طعم المياه الغازية إلى حد ما، نتيجة تشبعها بالكبريت، ويقال إن هذه المياه مفيدة لعلاج السكري والروماتيزم والالتهابات.

لا يمكن لمن يزور وادي حضرموت، ويتجول بين مدنه وقراه، أن يمنع المتعة المصحوبة بالإعجاب من التسرب إلى نفسه وهو يشاهد نماذج العمارة المختلفة في المدن والقرى المتناثرة على جانبي الوادي التي تقام على منحدرات المرتفعات والجبال، أو تلك الهاجعة في قلب مزارع النخيل وأشجار العلب (النبق) التي تنتشر بكثافة في الوادي وفروعه.

والنمط المعماري الذي يتميز به البيوت هو تجسيد لتفاعل الإنسان مع البيئة المحيطة به، فيستخدم إمكاناتها المتاحة لتلبية احتياجاته ومنها بناء بيت. تبدأ عملية البناء بجلب التراب من مناطق محددة لعمل طين البناء ويخلط بالقش (التبن)، ويصنع منهما الطوب (اللبن). وبعد البناء يطلى الطوب بالنورة (خلاصة الحجر الجيري) أو يكسى بخشب أشجار العلب ذات المكانة الأسطورية، لقدمها واستخداماتها الاقتصادية المتنوعة. ويستخدم خشب العلب أيضا في السقوف والأعمدة والأبواب.

كما يتميز النمط المعماري في المنطقة بابتكاره نظاما للتهوية والإضاءة، يعتمد على توزيع النوافذ وفتحات التهوية بطريقة تؤدي إلى ترطيب الهواء وتخفيف حدة الحرارة في الصيف. ويبرز هذا التكوين المعماري التشكيلات اللونية المبهجة، المكونة من تناغم وتناسق في ألوان الطلاء المتنوعة للأسطح والجدران والنوافذ التي يغلب عليها اللون الأبيض المتداخل مع اللون الطيني.

بلاد العسل والعطر

واشتهرت حضرموت بوادي يطلق عليه وادي دوعن المعروف بإنتاج أجود أنواع العسل. وعرف العالم القديم حضرموت عن طريق الطيب والعطر والبخور الذي كان الوادي وما يزال يصنعه من منتجاته الزراعية التي نمت وازدهرت حول السدود والينابيع المشهورة، وبالأخص سد الخلقة القريب من قبر النبي هود عليه السلام، ونبع وادي غنيمة.

حضرموت تاريخيا

يعتقد أن حضرموت هي بلاد الأحقاف (مفردها حقف، وتعني ما اعوج من الرمل واستطال أو الجبال الرملية). وهي موطن قوم عاد والنبي هود عليه السلام الذي يعتقد أنه أول نبي تكلم العربية. وتتميز حضرموت عن غيرها من مناطق شبه الجزيرة العربية بان الحضارة التي شهدتها من اقدم الحضارات. وقد ذكرت المنطقة التي يعتقد أنها حضرموت في أكثر من سبعة عشر موضعا من القرآن الكريم، ومن هذه المواضع سورة الأحقاف، وسورة الفجر التي تذكر المؤمنين بما جرى لأمم سابقة:

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ.

وقد عرف عن القبائل الحضرمية المختلفة دور مهم في نشر الإسلام في العالم، سواء من خلال المشاركة في الجيوش الإسلامية الفاتحة، واستقرار بعضهم في المناطق التي في فتحت، أو الهجرات إلى مناطق جنوب شرق آسيا، وشرق أفريقيا والحبشة والصومال . وقد مارس المهاجرون الحضارمة أعمالا مختلفة أهمها التجارة. كما نجحوا في تأسيس سلطنات في بعض المناطق من الفلبين وسومطرة، وجاوة، وسنغافورة، وماليزيا.
-----

مراجع:
الصور من موقع محافظه حضرموت (www.hadhramaut.info).
موقع محافظه حضرموت.
موقع حضرموت أرص الدان (www.hadhramaut.com).
مجلة العربي: العدد 371 (1989).
ديوان "دموع العشاق" للشاعر الراحل حسين ابو بكر المحضار. المكتبة الشعبية – لبنان
(1966)

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

افتتاحيات وشعراء

رعد مطشر - العراق



 

وانغلق الهواء بين يديَّ الحائرتين ممّا تكتبان، انغلق على خسائرَ أخرى وسوء ِفهمٍ آخر: خسائر الشعراء وسوء فهم الحياة لبدايتهم وخاتمتهم، فالشعراءُ لا يشبهون البدايات في جمودها ولا الكتابات في رتابتها، ولا الزمن في وحشته. لياليهم هائمة في سُهادٍ تملأهُ وحوش النوم الراكضة بصور الفراغ. قيسُهم مجنون بالحرف والنقطة والدائرة. أعوامهم محض ُسرابٍ في زمن الكابوس حيث تندمجُ الحواجزُ بالسلاسل، والأغلالُ بالعوارض ونقاط التفتيش، والأصدقاء بأدلاّء القتلى وتقرير المخابرات، وإشارات المرور بالحواجز والدبابات، والأمكنة بحُلمٍ فقدوه، والتذكّر بالنسيانِ المرِّ، وآهٍ منه ومّنا، نحن الشعراء، فما نملكُهُ من النسيان يكفي لمسح ذاكرة الكونِ كلِّهِ.

يا محمّد، يا صديقي الذي يكرر رحيل الشواهين في ذاكرة الرعد المطشّرة في أسئلة خائبة:

"كيف عامتِ الحربُ خلسة في أنياب السلام، وتناسلت الشظايا في أجساد الضحايا؟ كيف تكرّرت الأحرف والجُمل والمتون في أعمدة ِالإفتتاح؟"

كلّ الافتتاحيات خيانة. التسمياتُ فيها خيانة. الخروج من فخاخها خيانة. الميل إلى ألوانها المتناقضة خيانة. فماذا نفعل بين خيانة الخيانات؟

ومَنْ يسمع دويّ أرواحنا تحت عربات الجثث وهي تعبر علينا باتجاهين؟ الإتجاه الأول يفكّر بمطاردة الملثّمين المرتبكين فينا، والثاني بحياة المدجّجين بالرحيل إلى البقاء. ونحن بين الملثّمين والمدجّجين محضُ سراب، تبتزّنا الظلمات والعربات والمسدسات والإشارات والألوان والجراحات الضائعات في متاهات السقوط . تطارد حروفنا الأشباح والتأويل، وتحاصر أقلامنا المدن التائهة في انتمائها إلى غابة الطيور؛ فمرَّة تنتمي لنا، وأخرى تدخل صندوق انغلاقها الحزين، وثالثة تُدخلنا في جوقةِ النحيب والنعيب والعويلِ والهديلِ والركض بين ماراثونات الخسارات والحروب السرّية، والموت المعلن.

هكذا أنا، لا أشبه الحياة. أتكلَّم حديث الموتى منذُ زمنٍ بعيد. تنتحبُ الدنيا على شفاهِ افتتاحي وختامي. ترقصُ الدمعة على طرف حياتي وتحلِّق بأجنحة تواريخي المحطمةِ بالعنادِ، وتطير كالرصاص الطائش الذي يصيبُ استقرارنا اللا مرئي، في كلِّ يومٍ مكرّرٍ في حياتنا، نحن البشر، توائم الطين والجنون.

لهذا فأنا لا علاقة لي بموتِ الافتتاح، أو جمود ِالكلمات. أركض في لغتي. أعشق جنوني. أتمادى في دمعةِ المدينة الساهمة بالشعرِ والطيورِ، حاملاً حقائبي وظلال أحبّتي المختفين في أعين ِالغربة والضياع، راقصاً مع أشباح ِبهجتي، راكباً خيول رحلتي الأخيرة وحيداً إلاّ من روحي، تاركاً كل البدايات للذين لا يؤمنون بنسيج الاختلاف والحياة، مردداً قول بريخت لنفسي:

"إن قلت متّ، وإن سكتّ متّ." لذا، أيها الصديق، سأقولها وأموت.

-----

ملاحظة من المشرف:  محمد، ابن الشاعر رعد مطشر، تعرض لعملية خطف في كركوك، وهو الآن بين أهله.

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

الـغـد يـوم آخــر

مازن رفاعي - رومانيا



 

تتململ في سريرها، وتكشف عيناها ربيعا اخضر. ترنو إليه بنظرة مختلسة وهو يلهث ممارسا رياضته الصباحية. تقع عيناه على وجهها المتواري خلف الوسادة فيتذكر مشاجرة الأمس. كم كان غاضبا في الأمس؟ لم يعرف مثل هذا الغضب منذ بداية تعارفهما.

عرفها حين كانت وردة تبدأ بالتفتح. لم يقطفها ويرميها، بل حضنها ورعاها، وحاول أن يكيفها مع مفاهيمه، وينشئها في محيطه. حيويتها، رقتها، انطلاقتها، حريتها، كانت كنوزا يتمنى لو حازها. في لقائهما الأول أعادته عيناها لقريته الجبلية البعيدة. وحين انسابت نظراته كشلال على قدها الروماني، قفزت خيالاته إلى لاعبة الجمباز ناديا كومانتشي.

إحساسه بدقات قلبه المتسارعة زادت من الحمرة التي هاجمت وجهه في حديثهما الأول الذي دار بينهما بجميع اللغات، وكان اكترها تمكنا لغة الإشارة. ويذكر أنها حين سألته مبتسمة بدلال

"هل أنت عربي؟" أجابها بفخر وزهو تلك الأيام: "نعــــــــــم."

تعددت لقاءاتهما، ونمت الألفة، وتراكمت المودة. علمته اللغة، الطرق والشوارع، العادات والتقاليد. أعجبها صدقه، صراحته، رقة عواطفه، ثقافته وكرمه. وأعجب برقتها، وأنوثتها، ثقتها بنفسها وجمالها. أثمرت علاقتهما عن سامر. وقبل الثورة بأيام تزوجا ورزقا بسارة.

في مسيرة حياته واتته الكثير من الفرص للكسب اختار أفضلها و أنظفها، وكون ثروة نظيفة يفخر بها. رفض الكثير من المكاسب بسبب قوانين تعلم أن يحترمها، ومبادئ نشأ وتربى عليها، لم يصبح من أصحاب الثروات الهائلة.

تبدلت الحياة اليوم، وانقلبت الكثير من مفاهيم الأمس، حتى هي لم تعد تلك الطفلة التي
كان يلعب معها. يفهم جدلية التاريخ وحركته، ويعلم أن تفكيره ديناميكي يقبل بسهولة المستحدثات، ولكن مالا يستطيع فهمه هو لماذا تتحول المكتبة من غرفة الجلوس إلى غرفة المؤونة، وتهمل موسيقى بيتهوفن وموتزارت ليحل مكانها موسيقى إلكترونية خالية من الحياة.

ولا يعلم لماذا اشتاقت إليهما دار الأوبرا، وكذلك مسرح المدينة وحدائقها. لماذا تحولت علاقاتها الاجتماعية إلى مصالح مادية؟، وغاب رفاق الفكر واستبدلوا برفاق العمل. في هذه الأيام يستعيد غربته تدريجيا بعد أن فقدها منذ سنوات. هل فقد قدرته على التأقلم بسبب العمر؟ آم أن السبب هذه البلد التي نفضت عن نفسها غبار الأمس وانطلقت مبحرة في سباق ماكيافبللي محموم؟

في الأمس كان يجلس في منصة الادعاء موزعا الاتهامات بمخالفة الأعراف والقوانين، واليوم يجلس في قفص الاتهام بتهم الانتماء، وعدم مجاراة العصر، وعدم تفهم الواقع، يحاكمه أعمدة مجتمع اليوم الذين أدانهم في الأمس.

كل هذا لم يرعبه، ولكن ما يخشاه هو وصول هذه المفاهيم إلى أولاده. يريد لسامر أن يكون عالما أو مبرمجا، والمادة تأتي لاحقا. والدته تريده أن يكون تاجرا يشتري ما يشاء من ألقاب ومناصب. أخبرها عدة مرات أن قوانين الغاب غير صالحة لتربية أولاده لأنها قوانين خاطئة. أجابته
"أن يفترس النمر غزالا ليس عملا وحشيا، فهو إن لم يفعل مات من الجوع."

وحين اعلمها أن هنالك قوانين إنسانية متحضرة، أخبرته ما يطنطن به دائما جارهم المتنفذ، "القوانين كالحائط يمر الصغار من تحتها ويقفز الكبار من فوقها ويصطدم الحمقى بها."

كل هذه الأمور تتراكم قطرة قطرة في وعاء صبره. وما حدث في الأمس كانت القطرة التي ملأت الكأس، فانسكب غضبه على سارة التي عادت متأخرة من حفل ميلاد صديقتها، وخاصة حين علم أن صديقها في الصف هو الذي أوصلها.

تدخلت هي مدافعة عن تصرفات ابنتها متهمة إياه بالتعصب والسلفية، فبادلها الاتهامات بالانحلال الخلقي للمجتمع والفساد، فأجابته بأن الإنسان الذكي يتكيف مع بيئته. صمت الجميع بعد أن ارتفع صوته مهددا متوعدا، سابا لاعنا، وحين دلف إلى غرفته استرجع اتزانه، وجلس متسائلا: "ما الحل؟ هل يغترب ثانية إلى بلده الأم، أم يقبل أن يتغير نحو الأسوأ؟" معادلة صعبة، وقرار أصعب لا يزال يعتمل في مخيلته حتى اليوم.

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

أساطير وذكريات

عيسى ريتا - السودان



 

كان الصبي ذو السحنة السمراء يلهو بسعادة على الضفة الغربية من الأخدود الأفريقي العظيم. يبعثر ذرات رمال شاطئ البحر الأحمر في عنان السماء. وقد أبلغه جده أنه قد قرأ في صحيفة ذات يوم أن بعض العلماء قد صرحوا بأن البحر الأحمر سيصبح محيطا عما قريب، لأنهم اكتشفوا تباعد ضفتيه بسرعة، وخلال فترة وجيزة بلغ تباعد الضفتين سبعة كيلومترات.

لم يكن هذا الصغير يعلم أن هذا اليم لم يكن في عهود خلت سوى يابسة تسعى فيها الخلائق، وتنبت فيها الغابات، وتعج بالحيوانات المتوحشة والأليفة والطيور بشتى أنواعها واجمل ألوانها. لم يكن يدرك أن (شعب البجا) الذى ينتمي له، وأخذ منه السمرة والتواء اللسان والعيش على رؤوس الجبال، هم اقدم شعوب تعيش هنا حيث يعيش. ولذا عاشوا في عزلة عن العرب الذين يعيشون على نفس الضفة معهم، وإذا صدق العلماء في ما قالوا في الجرائد فربما شق الله بينهم واخوتهم العرب في الضفة الشرقية للبحر الأحمر شقا لا يزال يتباعد كل صبح وليل.

كان الصبي يستمع من جدته بلغته المحلية لقصص وحكايات عن عبلة وعنتر، وقيس بن الملوح، ومجنون ليلى، ولقصص تروى في الكتاب المقدس (العهد القديم) ومقتطفات من الأدب الجاهلي، وحكايات كليلة ودمنة، وأنساب العرب. وحين بدأ تعلم اللغة العربية في المدرسة كان كل ما يروى له تكرارا لروايات حفظها بلغته المحلية. ولكنه أحب اللغة العربية، وكان كمن وجد ضالته فيها، فبدأ يعمل على إتقانها، حتى يكون قادرا على التواصل مع إخوانه العرب على ضفتي البحر الأحمر.

بدا ذات يوم وكأن قطا ينصت لحديث مع جدته، فقالت الجدة: "انظر إنه موسى تيتا. كن حذرا في كلامك عن الجيران فقد يوصل الكلام إليهم وتقع في شر أقوالك." نظر إلى القط والدهشة تعتريه، فقد كان موسى تيتا توأما سياميا. وببراءة الصغار سأل جدته إن كان من الممكن له أن يتحول إلى قط فقالت لا لأنك لم تولد توأما.

وكانت الجدة تقول إن الريح نتيجة تحرك الجن، والعواصف تنتج عن أعراس للجن، وقوة العاصفة تعتمد على نوع العروسين، فإن تزوج جني جنية تهب علينا الريح، وإذا تزوج عفريت عفريتة، هبت علينا عاصفة، وإذا تزوج الشيطان عفريتة، هبت علينا عاصفة هوجاء مصحوبة بالمطر. وماء المطر مسكر للجن، ورقص العفاريت يؤدي إلى اقتلاع الأشجار.

بعد أن أصبح الصبي شابا، صار ينتبه في قريته إلى بهاء السمر الحسان، وإلى رقتهن كقطرات الندى. وأحب إحدى بنات قريته، ولكن حبه لم يكتب له البقاء، فحتى بين الحبيبين كان هناك أخدود تتباعد ضفتاه. وجد السلوى في الكتب، ويذكر أنه قرأ رواية "الحب في زمن الكوليرا" لغابرييل غارسيا ماركيز، ولم يدرك آنذاك إنه كان يقرأ رواية لكاتب شهير حائز على جائزة نوبل، فقد كانت النسخة التي قرأها بدون غلاف.

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

حلم خلف القضبان

جعفر أمان - السعودية



 

خرج من سجنه ذي القضبان الحديدية إلى سجنه الأكبر داخل مجتمعه. صارع ذاته وهو مقيّد، أملاً في ترجيح كفة الخير لديه. خطأُ لا مقصود ذلك الذي رماه خلف القضبان. رسم صورا جميلة في مخيلته التي نضبت، صوراً لاستقبال أسرته وأصدقائه له. ردد بينه وبين نفسه: "إنني مشتاق للجميع. أملي أن يتفهموا أن هذه صفحة من حياتي قد طويت، وخطأ تعلمت منه." قلبه سبق خطواته وهو يهم بمغادرة السجن فرحاً بلقاء الأحبة. وقبل أن يبتعد، استدار مخاطباً ذلك المبنى: "وداعاً."

تبخرت أحلامه بحياة سعيدة، وأجهضت فرحته في مهدها بعد أن أُستقبل ببرود كبير وتجاهل أكبر من أفراد أسرته، وتحفظ من أقربائه وأصدقائه. أغشت تصرفاتهم عينيه وبات لا يرى أمامه. خارت قواه. أحس بأن جداراً ضخماً أمامه يحجب رؤيته، وليس بمقدوره تجاوزه. تخيّل هذا الجدار يجثو على صدره ويمنعه من التنفس.

"ألست إنسانا؟ أليس من حقي أن أبدأ من جديد؟" ضاقت الدنيا في عينيه. فارق من يحب مكرهاً، أملاً في حياة جديدة بعد أن ظل لقب سجين لصيقاً به. واصل حياته لكنها كانت دون طعم. يتذكر دوماً حالة الانكسار التي كان يعيشها عندما كانت ظلال قضبان الحديد في نافذة سجنه تتكسر وتغوص في الجدار قبل أن تبتلع أرضيته الرطبة ما تبقى منها.

كان في سجنه الصغير يحلم، يتمنى، لكنه في سجنه الكبير صار محروماً حتى من الحلم، لأنه قد يتحول إلى كابوس يعيده حيث كان، يعيده ولكن ليس كما كان.

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

الــخـــــامـــدون

ربى عنبتاوي - فلسطين



 

ظل يهاتفها من نقاله ليتأكد من وصولها سالمة. وحين داست عتبة بيت عائلتها اطمأن واستكان قلقه، فطريقها محفوف بالإذلال والخطر. أما هو، فمن صالة العرض إلى بيته القريب، سير في طرقات مدينته المركزية، وصفاء ذهني يسنح له التفكير في مستقبلهما معا، كصديق وصديقة تربطهما عاطفة قوية، وتوافق فكري، وهموم مشتركة ووطن صاخب بالأحداث.

كان على الطراز الكوبي: شعره جيفاري، وقبعته كاستروية، وسيجاره من النوع الثقيل، على عنقه وشاح فلسطيني أحمر وفي يده دفتر المحاضرات. أحبته وهو يناقش أستاذ السياسية. أحبها وهي تناقش أستاذ الفلسفة. بهرته ملامحها الدافئة: خليط امتزاج الشرق بالغرب، شده انضباطها وحبها للنظام. وأحبت فيه احترامه لنفسه.

بدأت القصة حين التقت الأعين أكثر من مرة، ودارت الدردشات العفوية، وصارحها فجأة دون مقدمات بحبه لها فصمتت، ثم ابتسمت وقالت: "أعلم."

وبعد سنة من التعارف أصبحا ثنائيا لا يفترق. هو اعتاد أن ينتظرها عند قاعة المحاضرات، وهي تنتظره عند مقهى الجامعة. عند الزاوية أمام منظر الهضاب الخضراء كانا يجلسان ويتحدثان، ويطلبان من النادل دوما وضع أغنية فيروزية أحباها بشدة.

وعند الرابعة يفترقان: هو لرؤية أصدقائه أو حضور ندوة ثقافية ما، وهي إلى البيت. وحين يتحدثان في مقهى الجامعة كانت تخبره أنها تكره العودة، وأنها تتمنى أن تكون جمل محامل لتقتلع مدينتها الحزينة من جذور القهر وتغرسها في مكان آخر، أجمل وأطهر.

كانت تراها المدينة الفاضلة. تحب أسوارها وحجارتها. تعشق رؤية القباب والقناطر وأكل الكعك بالسمسم المعبق برائحة الأزقة القديمة. كما يأخذها منظر القبة الذهبية المشّعة بعيدا.

هو كان يحدثها عن مدى كرهه للحديث عن السياسة، فمع انه خلق يتنفسها، إلا أنه يثور حين تدخل الحب. كان دائما يقول لها:

"حين تقتحم السياسة عالم الحب ينهار، وحين نكره أنفسنا تكون السياسة قد هزمتنا."

كانت تهدأ لحظات بعد اتفاقهما ألا يتحدثا لدقائق عن السياسة، لتعود ثائرة وتقول له لائمة:

"أنت تتبنى الفكر الثوري على الظلم وأنا أراه يوميا، فكيف تريدني أن انسلخ عن سلوك يذلني ويهين كياني كإنسانة؟"

صمت هو، وتذكرت خلال صمته البارحة وكل عودة لها أنها تتمنى ألا تعود. تتمنى أن تكون مدينتها المعزولة كابوسا ستفيق منه يوما، فتجدها محملة على أجنحة السماء، يكللها غار السكينة.

لطالما جادلته وناقشت أساتذتها عن مدينتها التي تقترب من مشارف الخنوع. كانت تتذمر من سياسة المحتلّ المنتصر بدهاء على إرادة الإنسان في سعيه نحو الكرامة و الحرية، فيبيت مسجونا داخل ملجأ المكان، تتمحور حياته حول الحفاظ على الإقامة وتقبل أشكال الذل كافة، وإقحام شرائع المحتل المبتذلة نهج حياته الخاصة به، من أجل أن تبقى الحياة في مدينته هادئة حتى الكآبة. فغاب البحر فيها كما غاب في بيروت غادة السمان.
قالت له يوما:

"أهل مدينتي خانعون."

قاطعها:

"كلا، هم صامدون."
قالت:

"وهل الصمود باعتياد الذلّ والعنصرية والمهانة؟"

قال رافعا نبرة صوته:

"ما البديل لهم؟ شكل دولة تلملم أشلاءها ما لبثت أن خلقت لتموت، أم دول تربطها معنا لغة ودين مشترك كانت فعليا قد رفعت أيديها عنا منذ النكبة، وتدّعي الإخلاص لقضيتنا إلى اليوم؟ ليس أمامهم خيار سوى البقاء. مدينتك ومدينتنا زهرة. هم يشتهون قطفها. ولكنهم مخطئون، فالعروبة تصرخ أينما اتجهوا. حتى لو نبشوا في أعماق الأرض، لن يجدوا سلامهم فيها."

أخذ نفسا من سيجارته ورشفة من قهوته وأكمل:

"وجدت حلا وسطا لوصفهم: الخامدون."

قالت:

"ليس في الكلمة فرق كبير."

قال:

"الخانعون والصامدون امزجيهما."

ضحكت وقالت:

"لطالما مزجت الحليب بالشاي."

ابتسم وقال:

"أتمنى أن أكون جمل محامل لأحتفظ بك لي بعيدا عن حقارة السياسة وذل المعابر وهشاشة الجدران البشعة."

غادرا المقهى، وفي الطريق اشترى لها باقة زنبق ابيض. أمسك يدها وقال:

"لم يخلق الزنبق الأسود إلا في الأدب، فلا تقحميه بيننا."

مرت أشهر والاتفاقات المبرمة بينهما تفشل كلما سألها عن طريق عودتها، وكثيرا ما وبّخ نفسه لسؤاله، إلا انه لا يستطيع إلا الاطمئنان عليها، فهي رفيقة دربه ونصفه الآخر، وحان اليوم لأن يربطه بها شيء ما، يكون أمنع من ترّهات الواقع.

قال لها ذات يوم بارد إنه آن الوقت ليرتبطا رسميا.

قالت له: "لماذا العجلة بقي لنا سنة أخيرة فلننتظرها."

قال: "لا الآن وتحت المطر، أخاف أن ..."

سألت: "مم الخوف؟"

أجاب: "الخوف من كل ما حولنا. من سياسة الأمر الواقع. من دناءة القوي حين يستبد بالضعيف. من حاجز قد يخلق بيني وبينك فيزيد حواجز مدننا واحدا آخر. من جدار متبجح آخر. من الخامدين. من الطبقية. من الأنانية. من، ومن ..."

هزّته من كتفه وهي تبتسم: "ماذا بك؟ أصبحت مثلي تقحم حبنا بالسياسة."

قال: "هيا بنا. هل يرضيك خاتم فضي، أم فالصو؟"

ضحكت: "سأساير جنونك، اشتر لي ما شئت."

سارا تحت مظلته السوداء وسيول المطر تنهمر من فوقهما. دخلا محل مجوهرات، أشترى لها خاتم ذهب أبيض وله آخر فضي. وداخل المحل البّراق وضعه في خنصر يدها اليمنى، وفعلت هي كذلك. قبل يدها وطلب منها أن تنسى طريق العودة، وتفكر فقط بهما.

انفصلت يداهما فقط حين ركبت الحافلة في طريقها إلى المعبر. راقبته من زجاج النافذة يسير تحت المطر . قالت في نفسها: "أحبه."

مرت عبر الحاجز الحدودي. وقفت بين صفوف الناس المنتظرين. طال انتظارها وهي ما تزال على الباب الحديدي رقم واحد. توترت. غضبت. قالت في نفسها: "أوقاتنا ليس لها قيمة، كيف لا وقد ارتضينا إضاعة وقتنا عند معابر الذل. أخذت تفكر وتحلل. فجأة برق في عينيها إشعاع. كان الخاتم ذا الذهب الأبيض. تأملته. عاد الهدوء إلى أعصابها المتوترة رويدا رويدا، وغابت في عالم آخر.

نسيت الحاجز، والجدار، والطريق الطويلة إلى أن وصلت منزلها. حينها تحسبت لحرب ستندلع إن لم تزل الخاتم. سحبته من خنصرها وألقته داخل حقيبتها. دخلت عتبة البيت وفي جعبتها كلام لا تعرف من أين ستبدأه.

تناولت وجبتها المكونة من حساء خضراوات وقطعة دجاج. لم يكن في غرفة الجلوس إلا هي وأمها. استغلت فرصة ابتسامة كانت ترتسم على شفاه والدتها، اقتحمتها مرة واحدة، أفرغت كل مشاعرها وأحاسيسها وخططها ومستقبلها دفعة واحدة، دون مقدمات. لا تعرف من أين جاءتها القوة، ولكن في النهاية أصبحت صفحة مفتوحة، شجرة عارية، وعلى ملامح أمها اندهاش.

ساد الصمت لحظات، ثم تعالت نبرة صوت والدتها:

"ألم تعدينا بإنهاء العلاقة معه؟ ألم نتفق معك بأن هذا الشخص لا يناسبك؟ هو في دنيا، وأنت في دنيا ..."

قاطعتها:

"أمي إنه من وطننا. يسكن على بعد ساعة منا. ماذا تقولين؟"

احتدت أمها وقالت دفعة واحدة:

"أنت تعلمين أن الوصول إلى مدينته، أصبح سفرا لبلد آخر، و كل منكما يحمل بطاقة مكان مختلفة. ستتذوقان عذابات الدنيا كلها، ثم هل تخبرينني أين ستستقرون؟ وهل ستفرطين بمدينتك وإقامتك؟ وقبل كل ذلك هل سيقدر أن يأتي مع عائلته إلى هنا؟ هل ستلتقيان داخل مدينتك يوما؟ هل سيزورنا كل أسبوع مثلا ؟ هل ستسكنان قريبا منا؟"

أخذت الأم نفسا وقالت:

"حبكما مستحيل."

قالت هي:

"اعترفي أن المحتلّ جعلنا نحب وفق مصالحنا، ونكره وفق مصالحنا."

تجاهلت الأم كلامها قائلة:

"كلامي وكلام أبيك واضح. الموضوع منته. حاولي أن تنسيه، كما تنسى كثيرات غيرك، أم نسيت قصة رنا وعبير؟"

أنهكها الاستماع لوالدتها. لم تفعل شيئا. لم تناقش، بل حاولت أن تنام على سريرها، ولكن التفكير أخذ ينهش دماغها. بقيت أرقة ولم تنم.

في أسبوع آخر، التقيا مجددا: هو والابتسامة على وجهه، وهي بوجه صامت بلا تعابير. جلسا على طاولتهما المفضلة، ومن أمامهما الوديان الخضراء. طلب من
النادل وضع أغنيتهما المفضلة، استأذنته باختيار أغنية فيروزية جديدة.

اندهش من اختيارها، ومن خلو خنصرها من أي خاتم. سألها:

"هل حدثت أهلك؟"

أجابت وفي عينها قطرة على وشك أن تتدلى من جفنها السفلي: "نعم."

سألها: "ها، ماذا حدث؟"

لم تجب. ملأ المكان لحن وصوت حزينان.

قال: "لماذا اخترت الحزن؟ هل ينقصنا؟"

قالت: "لطالما آمنا بالحب الأفلاطونى."

سأل: "ماذا تعنين؟"

ردت: "ألم تهدني يوما قصة روميو وجولييت؟"

أجاب وكأنه قد تكهن بجوهر الكلام:

"بلى، ولكن ماذا تقصدين؟ الأدب شيء والواقع شيء آخر. لا أحب أن اجعل حياتي تنحى إلى أسطورة أدبية، إن كنت تقصدين علاقتنا."

أكمل متهكما:

"بعد مشكلة الحب والسياسة، دخلنا عالم الحب والفلسفة، أو الحب والأدب ربّما."

قالت: "لا، إنه الحب والسياسة."

ثم أكملت:

"سأعترف بأنني استخففت بيني وبين نفسي من تعذر اكتمال حب قيس بليلى وآخرين، وكنت مخطئة."

ظلاّ صامتين، وبخار فنجاني القهوة يشكل ضبابة بينهما، وكلمات الأغنية تتماهى مع أجواء المكان والنفوس.

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

رحيل المؤرخ العربي نقولا زيادة

صقر أبو فخر - لبنان



 

نقولا زيادة: رجل في تاريخ وحياة كثيرة

صقر ابو فخر ** (السفير 29/7/2006)

المؤرخ العربي الراحل نقولا زيادةبعثرت الأقدار المريرة مصائر نقولا زيادة فما أمكنته من تخطي حاجز المئة، بعدما ظل، مثل أبطال الأساطير الاغريقية، يصارع أيامه موعوداً بتدشين قرن جديد في عمره المديد، لكن تعب الأيام أوهنه فغادرنا في التاسعة والتسعين. كان يدرج نحو المئة بفرح غامر، ويخطط لأيامه المقبلة بنشوة الأيام الأولى. عاش في هذه الدنيا نحو قرن من الزمان، وهو أسوأ قرن وأروع قرن في تاريخ العرب المعاصر؛ فكم ارتفعت بنا في خضم هذه الفترة العاصفة أحلام جسورة، وكم انحطت بنا هزائم كثيرة. لكن نقولا زيادة، المؤرخ اللامع والراصد الثاقب، اجتاز هذه المرحلة الصاخبة وفي فؤاده ثلاث حسرات: فقدانه والده صغيراً، وفقدان وطنه فلسطين، ثم فقدان زوجته مرغريت شهوان.

عرفت نقولا زيادة، أول مرة، في مقر الموسوعة الفلسطينية في بيروت. كنا نفراً لم يتجاوز العشرة نتحلق حول أنيس صايغ الذي كان يرعى بالجهد والعذاب مشروع الموسوعة مثلما رعى بالدم وبالأصابع المقطعة مركز الأبحاث الفلسطيني. ولا أبالغ في القول إنني قلما عرفت جماعة ربطت المودة أفرادها مثل جماعة الموسوعة الفلسطينية، وأوثقتهم بعرى متينة من الصداقة لا تنتهي أبداً. وكان نقولا زيادة في هذه الجماعة كبيرنا وصديقنا وزميلنا في آن، وكان استاذاً نبيلاً ومتواضعاً في الوقت نفسه.

ولد نقولا زيادة في 2/12/1907 في حي باب المصلّى أحد أحياء منطقة الميدان في مدينة دمشق. فهو، والحال هذه، دمشقي المولد، لبناني الإقامة، ناصري "الدم". فكأنه مثل ابن بلدته الناصرة، أي مثل المسيح الذي كان، بدوره، ناصري "الدم" تلحمي الولادة، سرياني الثقافة. ومهما يكن الأمر، فقد عاش نقولا زيادة في بيت لا رجل فيه؛ فوالده عبده الذي عمل في سكة حديد الحجاز توفي في سنة 1915 أي إبان الحرب العالمية الأولى. واضطرت والدته هيلين السعد الى العودة به وبأخيه ألفرد الى فلسطين في ما بعد.

وهذا الفتى الفقير الذي بدأ دراسته في دمشق وتابعها في فلسطين على ضوء قناديل الكاز صار لاحقاً أحد أهم المؤرخين وأساتذة التاريخ في العالم العربي بعدما حاز الدكتوراه مع مرتبة الشرف من جامعة لندن سنة 1950 على أطروحة بعنوان: "تاريخ مدن سوريا بين 1200 و1400"، وبعدما زاول التدريس في فلسطين وكيمبردج وليبيا وهارفارد، وترأس دائرة التاريخ والآثار في الجامعة الأميركية في بيروت بين 1965 و 1973.

لم ينخرط نقولا زيادة في أي جهد سياسي مثل معظم الفلسطينيين في بلاد الشتات، ولم تشغله السياسة يوماً عن حياته الفكرية والثقافية والتربوية، لكن مذكراته الموسومة بعنوان: "أيامي: سيرة ذاتية" (1992) حفلت بأخبار رجال السياسة، فضلاً عن رجال الفكر والأدب والتربية. وهذه المذكرات وإن تكن تأريخاً لكثير من الأماكن، إلا أنها ليست تاريخاً لمدينة بعينها ولو حتى الناصرة. لكن لدمشق فيها مكانة مميزة ومكان رحب. ومع أن نقولا زيادة لم يعش في دمشق إلا طفولته المبكرة غير أنه حينما يتكلم على هذه المدينة فكأنه يتكلم بسلطان الشعر والعاطفة لا بسلطان التاريخ وعين المؤرخ، فجاءت عباراته أنشودة حب وقصيدة وفاء لهذه المدينة العابقة بالتاريخ وسحر الماضي وشواهد السنين.

خانته أقداره فلم تصل به الى المئة، ورحل في لجة هذا العماء الإسرائيلي الهمجي. ولعل من حسن حظه ألا يشاهد ما نشاهده نحن في كل يوم.

** نقلا عن صحيفة السفير اللبنانية مع بعض الاختصار

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

جنين في ذاكرة عراقي

محمود شيت خطاب (*) - العراق



 

لم أكن غريبا على أهل فلسطين عندما قدمتها مع الجيش العراقي الذي استقر في المثلث العربي:  نابلس-طولكرم-جنين.  ولكنني بعد مكوثي فيها سنة كاملة، ازددت علما بها، فربطتني بأهلها – خاصة أهل جنين الكرام – روابط من الصداقة والثقة المتبادلة والحب الصادق، تلك الروابط التي لا تزداد مع الأيام إلا قوة ومتانة، فكنت اتصل بهم بالرسائل، وأرعى أولادهم من التلاميذ والطلاب الذين يدرسون في مدارس العراق ومعاهده وجامعاته.

كانت رسائلهم تردني تباعا كل يوم تقريبا قبل نكبة 5 حزيران (يونيو) 1967، وكان أكثرهم يحل ضيفا في داري ببغداد كلما زاروا العراق، وكان أولادهم ولا يزالون أولادي، يزوروني وأزورهم، ويعرضون علي مشاكلهم كلما حز بهم أمر من الأمور، فإذا غابوا عني فترة من الزمن فتشت عنهم في مدارسهم ومعاهدهم وكلياتهم أسائلهم عن دروسهم، وأتسقط أخبار أهلهم، فأفرح لفرحهم وأحزن لحزنهم، وما أكثر أحزانهم وأقل أفراحهم اليوم!

ذكرت ذلك لأني أريد أن أنبه إلى ما طوقني به وطوق به أهل جنين الأكارم كل العراقيين من فضل لا ينسى أبدا.

كان أهل جنين يرعون العراقيين رعاية لا توصف:  بيوتهم مفتوحة للجميع، يتلقونهم بالأحضان، ويغدقون عليهم من كرمهم وأريحيتهم، فكانوا بحق أهلهم بعد أهلهم، وقد انسوهم بما بذلوه من كرم ولطف أنهم بعيدون عن وطنهم، وأشعروهم بأنهم بين ذويهم الأقربين.

أذكر أنني كنت أتناول الطعام في منازلهم أكثر مما كنت أتناوله في مطعم الضباط، وقد تدخلوا حتى في أبسط شؤوني الإدارية، وكنت إذا مرضت عادوني، وإذا غبت عنهم سألوا عني.  لقد كانوا أهلي، وكانت جنين بلدي، ولا أزال حتى اليوم أتحسر على تلك الأيام التي قضيتها بين أهلي أهل جنين وفي بلدي جنين.  وما يقال عني، يقال عن العراقيين الآخرين.

تلك هي لمحات من إنسانية أهل فلسطين ممثلة بأهل جنين.  فماذا عن جهادهم الذي لمسته فيهم يوم كنت مع الجيش العراقي في الأرض المقدسة؟

منذ حللت أرض فلسطين، كانت أفواج الفلسطينيين تتقاطر على المقرات العسكرية تطالب بالسلاح وبالتدريب العسكري وبإلقاء مهمات عسكرية على عاتقها للنهوض بها.  وكانت إسرائيل قد احتلت جنين في شهر حزيران (يونيو) 1948، فاستطاع الجيش العراقي طرد الصهاينة من جنيين بمعاونة المتطوعين الفلسطينيين.

وقد جرت معارك طاحنة بين جيش إسرائيل والجيش العراقي لاستعادة قرية عارة وقرية عرعرة وقرية صندلة من قرى جنين، وكان للمتطوعين الفلسطينيين اثر أي اثر في انتصار الجيش العراق على القوات الإسرائيلية واستعاده هذه القرى وغيرها إلى العرب.

وكان للمتطوعين الفلسطينيين جهاد مشكور في منطقة طولكرم وفي المناطق الفلسطينية الأخرى.  وكان لجماعة الجهاد المقدس جهاد عظيم في منطقة القدس، إذا نساه الناس، فلن ينساه رب الناس.  وكان للشهيد عبد القادر الحسيني رضوان الله عليه جهاد عظيم في منطقة القدس، حتى قدم حياته الغالية في معركة القسطل.

-----

(*) لواء ركن سابق في الجيش العراقي.  ضابط ركن جحفل اللواء الرابع الذي كان في مدينة جنين خلال حرب 1948.  المقطع من مقدمة لكتاب بعنوان جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن.  المؤلف:  صالح مسعود بويصير.  الناشر:  دار بويصيير للنشر والأبحاث – مصر (1987).

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

تجربة الفيتوري الشعرية

فاروق مواسي - فلسطين



 

محمد الفيتوري شاعر سوداني من مواليد عام 1930. وهو من رواد الشعر الحر، وقد واصل العطاء الأدبي بهمة لا تكل، ولو أنه يكتنفها بين الفينة والفينة بعض الغياب. تحدث الشاعر عن علاقته بالشعر في مقال منشور في مجلة الدستور (1) عام 1989 بعنوان "تجربتي في الشعر." وله مقال آخر بعنوان "تجربتي الشعرية،" وكان قد نشر في مــجـلـة الآداب عام 1966 (2). ويفصل بين المقالين فترة زمنية تناهز ربع قرن.

ويعنينا في هذه الدراسة المقارنة بين المقالين حتى نتوصل إلى فهم تجربته ودراسة التغاير/التباين الذي جرى في تفكير شاعر يمثل وجهًا بارزًا من وجوه حركتنا الأدبية العربية، إضافة إلى ذكر المؤتلف والمختلف في حديثه، من باب موازنة الشاعر مع نفسه قبل موازنته مع سواه.

العنوان (تجربتي الشعرية) فيه اختلاف يسير عن العنوان (تجربتي في الشعر)، فالأول هو ممارسة وتطبيق، والثاني هو معرفة حول الموضوع وفيه، تمامًا كأن تقول "تجربتي الدينية" و"تجربتي في الدين." والعنوان في مجلة الآداب أتاح للشاعر أن يحدثنا عن طفولتـــه، ومنابع ثقافته، وكيف يدرس سيرة عنترة بن شداد، لأنه عربي أسود مثله، وقد عرفنا على عناصر الحزن والغربة وشكوى زمنه الغادر ورثاء شبابه الغض:

فقير أجل ودميم دميم
بلون الشقاء بلون الغيوم
يسير فتسخر منه الوجوه
وتسخر حتى وجوه الهموم
ولكنه أبدًا حالم
وفي قلبه يقظات النجوم

ويحدثنا كيف أنه فرح كالأطفال بقصيدة "المواكب" لجبران خليل جبران، وضمها إلى صدره، وأخذ يتعبدها بخشوع. وقد تعرف إلى بودلير، واهتم به اهتمامًا خاصًا، وبـجان ديفال، بطلة "أزهار الشر،" فأحس أنه ينتمي إليها بصلة ما، وذلك لكون البطلة سوداء البشرة.

وننتــقل إلى الثوابت التي بقيت في خلد الشاعر ورؤيته النقدية كما تحدث عنها في مجلة الآداب، وذلك من خلال الموقف من الشعر:

"الشعر يتشكل وفقًا لقوانين خاصة تفرضها مجموعة الظروف والعلاقات الاجتماعية التاريخية المحيطة بصاحبها."

وهذا الفهم الماركسي يعود الشاعر إليه، فيقول في المقال المنشور في مجلة الدستور:

"إن الشاعر هو ابن بيئته ومجتمعه الذي ينتج من التفاعلات السياسية والاقتصادية والثقافية."

وفي المقولتين هاتين وعي بحقيقة الأوضاع الاجتماعية، وإدراك المتناقضات، وهو ما يدعى بالمادية الديالكتيكية في لغة ماركس. وتبعًا لذلك فهم الفيتوري أن الشعر هو موقف، "وليس هناك شعر حقيقي دون موقف اجتماعي " (الدستور). والطائر الملتزم بسربه هي صورة الشاعر حسب تصوره، أما أولئك الذين انفردوا عن مسيرة السرب فله رأي ثابت نحوهم. يقول أولاً:

"إن الشاعر بغير العوامل الثقافية والمؤثرات التي تحرك التاريخ يعزل نفسه عن حركة الحياة، وكثير من الشعراء ماتوا لأنهم ظلوا داخل قواقعهم الذاتية - ماتوا لأنهم ظلوا بعيدين عن الشمس والهواء."

ويقول ثانيا:

"فلا شك أن مواقفهم تلك إنما هي حصيلة انطوائهم على أنفسهم أو انتمائهم الضيق للفئات أو القوى الاجتماعية التي ينتمون إليها، أو ربما خضوعهم لمغريات ومصالح أنانية انحرفت بهم عن أداء رسالة الشعر " ( الدستور ).

ومن ناحية ثانية يشترك فيتوري اليوم مع فيتوري أمس بالتأكيد على موسيقا شعره:

"لقد ورثت إيقاعات الطبول وارتجافات الدفوف ودقات النحاس " (الآداب)، و "إن لدي صدى موروثًا من مستوى الإيقاع" (الدستور). وهذا الرصيد لا يستطيع اختياره وفق هواه، فإيقاعاته مفروضة عليه لا تتـشكل، أو تلبس جسدها الإيقاعي الذي يفرض ذاته عليها.

أما التمايز أو التباين فيتركز أولاً في الآداب على أنه منتم إلى أفريقيا بالدرجة الأولى:

كانت أفريقيا بالدرجة الأولى اعترافه وهويته:

من الذي يطلب مني أن أكون غير ما أنا عليه
ألأن وجهي أسود
ولأن وجهك أبيض
سميتني عبدا؟

لقد كان يحس أنه جزء من أفريقيا كلها، كان يتصور أنه يتحدث إليها جميعها - بعراياها وجياعها وحفاتها وأكواخها القذرة ومستنقعاتها الملوثة، وكان يسأل: "كيف كان يمكن أن يصل إليهم صوتي؟" وكان يشعر أنه واحد من مجموعة شعراء: سيزار، ليوبولد سنغور، دافيد ديوب ..."، ويتساءل: "هل لأني أكتب باللغة العربية يجب أن أنفصل عن ترابي، عن ذاتي؟ ... إنني لا أومن بوجود أي تناقض بين أسلوبي كعربي ورؤيتي كإفريقي."

هذه الرؤية الإفريقية أضحت في مقاله الأخير رؤية عربية صافية، فهو إنسان يتحرك "راضيًا أو مكرهــًا ضمن دوائر هذا الخراب الهائل الذي تعيشه أمتنا العربية." وبرغم أنه اعترف في مقاله الأخير بالأحلام التي كانت تراوده هو وأبناء جيله، إلا أن المشترك بين الرؤيتين الأفريقية والعربية، كما أتصورها، يتعلق بالخواء وانعدام الحرية، والقيود في الأرجل، والسلاسل في الشفاه.

يحدثنا الشاعر اليوم كيف "تكرس عجز الجيل العربي الحاكم عن قبول التحدي وإمكانية المواجهة،" وذلك في هزيمة 1967. وفي السبعينيات "أمكن للخيانة وحدها ولروح الهزيمة أن تسود الساحة، وان تشق لها طريقًـًـا متعـرجة عبر النضال المسدود. ومع تتابع حلقات سلسلة النماذج أو المواقف المفزعة تستفحل ظواهر عقمنا الفكري والسياسي، ويزداد الواقع العربي ضعفًا وفسادًا بانتظار قدوم الثورة الاجتماعية."

وبينما كان نقاشه مع محمود أمين العالم كما أشار إليه في الآداب حول الدفاع عن أفريقية، وهل كان الصراع لونيًا أم ماهيًا: بين المستعمِر والمستعمَر والمستغِل والمستغَل فـإن مثل هذا النقاش غير قائم الآن، وكأنه أصبح من المسلّمات ، وأصبح ما يزعجه اليوم ويؤلمه أن "كل مظاهر مسخ معالم الوعي والإرادة في شخصانية الإنسان - كل إنسان."

ويعترف الشاعر اليوم بأنه قديمًا كان يتفجر بالمعاناة طامحًا لتجسيدها بغض النظر عن الكيفية التي تنصب فيها تلك المعاني (الدستور)، ولكن ذلك لم يذكر في (الآداب)، وإنما ألمح إليه في مقدمة ديوانه، فيقول:

"إن عملية الخلق الفني عملية خفية إذا صح هذا التعبير ، إنها حالة انشطار الإنسان شطرين - حالة صراع داخلية، يسقط ضحية لها في أغلب الأحيان وجود الفنان الصناعي الخارجي ليرتفع فوق أشلائه ذلك الوجود الحقيقي الآخر الكامن أبدًا فيه، إلا أن الرعشة المقدسة التي تأخذ الفنان حينذاك يستحيل التعبير عنها إلا ضمنًا ... ضمن هذا النسيج النفسي الفكري الموسيقي الذي يسمى بالقصيدة الشعرية."

أما اليوم فـإنه لا يعترف بهذا الجو الإلهامي، بل هو يخطط ويعد قائمة نفسية بما يريد أن يقوله:

"... أصنع البذرة عن سابق وعي (سواء كانت سياسية أو اجتماعية)، ثم أنتظر بعض الوقت حتى تزدهر فيّ، كما في باطن الأرض لتبدأ تتشقق في داخلي، وتشقني في نفس الوقت، ثم تبرز شيئًا فشيئًا حتى تأخذ شكلها الخارجي الذي سوف تواجه به الآخرين" (الدستور). كان هدفه في مقتبل عمره أن يطهر نفسه مما ورثه عن أبيه، لأنه أراد أن يخلص إلى الواقع كإنسان في هذا العصر. أما هدفه اليوم فهو التخلص من ظروف التخلف التاريخية التي ما زال يعاني منها الإنسان العربي المعاصر (الدستور).

وهذا الاختلاف هنا وهناك في موقف الشاعر ورؤيته يبرره الفيتوري بقوله: "إنني مجمل المعاناة الإبداعية، والتجارب الفنية تكتسب كل مرحلة قيمتها بأن تضعها ضمن شروطها الزمانية والمكانية" (الدستور). ولعل في هذا القول استيعابًا لقول برجسون: "ما من أحد كالشاعر يحس الزمان."

أما أسلوب الكتابة في النصين فهو جدير بالوقوف عنده. ففي النص الأول كان أسلوبه على غرار أسلوب طه حسين، من حيث السرد بلغة الغائب، بل في استعماله لفظة "الفتى" عينها، لكنه كان ينتقل من موضوع إلى موضوع دون ترابط ضروري، وكأنه يجيب عن أسئلة معينة حددتها هيئة التحرير، ثم حذفت الأسئلة المطروحة. أما النص الثاني فهو مقسم إلى خمس فقرات رئيسية تتلاحق في تصويرها لرؤيته الشعرية، وهي متماسكة وتبدأ من نقطة يركز عليها، لينتهي بها من خلال موقف واضح ورؤية متألمة لواقع ممض.

مراجع البحث:
(1) مجلة الدستور الصادرة في لندن. عدد 3 تشرين الأول/أكتوبر 1989 ص 64.
(2) مجلة الآداب اللبنانية. عدد آذار/مارس 1966 ص 9.
(3) ديوان الفيتوري "حول تجربتي الشعرية": دار العودة – لبنان (1972).

- - - - -
موقع الدكتور فاروق مواسي

http://faruqmawasi.com

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)

مسرحية "ابن الرومي في مدن الصفيح" لعبد الكريم برشيد

بين واقع المدينة والنظرية الاحتفالية

جميل حمداوي (*) - المغرب




من أهم المسرحيات التي ألفها عبد الكريم برشيد والتي تمثل النظرية الاحتفالية في رأي صاحبها هي مسرحية "ابن الرومي في مدن الصفيح" التي كتبها في أواسط السبعينيات موازية [1] مع البيان الاحتفالي الأول الذي صدر سنة 1976م. يقول برشيد: "إن مسرحية (ابن الرومي...) كعمل درامي يعتمد على فلسفة مغايرة وعلى تقنيات جديدة. وعلى اجتهادات جريئة في ميدان البناء الدرامي- لا يمكن تفسيرها إلا اعتمادا على الرجوع إلى الفكر الاحتفالي ... إن مسرحية (ابن الرومي...) – كعمل إبداعي تلتقي مع هذه النظرية وتتوحد بها، وهذا شيء طبيعي. وذلك مادام أنهما معا – العمل والتنظير- يصدران من منبع واحد. فالمسرحية تجسيد شامل لمفاهيم الواقعية الاحتفالية." [2] إذا، برشيد يقر بأن مسرحية "ابن الرومي في مدن الصفيح" خير نموذج مسرحي من إبداعاته الدرامية التي تجسد النظرية الاحتفالية في جانبها التطبيقي والدراماتورجي [الدرامي/التمثيلي] .هذا الحكم التقريري هو الذي سيفرض علينا أن نطرح مجموعة من الأسئلة التي سنحاول الإجابة عنها في موضوعنا هذا، وهي على النحو التالي: ما هي الاحتفالية؟ وما مرتكزاتها المضمونية والسينوغرافية [المشاهد]وما مصادرها الإبداعية والفكرية؟ وإلى أي مدى استطاع أن يكون عبد الكريم برشيد وفيا لنظريته الاحتفالية في مسرحيته "ابن الرومي في مدن الصفيح"؟ وقبل الإجابة عن ذلك، لابد من تسليط بعض الأضواء على عبد الكريم برشيد. فمن هو هذا المبدع يا ترى؟

ولد عبد الكريم برشيد بمدينة بركان سنة1943م. أتم دراسته الثانوية والجامعية بمدينة فاس حتى حصوله على الإجازة في الأدب العربي ببحث يهتم بتأصيل المسرح العربي. وفي عام 1971م، أسس فرقة مسرحية في مدينة الخميسات لاقت عروضها الاحتفالية صدى طيبا لدى وسط الجمهور المغربي والعربي أيضا. وقد حصل على دبلوم في الإخراج المسرحي من أكاديمية مونبولي بفرنسا. ودرس بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط. وفي 2003م، حصل على الدكتوراه في المسرح من جامعة المولى إسماعيل بمكناس. كما تولى مناصب هامة وسامية مثل مندوب جهوي وإقليمي سابق لوزارة الشؤون الثقافية، ومستشار لوزارة الشؤون الثقافية، وأمين عام لنقابة الأدباء والباحثين المغاربة، وعضو مؤسس لنقابة المسرحيين المغاربة. وقد كتب عبد الكريم برشيد الرواية والشعر والمسرحية والنقد والتنظير. وساهم في بلورة نظرية مسرحية في الوطن العربي تسمى بالنظرية الاحتفالية.

ومن إصداراته:

1- عطيل والخيل والبارود وسالف لونجة، احتفالان مسرحيان، منشورات الثقافة الجديدة سنة 1976؛

2- امرؤ القيس في باريس، منشورات الستوكي ووزارة الشبيبة والرياضة 1982؛

3- حدود الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي، دار الثقافة بالدار البيضاء سنة 1983؛

4- المسرح الاحتفالي، دار الجماهيرية بطرابلس ليبيا1989-1990؛

5- اسمع ياعبد السميع، دار الثقافة بالدار البيضاء سنة 1985؛

6- الاحتفالية: مواقف ومواقف مضادة، مطبعة تانسيفت بمراكش سنة1993؛

7- الاحتفالية في أفق التسعينات، اتحاد كتاب العرب، دمشق سوريا سنة1993؛

8- مرافعات الولد الفصيح، اتحاد كتاب العرب، دمشق سوريا؛

9- الدجال والقيامة، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة بمصر؛

10- المؤذنون في مالطة منشورات الزمن؛

11- غابة الإشارات، رواية، مطبعة تريفة ببركان سنة1999؛

12- ابن الرومي في مدن الصفيح، مسرحية احتفالية يتقاطع فيها ما هو اجتماعي معاصر مع ماهو تراثي وأدبي تاريخي، النجاح الجديدة بالدار البيضاء سنة 2005؛

النظرية الاحتفالية عند عبد الكريم برشيد

ظهر التيار الاحتفالي في المغرب إبان السبعينيات، ولاسيما بعد صدور البيان الأول للجماعة الاحتفالية سنة 1976م بمدينة مراكش بمناسبة اليوم العالمي للمسرح، بعد سلسلة من الكتابات النظرية والإبداعية التي كتبها عبد الكريم برشيد باعتباره المنظر الأول لهذا الاتجاه المسرحي الجديد، والطيب الصديقي المطبق الرئيس لهذه النظرية التأسيسية.

وقبل ظهور الاحتفالية، كان المسرح في المغرب إبان الحماية يعتمد على الترجمة والاقتباس وتحوير المسرح الغربي ومغربته ولاسيما مسرحيات موليير الاجتماعية، وكان القالب الأرسطي والعلبة الإيطالية من مقومات هذا المسرح. وبعد الاستقلال عرف المغرب المسرح الاحترافي بقيادة الطيب الصديقي والمسرح الإذاعي الذي كان ينشطه عبد الله شقرون. ولكن هذا النوع من المسرح كان لا ينسجم مع تطلعات الشعب المغربي ولا يعبر عن قضاياه وهمومه الاجتماعية إلى أن ظهر مسرح الهواة في مرحلة السبعينيات الذي بدوره انقسم إلى تيارات ومدارس تدعي التجديد والتأسيس والتأصيل فأصبحنا نقرأ بيانات لعدة تجارب درامية، فهناك مسرح النقد والشهادة مع محمد مسكين، والمسرح الثالث مع المسكيني الصغير، والمسرح الفردي مع عبد الحق الزروالي، والمسرح الاحتفالي مع عبد الكريم برشيد، ومسرح المرحلة مع حوري الحسين، والمسرح الإسلامي مع محمد المنتصر الريسوني. وتبقى الاحتفالية من أهم هذه الاتجاهات التجريبية الدرامية قوة وتماسكا واستمرارا حتى أصبح لها أتباع في العالم العربي لأنها أعادت للمسرح العربي وجوده وأصالته وهويته الحقيقية بعد أن كان المسرح العربي يلبس المعطف الغربي روحا وقالبا ويفكر بعقله ويتنفس برئتيه. إذا، ما هي الاحتفالية؟

الاحتفالية نظرية درامية وفلسفية تعتبر المسرح حفلا واحتفالا وتواصلا شعبيا ووجدانيا بين الذوات وحفرا في الذاكرة الشعبية وانفتاحا على التراث الإنساني وبناء مركبا من اللغات والفنون السينوغرافية التي تهدف إلى تقديم فرجة احتفالية قوامها المتعة والفائدة عبر تكسير الجدار الرابع الذي يفصل الممثلين المحتفلين عن الجمهور المحتفل بدوره. إنه مسرح يرفض التغريب والاندماج الواهم والخدع المسرحية. ويعرفه عبد الكريم برشيد في بيانه الأول:

 "إن المسرح بالنسبة للاحتفالية تحدد كالتالي:

(إن المسرح بالأساس موعد عام، موعد يجمع في مكان واحد وزمن واحد بين فئات مختلفة ومتباينة من الناس) موعد يتم انطلاقا من وجود قاسم مشترك يوحد بين الناس ويجمع بينهم داخل فضاء وزمان موحد.

وهذا القاسم المشترك لا يمكن أن يتجسم إلا داخل إحساس جماعي أو قضية عامة، قضية تهم الجميع، وتعني كل الفئات المختلفة. ومن هنا كانت أهمية هذا الموعد تقوم أساسا على اتساع هذه القضايا ومدى رحابتها وشموليتها.

إن الاحتفال بالأساس لغة، لغة أوسع وأشمل وأعمق من لغة اللفظ (الشعر-القصة) ومن لغة اللحن (الغناء- الموسيقى) ولغة الإشارات والحركات (الإيماء)، وهي لغة جماعية تقوم على المشاركة الوجدانية والفعلية، إن المظاهرة احتفال، لأنها تعبير جماعي آني يتم من خلال الفعل."[3]

ومن رواد المسرح الاحتفالي بالمغرب نجد عبد الكريم برشيد، والطيب الصديقي، وعبد الرحمن بنزيدان، وثريا جبران، ومحمد الباتولي، وعبد الوهاب عيدوبية، ومصطفى رمضاني، ومحمد البلهيسي، ومحمد عادل، ومصطفى سلمات، وقيسامي محمد، والتهامي جناح، وفريد بن مبارك، وعبد العزيز البغيل، ورضوان أحدادو، وبوشتى الشيكر، ومحمد أديب السلاوي، وسليم بن عمار، والكرزابي بوشعيب. وهذه الأسماء كلها تساهم في إثراء الاحتفالية تنظيرا (عبد الكريم برشيد) أو نقدا وتأريخا (مصطفى رمضاني) أو تأليفا (رضوان أحدادو) أو إخراجا (الطيب الصديقي) أو تمثيلا (مصطفى سلمات) أو صحافة (الكرزابي بوشعيب) أو إخراجا تلفزيونيا (فريد بن مبارك).

ومن رواد الاحتفالية في الوطن العربي نستحضر قدور النعيمي من الجزائر، وعز الدين المدني من تونس، وقاسم محمد من العراق ،وسعد الله ونوس من سوريا. ويقول مصطفى رمضاني في هذا الصدد: "أما في الدول العربية، فقد خلفت دعوة الاحتفالية صدى طيبا، وكان من نتائج ذلك أن مجموعة من كبار المبدعين والنقاد المسرحيين العرب قد باركوها وصادقوا على ما في بياناتها نحو ال علي الراعي وسعد أردش وأسعد فضة وعز الدين المدني ومنصف السويسي وغيرهم، كما فعلت ذلك فرقة الحكواتي اللبنانية وفرقة سوسة التونسية وفرقة الفوانيس الأردنية وجماعة السرادق المصرية. وبهذا تكون الجماعة ورشا مفتوحا على العالم الإنساني كله، وليست تجربة خاصة بمبدعين مغاربة فقط."[4]

ومن المرتكزات النظرية والدلالية التي يستند إليها المسرح الاحتفالي نجد النقط التالية:

1- المسرح حفل واحتفال غني باللغات اللفظية والحركية

2- توظيف الذاكرة الشعبية أو الأشكال ما قبل المسرحية

3- تشغيل التراث وعصرنته ونقده تناصا وتفاعلا

4- استخدام المفارقة والفانتازيا في تشغيل العناوين

5- المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة

6- تداخل الأزمنة

7- السخرية في وصف الواقع وتفسيره وتغييره

8- الحفل الجماعي والتواصل الاحتفالي المشترك

9- التعبير الجماعي

10- تعرية الواقع قصد تشخيص عيوبه وإيجاد الحلول المناسبة له

11- التأصيل قصد تأسيس مسرح عربي

وقد حصر رمضاني مصطفى مبادئها في:

التحدي. الإدهاش. التجاوز. الشمولية. التجريبية. التراث. الشعبية. الإنسانية. التلقائية. المشاركة. الواقع والحقيقة. النص الاحتفالي. اللغة الإنسانية.[5]

أما المرتكزات الفنية والسينوغرافية فيمكن إجمالها في:

1. تكسير الجدار الرابع

2. الثورة على القالب الأرسطي والخشبة الإيطالية

3.تقسيم المسرحية إلى أنفاس ولوحات وحركات احتفالية

4. استبدال العرض بالحفل المسرحي

5. استبدال الممثل بالمحتفل

6. الثورة على الكواليس والدقات الثلاث التقليدية

7. تعدد الأمكنة والأزمنة

8. التركيب بين اللوحات الاحتفالية المنفصلة

9. استخدام لغة تواصلية لفظية وغير لفظية والاعتماد على قدرات الممثل

10. توظيف قوالب الذاكرة الشعبية كالراوي وخيال الظل والحلقة وغيرها

11. الاحتفال المسرحي أو الديوان المسرحي بدلا من كلمة مسرحية

12. الاعتماد على المسرح الفقير

13. الدعوة إلى الفضاء المفتوح والتحرر من العلبة الإيطالية المغلقة

14. عفوية الحوار وتلقائيته

15. النص مجرد مشروع ينطلق منه العرض

16. الاندماج المنفصل والتحرر من الخدع الدرامية والأقنعة الواهمة

17.استخدام تقنيات سينوغرافية بسيطة وموحية ووظيفية سيميولوجيا وتواصلا

18. طاقة الممثل الجسدية هي الأساس في التواصل.[6]

أما عن مصادر الاحتفالية التي اعتمد عليها عبد الكريم برشيد فقد حددها بجلاء في كتابه التنظيري"حدود الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي" وتتمثل هذه المراجع في:

أ. المسرح اليوناني بكل ظواهره الاحتفالية؛

ب. الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو الذي احتج على المسرح/العرض وطالب بعودة الحفل؛

ت. الكتابات النظرية والإبداعية لأنطوان آرتو الذي طالب بتوظيف الأشكال الطقوسية السحرية الاحتفالية وخاصة في كتابه "المسرح وقرينه"؛

ث. المخرجون الذين أرجعوا أصل المسرح إلى جوهره الحقيقي ألا وهو الحفل كما نجد عند آدولف آبيا. كوردن كريج. جاك كوبو وسفوبولد مايرهولد؛

ج. كتاب ألفرد سيمون"العلامات والأحلام. بحث في المسرح والاحتفال"؛

ح. الدراسات السيكو اجتماعية التي ركزت على الجانب الاحتفالي عند الشعوب مثل: دوركايم وفرويد في"الطوطم والطابو" وجان دوفينو في"احتفالات وحضارات" وهارفي كوكس في"احتفال المجانين"؛

خ. الاحتفالات العربية كمسرح السامر والحكواتي والسامر والفداوي والمداح وخيال الظل والقرقوز والمقامات ... كما نبه إلى ذلك حسن المنيعي وعلي الراعي ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم ومحمد عزيزة ومحمد أديب السلاوي والطيب الصديقي؛

د. الكتابات الإبداعية والنظرية لعز الدين المدني والمنصف السويسي وبرتولد بريخت الألماني وتوفيق الحكيم.[7]

ولقد تعرضت الاحتفالية لعدة انتقادات سواء أكان مجالها بالمغرب أم بالوطن العربي، بعضها كان موضوعيا (مصطفى رمضاني. أمين العيوطي)، والبعض الآخر كان متشنجا وانفعاليا و إيديولوجيا (نجيب العوفي. سالم أكويندي. محمد مسكين. محمد قاوتي. وليد أبو بكر).[8]

ويقول مصطفى رمضاني الناقد المتخصص في الاحتفالية: "وإذا كانت الاحتفالية قد خلفت هذه التراكمات النقدية المتأرجحة بين الذاتية والموضوعية، فإنها عملت في نفس الوقت على إعطاء المسرح الهاوي بالمغرب أنفاسا جديدة للتجريب والتأصيل، وهذا ما يفسر تهافت مبدعينا الشباب على التراث يستمدون منه أشكاله التعبيرية وأحداثه وشخصياته، لأنه يوفر لهم مساحات شاسعة للتعامل مع تناقضات الواقع. ولم تقف هذه الموجة الاحتفالية عند الهواة المبتدئين، بل لقد تجاوزتهم إلى مبدعين يمثلون ريادة المسرح الهاوي الجاد نحو أحمد العراقي ومحمد تيمد وشهرمان وحوري الحسين والتسولي وإبراهيم وردة ومحمد مسكين ويحيى بودلال والكغاط وغيرهم."[9]

وعليه، فالاحتفالية ستبقى نظرية مقبولة علميا وتطبيقيا في وطننا العربي، وستحقق نجاحا كبيرا مادامت فلسفة أرجعت للمسرح العربي هويته وأصالته وذلك بالتركيز على المنحى الاحتفالي الجماعي وأشكاله الفطرية، وبما أنها نظرية شاملة للإنسان والكون والوجود من خلال رؤية للعالم وهي الرؤية الاحتفالية. زد على ذلك أن الاحتفالية هي أقرب النظريات الدرامية صلة بالإنسان العربي مادامت تستند إلى الذاكرة الشعبية والتراث والوجدان الشعبي والتواصل الجماعي عبر فضاءات منفتحة كالأسواق والساحات. لذلك، فأي نقد مهما كانت طبيعته سيخدم هذه النظرية وسيغنيها من قريب أو من بعيد. وكما قال المسرحي المغربي عبد المجيد فنيش: "ففي المغرب أصر عبد الكريم برشيد وجماعة المسرح الاحتفالي على المضي قدما لترسيخ مفهوم التأسيس وما نالت من هذا الإصرار الموجات الموسمية المعادية، ولاحمى الضرب والقذف، بل ازداد الاحتفاليون إيمانا بموضوعية طروحاتهم".[10]

مسرحية "ابن الرومي في مدن الصفيح"

يحمل عنوان المسرحية "ابن الرومي في مدن الصفيح" مفارقة رمزية ودلالية بين شاعر عربي عاش في العصر العباسي حياة شعبية قوامها الفقر والانكماش والخوف والتكسب، ومكان معاصر هو المدينة بأحيائها القصديرية الصفيحية التي تشخص التفاوت الطبقي والصراع الاجتماعي وافتقار الناس البسطاء إلى أبسط حقوق الإنسان. أي أن العنوان يحيل على جدلية الأزمنة: الماضي والحاضر وتداخلهما. ومن خلاله، يتبين لنا أن الكاتب يعصرن التراث ويحاول خلقه من جديد عن طريق محاورته ونقده والتفاعل معه تناصا ومتناصا. ويعني هذا، أن عبد الكريم برشيد يشتغل كثيرا على التراث حتى أصبح نموذجا يقتدى من قبل المسرحيين الهواة وحتى من قبل رواد المسرح الاحتفالي مثل: الطيب الصديقي، وإبراهيم العلج وعبد الله شقرون. وهذه العناوين المدهشة الغريبة التي يتداخل فيها الماضي والحاضر أو التراث وحضور المكان (المدينة المعاصرة) موجودة عند برشيد بكثرة مثل: امرؤ القيس في باريس، عنترة في المرايا المكسرة، النمرود في هوليود.

وتحتوي مسرحية "ابن الرومي في مدن الصفيح" سبع عشرة لوحة احتفالية تجسد عالمين: عالم الخيال وعالم الواقع.

يدخل ابن دنيال صاحب خيال الظل بعربته الفنية ليقدم فرجته للجمهور مع ابنته دنيازاد التي تذكرنا بأسماء شخوص ألف ليلة وليلة. لكن المسئول عن الستارة يرفض السماح له بالدخول مادام العرض المسرحي لم يبدأ؛ لكنه سيتعرف عليه بعد أن يكتشف أنه من كبار المخايلين المتخصصين في خيال الظل، وقد أتى إلى الركح من أوراق التراث الصفراء ليظهر ما لديه من الحكايات والمرايا بدلا من هذه المناظر والمشاهد التي يسعى أصحابها إلى بنائها جاهدين، وفيها يفصلون الأغنياء عن الفقراء، بينما المسرح حفل واحتفال ومشاركة جماعية:

"عامل الستار: سأرفع الستار ولكن ليس الآن. عمال المناظر لم يكملوا البناء بعد.

ابن دنيال: عمال البناء؟...لكن، أي شيء يبنون الآن؟ أريد أن أعرف ذلك.

عامل الستار: لن ترى جديدا....

ابن دنيال: ماذا أسمع؟

عامل الستار...فمنذ كان المسرح والمناظر محصورة في شيئين. القصور للأغنياء...

ابن دانيال: ..والأكواخ للفقراء...

(تسمع الدقات التقليدية الثلاث، ينسحب عامل الستار) [11]

ويعرف ابن دنيال بنفسه وابنته ويقدمان نفسهما للجمهور كراويين سيقدمان له مجموعة من شخصيات خيال الظل قصد تسليته وإفادته، وأن ابن دنيال المخايل نزل من التاريخ المنسي إلى هامش الحاضر ليزرع بشارته وأمله في المستقبل:

ابن دنيال: أحبتي. أتيتكم من بين الصفحات الصفر الباليات.

 من الزمن المعلب النائم فوق الرفوف.

كنت حرفا تائها. معلقا منشورا

فوق حبل الزمن

فجئتكم، كدفقة نور كموجة صوت

كليل يمطر أقمارا ونجوما ساطعات

كنت عمرا فقيرا، بذر في غيبة السمار زيته

فجئته الآن من قلب غمامة

أحمل حفنة زيت وفي القلب شرارة..."[12]

وبعد ذلك، يتحلق الأطفال حول عربة خيال الظل التي تنعكس في ستارتها الظلال والأضواء لتنسج أنفاسا احتفالية من الخيال والواقع، ولتعبربحكاياها عن فئات مجتمع المدائن والأقطار قريبة كانت أو بعيدة بكل تناقضاتها الحياتية.

وينتقل الكاتب من الخيال ومن لعبة خيال الظل إلى الواقع، واقع المدينة القصديرية ذات الأحياء الصفيحية حيث نلتقي بسكانها ولاسيما حمدان ورضوان وسعدان، هذه الطبقة الشعبية التي أنهكتها الظروف المزرية كالفقر والداء والبطالة وضغوطات الواقع التي لا تتوقف. يقصد المقدم هذه الفئة ليخبرها بضرورة الرحيل لتحويل هذا الحي الذي لا يناسبهم إلى فنادق سياحية جميلة تجذب السواح وتدر العملة الصعبة على البلد ريثما سيجد لهم المجلس البلدي مكانا لإيوائهم في أحسن الظروف. لكن أهل الحي رفضوا هذا المقترح وقرروا أن يكون موعد الرحيل من اختيارهم أنفسهم بدلا من أن يفرض عليهم من فوق وهو لا يخدمهم لا من قريب ولا من بعيد.وتدل الأسماء العلمية التي يحملها الثلاثة على السخرية والتهكم والمفارقة إذ يدل حمدان على الحمد وسعدان على السعادة و رضوان على الرضى على غرار عنوان المسرحية الذي يثير الحيرة والاستغراب المفارق.

ويحاول ابن دنيال أن يستقطب أهل الحي وأطفاله الصغار لكي يقدم لهم فرجة تنعكس على خيال الظل بعوالمه الفنطاستيكية وشخصياته التاريخية والأسطورية؛ لكن هذه الحكايات والقصص لم تعد تثير فضول السامعين وتشد انتباههم. لأنها حسب دنيازاد بعيدة عن واقعهم الذي يعيشون فيه. لذلك اختارت دنيازاد أن يكون الموضوع قريبا من حقيقة المشاهدين يمس مشاكلهم ويعالج قضاياهم ويطرح همومهم، أي يكون المعطى الفني شعبيا. وهذا ما قرر ابن دنيال أن يفعله، أن يحكي لهم قصة الشاعر ابن الرومي في مدينة بغداد التي قد تكون قناعا لكل المدن المعاصرة كما يكون ابن الرومي الشاعر المثقف قناعا لكل المثقفين المعاصرين.

"ابن دنيال: ابن الرومي الذي رسمته وقصصته بيدي ليس وليد بغداد التي تعرفون... شاعر الليلة يا سادتي قد يكون من باريز، من روما، من البيضاء، أو من وهران. قد يكون علي بن العباس أو قد يكون الشاعر لوركا. قد يكون المجذوب أو بابلونيرودا. قد يكون من حيكم هذا. قد يكون أنت أو أنت أو أنت، من يدري؟ قد يكون وقد يكون... سادتي... نرحل الآن إلى بغداد- الرمز."[13]

وبعد ذلك، ينقلنا ابن دنيال عبر صور خيال الظل وظلاله إلى بغداد المعاصرة بأكواخها الفقيرة وأحيائها القصديرية ومنازلها الصفيحية لنجد ابن الرومي منغلقا على نفسه منطويا على ذاته لا يريد أن يفتح بابه على العالم الخارجي ليرى الواقع على حقيقته:  "هل أفتح الباب أو لا أفتحه؟ هل أفتحه؟

يومك يا ابن الرومي لغز محير، وأحلامك يا ضيعتي رموز غامضة... أحيا بين رمز ولغز."[14]

ويزداد ابن الرومي الشاعر المنكمش الخائف على نفسه من العالم الخارجي تشاؤما وتطيرا من الوجوه التي كان يجاورها في حيه الشعبي المتواضع:  أشعب المغفل الذي يتهمه ابن الرومي بالغيبة والنميمة ونقل الأخبار بين الناس والتطفل عليهم وجحظة الحلاق الذي كان يزعجه بأغانيه المستهجنة ودعبل الأحدب بائع العطور والمناديل الذي يعتبره وجه النحس والشقاء وعيسى البخيل الإسكافي العجوز الذي كان يعتبره رمزا للشح والتقتير.كل هذه الوجوه الشقية المنحوسة كان يتهرب منها الشاعر العالم، ويكره العالم لأنه لم يجد إلا بيتا يطل على البؤساء والأشقياء والمعوقين والفقراء التعسين.لذا، أغلق بابه على هؤلاء الناس ولم يتركه مفتوحا إلا للذين يغدقون عليه بالنعم والفضائل من أمثال الممدوحين والأغنياء ورجال السلطة والأعيان خاصة رئيس المجلس البلدي. ويقصد الشاعر بيت عمته الرباب باحثا عن جارية حسناء ترافقه في دهاليز الحياة وتسليه في دروبها المظلمة الدكناء. ولم يجد سوى عريب الشاعرة الجميلة التي دفع فيها كل ما اكتسبه من شعره ومدحه قصد الظفر بها عشيقة وأنيسة تشاركه سواد الليالي ووحدته المملة القاتلة في كوخه الذي لا يسعد أي إنسان ولاسيما أنه يجاور دكاكين الجيران المنحوسين الأشرار. مما جعله يعاني من عقدة التطير والانطواء على الذات والهروب من بغداد المدينة وعالمها الخارجي ليعيش حياته في أحضان عريب سلطانة الحسن والدلال بكل حواسه: "وبعد هذا يا ضيوف المخايل وعشاق الخيال...

سار الشاعر الحزين وعريب خلفه... سارا إلى حيث لا نور، لامسك، لا ريحان، ولا وسائد، سارا إلى أكواخ الخشب والقصدير، إلى حيث النور شموع والفرش حصير.

وصل الشاعر، أغلق خلفه كل ثقب وباب، وأقام أزمانا في حضرة الجارية قيام أهل النسك في المحراب"[15]

وسيتحول ابن الرومي من شاعر مثقف إلى شاعر انتهازي متكسب لا يهمه سوى الحصول على الأعطيات والمنح من رجال الجاه والسيادة والسلطة حيث سيشتري رئيس المجلس البلدي ذمته بكتابة قصيدة شعرية يصور فيها بؤس الحي الصفيحي الذي يعيش فيه مع أولائك المنحوسين الأشقياء قصد طردهم من هذا الحي وهدم أكواخه التي يتعشش فيها الفقر والداء والبؤس والنحس قصد بناء فنادق سياحية تجلب العملة الصعبة لحكام بغداد الأثرياء وأعوانهم:

"الخادم يا زمان: .. المهم يا ابن الرومي أن المجلس البلدي قد اتخذ قرارا بهدم هذا الحي... لا تنزعج على بيتك، سيكون لك ماهو أحسن، نعم، لقد فكروا فيك جيدا. ستتحول هذه الأكواخ الحقيرة إلى مركب سياحي ضخم يأتيه السواح الأغنياء من نيسابور وجرجان وفاس وصقلية. ستمطره ألوان من العملة الآتية من أركاديا وفينيقيا وقرطاج، هل تعلم؟ إن المجلس البلدي لا يطلب منك شيئا كثيرا. نعم، لاشيء غير أبيات من الشعر. أبيات تصور الحي الحقير وأهله. أنت تؤمن بالشؤم، أليس كذلك؟ تؤمن بأن متاعبك آتية من هذه الأكواخ الوسخة. من دعبل الأحدب، من جحظة المغني، من عيسى البخيل، من أشعب المغفل، من كل الصعاليك والمشردين، هذه فرصتك يا ابن الرومي للتخلص- وإلى الأبد- من شؤم هذا الحي ونحسه.."[16]

ويستمر ابن الرومي في تطيره ونحسه حيث لا يفتح الباب مطلقا ليعرف ماذا وراء عالمه الداخلي المقفل؛ بل كان يطل على الواقع الموضوعي من ثقب صغير في الباب، وكان لا يرى من بغداد سوى جيرانه الأشقياء التعساء فيزداد تشاؤما إلى تشاؤم، فتسود الحياة في وجهه لولا الحب الذي تغدقه عليه جاريته الحسناء والأحلام اللذيذة التي تسعده في منامه ويقظته:

"أشعب المغفل: ولم لا؟ لقد قلتها دائما وما صدقتم. الشاعر أقدامه في التراب مثلنا ولكن رأسه في السحاب.

دعبل الأحدب: من أجل هذا إذن، أقفل الباب خلفه.

جحظة المعني: الملعون، وأنا من تصورته كل صباح ينهض من فراشه، يلبس أثوابه ثم يطل على بغداد من ثقب المفتاح.

عيسى البخيل: ومن الثقب يا جحظة ماذا يرى الشاعر؟

عيسى البخيل: ماذا يمكن أن يرى غير دعبل الأحدب القاعد صباح مساء بلا بيع ولا شراء؟

دعبل الأحدب: أما أنا فقد تصورته يا رفقتي يقوم كل صبح وفي عينيه حلم أخضر. يترك الوسادة وعلى شفاهه بقايا ابتسام الأحلام. يقوم الشاعر وفي قلبه شوق إلى بغداد فيكون أول شيء يسمعه هو صوت جحظة، فيعود المسكين إلى فراشه، يخلع ملابسه وفي قلبه خوف من يوم نحس... أعوذ بالله من يوم غرته صوت جحظة. ثم يتلو القرآن ويعلق التمائم ويقرأ اللطيف... يا لطيف..يا لطيف، يا لطيف، يا لطيف..."[17]

وينتقل ابن الرومي كما قدمه الراوي من شاعر متشائم متكسب إلى شاعر حالم مستلب ومغترب عن واقعه الخارجي، يعيش الخيال في واقعه يركب السحاب وهو معلق بالتراب الأرضي وكوخه الحقير يتأفف من جيرانه الذين يحبونه ويشعرون به أيما شعور وإحساس:

"عدتم من جديد، أنتم عذابي الذي يمشي وينطق، متى تفهمون أن حضوركم يسرق النور من أيامي؟ أجيبوني! أليس من حقي أن أحيا ككل الناس؟ ماذا أذنبت في حق السماء؟ ماذا أذنبت في حقكم؟ اغربوا عن وجهي واتركوني أجتر عذابي... إليكم عني.. ابتعدوا عن بابي وأعتابي، لقد لوثتم الضياء والهواء... اتركوني، اتركوني."[18]

وسيتصالح ابن الرومي مع جيرانه الذين قرروا الارتحال بعيدين عنه حتى يكون سعيدا في حياته ماداموا قد أصبحوا في رأيه رموز الشر والنحس والتطير والتشاؤم. لكن ابن الرومي سيتعلم درسا مفيدا من عريب- صارت حرة بعد انعتاقها من الرق وعبودية العقود المزيفة- التي اختارت أن تعيش معه بشرط أن يفتح بابه للآخرين وجيرانه الذين هم ضحايا الواقع والاستلاب والاستغلال طغمة الجاه والسلطة، وأن تعيش معه في هذا الحي الشعبي مع هؤلاء الناس الطيبين الأبرياء الذين همشوا من قبل المسئولين وأصحاب القرار الذين يريدون ترحيلهم قصد الاستيلاء على ممتلكاتهم وحيهم الذي يسكنون فيه لاستثماره في مآربهم الشخصية:

"عريب: لقد منحتني حق الاختيار وقد اخترت. اخترت أن أكون إلى جوارك، إلى جوار دعبل وعيسى وجحظة وأشعب وغير هؤلاء. إنني أراك واقفا في بركة ماء وعيونك فوق...سجين بغداد وأشياخها وسجين نفسك...ابن الرومي، إنني أشفق عليك من..."[19]

وسيصبح ابن الرومي شاعرا ثائرا يتصالح مع جيرانه ويمنعهم من الرحيل ويعترف بأخطائه الجسيمة التي ارتكبها في حقهم وبأن سماسرة السراب هم المسئولون عن هذا الاستلاب والتخدير الاجتماعي ووعدهم أن يكونوا يدا واحدة في وجه المستغلين وبائعي الأحلام الزائفة:

"ابن الرومي: عيسى، جحظة، دعبل، أشعب، اقتربوا. هذا قلبي التعس أنشره عند أقدامكم سجادا وبساطا. اقتربوا...

جحظة المغني: (بارتياب) ما هذا الكلام الزائد؟

عيسى البخيل: هل أنت بخير يا ابن الرومي؟

ابن الرومي: نعم، لأول مرة أشعر بأنني أحيا وأتنفس وأرى. اقتربوا، اقتربوا يا من في أحداقكم أقرأ مافي القلب. قلوبكم ناصعة ظاهرة. أراها منشورة أمام الكل على حبل الغسيل... أشعب، يا رسول الحي وقلبه، لست فضوليا. نعم، لأنك الجزء والكل. أنت روح بغداد، الظل، بغداد الفقراء... وأنت ياجحظة، ياكروان حي الصفيح، غنيت عذابنا وشقاءنا، غنيت أفراحنا... وأنت يا دعبل...

دعبل الأحدب: سأرحل كما ودعتك يا ابن الرومي.

ابن الرومي: لا بل ستبقى، نعم، أخاف عليك من العراء. أخاف من قبضة السماسرة. ستبقى. سيبقى الجميع. وليذهب الخادم يا زمان إلى الجحيم...

عيسى البخيل: يا زمان؟!هذا الاسم جديد على سمعنا يا ابن الرومي..

ابن الرومي: سأحدثكم عنه، ولكم ليس الآن... وأنت يا عيسى؟

عيسى البخيل: لست بخيلا يا ابن الرومي. صدقني...

ابن الرومي: أصدقك..."[20]

وتختار عريب في الأخير أن تدفع الشاعر لمعرفة العالم الخارجي قصد تحريره من خياله وأوهامه وأحلامه وانكماشه الداخلي واغترابه الذاتي والمكاني، فأرسلته ليبحث لها عن خلخاله الذي ضاع منها في السوق؛ وبعد تردد وتجاهل قرر ابن الرومي أن ينزل عند رغبة عريب وأن يبحث لها عن خلخالها:

"عريب: (تحدث نفسها في حزن) ياالله! ماذا فعلت؟ بعثت به إلى السوق لا ليعود بالخلخال ولكن لأحرره من نفسه وأوهامه. تراني فعلت خيرا أم ارتكبت خطأ قاتلا؟ لست أدري.. لست أدري..."[21]

ويعود الكاتب إلى خيال الظل وصاحبه ابن دنيال الذي ثار عليه المشاهدون من أهل الحي القصديري؛ لأنهم لم يمنحهم الحلول ويخبرهم عن ابن الرومي الثائر الذي خرج إلى السوق والعالم الخارجي باحثا عن الخلخال الضائع. لكن ابنته دنيازاد وهي من جيل الحاضر على عكس أبيها الذي مازال يعيش أحلام الماضي الأصفر تدعو إلى الثورة والنضال والتغيير والتظاهر من أجل الدفاع عن الحقوق المشروعة فتختار الحركة بدلا من اللفظ البراق والشعارات الجوفاء:

"ابن دانيال: دنيازاد، إلى أين تذهبين يا ابنتي؟

دنيازاد: أين أذهب؟ أذهب إلى حيث يذهب هؤلاء.

ابن دانيال: ولكننا لسنا منهم، نحن من عالم آخر...

دنيازاد: أنت واهم يا أبي، ليس هناك إلا عالم واحد ومدينة واحدة...الكلمة التي تفتقر إلى الحركة هي كلمة زائفة تماما كعملة بلا رصيد. وجودنا داخل المدينة وعذابها أشياء لايمكن القفز فوقها. تعال يا أبي.. عذاب الفقراء ماكان يوما فرجة ولن يكون أبدا...تعال....(تمد يدها لابن دانيال. يتردد هذا لحظة لم يعطيها يده)."[22]

تجسد المسرحية – إذا- تقابلا بين عالمين:  عالم الكلمة وعالم الحركة، وبين عالم الخيال الحلمي والواقع المدقع، إنها ثنائية جدلية تصور صراع المثقف العربي مع السلطة والواقع وأخيه الإنسان. لقد لاحظنا أن ابن الرومي عبر المسرحية مر بعدة مراحل:

1- ابن الرومي الشاعر المتشائم المنكمش

2- ابن الرومي الشاعر العاشق

3- ابن الرومي الشاعر المتكسب والمستلب

4- ابن الرومي الشاعر الثائر المتحرر من أوهامه

فبعد الموت والضياع والاستلاب والانكماش الذاتي والموضوعي يعود الشاعر إلى الحياة مرة أخرى شاعرا جديدا يعانق قضايا الناس وهمومهم ويكابد آلامهم ومعاناتهم ويحارب معهم سماسرة الزيف والسراب، إنه يموت لينبعث من جديد على غرار أسطورة العنقاء التي قوامها الاحتراق والموت والتجدد مرة أخرى بفضل فلسفة عشيقته عريب التي اقترحت عليه أن يتيه في العالم الخارجي ليعرف الواقع على حقيقته الواضحة بدون تزويق أو قناع. ويقول عبد الكريم برشيد بأن هذه المسرحية شاملة ومركبة من عدة مستويات: "أقول هذا لأن المسرحية تعتمد على بناء مركب. بناء تجسده مستويات متعددة ومتناقضة- مستوى الواقع- ومستوى خيال الظل- الحقيقية- الحلم- الوعي- اللاوعي- الحاضر- الماضي- أل (هنا)- أل (هناك) ويمكن أن نحصر كل هذا المستويات وأن نختصرها في مستويين اثنين أساسين: - مستوى الواقع. حيث الأحداث داخل حي قصديري منتزع من نفس المدينة التي تعرض بها المسرحية ومن نفس زماننا. - أما المستوى الثاني فيدور داخل صندوق خيال الظل. وهو صندوق المخايل شمس الدين بن دانيال وابنته دنيازاد. فيما بينهما وعلى هذا الأساس فإن قصة ابن الرومي لا يمكن أن ينظر إليها نظرة واحدة موحدة..."[23]

ويتبين لنا كذلك أن مسرحية ابن الرومي في مدن الصفيح مسرحية متركبة من لوحتين منفصلتين: لوحة واقع المدينة بأحيائها القصديرية وبؤسها المأساوي وانتشار الفكر الاستغلالي والتفاوت الاجتماعي والطبقي (لوحة الواقع الاجتماعي) ولوحة ابن الرومي التي يعكسها التخييل الدرامي عن طريق خيال الظل (التخييل التاريخي والتراثي). وداخل هذا السرد التخييلي نجد صراعا بين راو يعيش على أنقاض الماضي والبطولة الضائعة وراو يعيش عصره ويعانق همومه مثل المثقف العضوي الذي تحدث عنه أنطونيو غرامشي.كما أن المسرحية تزاوج بين الأصالة "ابن الرومي- ابن دانيال" والمعاصرة "واقع المدينة".وتبقى المدينة فضاء دراميا وسينوغرافيا لكثير من الكتابات المسرحية لما لهذا الفضاء المعاصر من آثار سلبية على الإنسان المعاصر بسبب الطابع التشييئي للعلاقات الإنسانية الناتجة عن الرأسمالية الجشعة والليبرالية الاقتصادية الفردية والعولمة التي صارت غولمة من شدة الاحتكار والتغريب والقضاء على الأصالة والخصوصيات الحضارية والفكرية للشعوب الضعيفة أو النامية كما نجد عند برشيد نفسه: إمرؤ القيس في باريس،والنمرود في هوليود أو عند المسكيني الصغير: عودة عمر الخيام إلى المدينة المنسية والخروج من معرة النعمان وأهل المدينة الفاضلة لرضوان أحدادو ومرتجلة فاس لمحمد الكغاط ومدينة العميان لمحمد الوادي والهجرة من المدينة لعبد الكريم الطبال.

ويتبين لنا مما سلف ذكره، أن مسرحية ابن الرومي هي مسرحية احتفالية اجتماعية واقعية جدلية تستحضر التراث لغربلته وتعريته لتشخيص عيوبه قصد إضاءته من جديد:  بناء وإصلاحا عبر النقد الذاتي والتغيير الداخلي. ويقول ال مصطفى رمضاني: "فبرشيد قد وظف شخصية ابن الرومي كرمز للمثقف العربي غير المتموضع طبقيا، لأنه يعيش أزمة التأرجح بين طموحاته الطبقية والإحباطات المتتالية التي يعيشها في المجتمع. لهذا وجدناه يصور ابن الرومي كشخصية مركبة:  ابن الرومي الوصولي، ابن الرومي العالم، ابن الرومي الثائر. فابن الرومي شخصية قد خلقها برشيد من خياله حقا. ولكن من المؤكد أن لها ما يعادلها في الواقع. ثم إن المبدع ليس مطالبا باستنساخ هذا الواقع حتى نطالبه بأن يعكسه لنا عكسا فوتوغرافيا. فالواقع معطى تاريخي ولكنه أيضا حركة لا تعرف الاستقرار. لهذا فالمبدع مطالب بتشريحه في أبعاده المختلفة والمعقدة عبر متغيراته وثوابته من أجل تغييره وخلق المستقبل".[24]

الصراع الدرامي في المسرحية

أما الصراع الدرامي فيتمثل في صراع المثقف ضد الاستلاب والاستغلال من خلال صورة ابن الرومي الشاعر العالم ورئيس المجلس البلدي وسماسرته المزيفين، وصراع أهل الحي القصديري (حمدان ورضوان وسعدان) ضد المقدم ورؤساء التخمة.وهذا يجسد لنا الصراع الطبقي والاجتماعي بين الفقراء وأهل الجاه والسلطة. كما أن هناك صراعا بين الفكر المثالي (ابن دنيال- ابن الرومي في بداية المسرحية ووسطها) والفكر الواقعي (حمدان ورضوان وسعدان ودنيازاد وعريب)، وصراعا بين المستغلين بكسر الغين (المقدم –رئيس المجلس البلدي- الخادم يا زمان ومساعديه- الرباب) والمستغلين بفتح الغين (كسعدان ورضوان وحمدان وابن الرومي وأشعب المغفل ودعبل الأحدب وجحظة المغني وعريب وجوهرة وحبابة)، ناهيك عن الصراع بين الفن والواقع وبين الانغلاق والانفتاح وبين الذات والموضوع وبين الماضي والحاضر.ولكن هذا الصراع في جوهره ليس عموديا كما كان في التراجيديات اليونانية الكلاسيكية بين البطل والآلهة بل هو صراع أفقي بين الإنسان والإنسان.

الشخصيات الدرامية

أما الشخصيات الدرامية في المسرحية فهي أقنعة رمزية، ويمكن تصنيفها إلى أصناف عدة، فهناك شخصيات تراثية تنتمي إلى الماضي الشعبي والأسطوري (ابن دنيال- دنيازاد)، والأدبي (ابن الرومي)، وشخصيات معاصرة تنتمي إلى الحاضر (سعدان- رضوان-حمدان- المقدم- رئيس المجلس البلدي)، كما أن هناك شخصيات مثالية مثل: ابن دنيال وابن الرومي وشخصيات واقعية مثل: سعدان ورضوان وحمدان وعريب. وهناك شخصيات كادحة مستغلة (بفتح الغين) مثل: سعدان وحمدان ورضوان وجحظة المغني وعيسى البخيل ودعبل الأحدب وعريب، وهناك وشخصيات مستغلة (بكسر الغين) تملك الجاه والسلطة والزيف مثل: المقدم، والخادم يا زمان، ورئيس المجلس البلدي. وسنحاول الآن رصد مواصفات الشخصيات المذكورة في المسرحية التي صاغ الكاتب أسماءها في صيغة المفارقة والسخرية:

 
الشخصية دلالة الاسم الوظيفة الاجتماعية السمات الخارجية السمات الأخلاقية والنفسية
ابن الرومي الاغتراب شاعر شاعر فقير. عاطل. يسكن كوخا صفيحيا في أحياء بغداد. وحيد بدون أهل. مولى عريب. الانكماش. الخوف. التطير. منغلق على نفسه. مثالي. عاشق الجواري.
 
أشعب المغفل التطفل والغفلة رسول الحي عالم. شاعر. خطيب. خير. طيب مع جيرانه ولاسيما مع ابن الرومي.
جحظة المغني جحوظ العينين
 
حلاق مولع بالغناء. فقير. له دكان صغير. الطيبوبة. المرح.
 
دعبل الأحدب التشويه الخلقي بائع العطر والمناديل
 
تاجر. فقير. ظهر متورم. الطيبوبة. حب الجوار.
عيسى البخيل البخل إسكافي عجوز. فقير. يقتصد في معيشته لشراء كفن الموت الطيبوبة. الواقعية.
عريب العروبة جارية شاعرة. مغنية. راقصة. راوية. جميلة الحسن. ابنة العرب. واقعية. اجتماعية. إنسانية.
جوهرة غلاء الثمن جارية عازفة على آلة العود. المرح. الطيبوبة.
حبابة اللمعان والاتقاد جارية طرازة. ابنة الروم. جميلة المنظر بجيدها وعيونها الزرق وحواجبها. المرح. الطيبوبة.
الرباب الموسيقى والغناء والعزف
 
معلمة الجواري تاجرة في الجواري. امرأة عجوز شمطاء ماكرة. شريرة. مستغلة. فاجرة. تحب المال. خبيثة.
المقدم الأولوية في الإشراف ونقل الأخبار من عيون السلطة من أعوان السلطة. رجل متسلط. يرافقه الأعوان لتنفيذ الأوامر. رسول الشؤم والنحس. خبيث. ساخر.
الخادم يا زمان خدمة السلطة خادم رئيس المجلس البلدي سمسار حقير. يتولى تسيير الشؤون المالية والعاطفية لرئيس المجلس البلدي. كذاب. محتال. مادي. منافق. زائف.
 
عاشور  قد يكون من مواليد عاشوراء أبله الحي طفل كبير. يرتدي ثياب رعاة البقر. يحمل مسدسا. أبله ومجنون. يحب اللعب الطفولي. الطيبوبة. حب اللعب. حب السينما.
 
سعدان السعد المفارق كاتب عمومي
 
الفقر. يسكن حيا قصديريا ( صفيحيا). حكيم الحي ولقمانه. واقعي.
رضوان الرضى المفارق عامل الفقر. يسكن حيا قصديريا. صاحب بذلة زرقاء. ساعد الحي. واقعي.
حمدان الحمد المفارق
 
شاعر الحي القصديري الفقر. يسكن حيا قصديريا. الزعامة. الواقعية.
ابن دنيال دلالة تراثية مرتبطة بخيال الظل صاحب خيال الظل وراو مخايل. عجوز. من الجيل الماضي. مثالي. عالم.
دنيازاد دلالة تراثية مرتبطة بألف ليلية وليلة مساعدة صاحب خيال الظل وراوية كذلك فتاة غجرية. ابنة ابن دانيال. شابة. من الجيل الحاضر. واقعية. ثورية. اجتماعية.
 

الفضاء السينوغرافي

ومن حيث الفضاء السينوغرافي للمسرحية، فالنص يتموقع في فضاءين متقابلين: بغداد التراث بأكواخها الفقيرة والمدينة المعاصرة التي قد تكون الدار البيضاء بأحيائها القصديرية الصفيحية أو مدينة معاصرة أخرى، دون أن ننسى الفضاء الاحتفالي وهو الخشبة بخيال ظلها. ولكن يلاحظ أن هناك تداخلا في الأمكنة والأزمنة (الماضي/الحاضر) مما يجعل المسرحية تنزاح عن القاعدة الأرسطية (الوحدات الثلاث) في بناء النص المسرحي.

ولكن ما هي تجليات الاحتفالية في هذه المسرحية من حيث المعطى الدلالي والسينوغرافي؟

تجليات الاحتفالية في المسرحية

من أهم تمظهرات النظرية الاحتفالية في هذه المسرحية نجد التعيين الجنسي تحت اسم "احتفال مسرحي" بدل العرض المسرحي أو النص المسرحي وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى انتماء النص إلى المسرح الاحتفالي الذي استبدل كثيرا من المصطلحات كتقسيم الفصول إلى لوحات احتفالية وتسمية الكتاب بالنص الاحتفالي.كما يحمل العنوان عنصر الإدهاش والفانتازيا والتغريب والمفارقة من خلال استخدام التراث في جدلية مع الواقع المعاصر والعزف على إيقاع تداخل الأزمنة:  الحاضر في الماضي والماضي في الحاضر.وتظهر الاحتفالية في اعتبار المسرح حفلا واحتفالا يشمل التمثيل والرقص والشعر والغناء والزجل، والثورة على الدقات التقليدية الثلاث والخشبة الإيطالية بمناظرها وكواليسها وستاراتها ونزع الأقنعة التي تذكرنا بنظرية التغريب البريختية وتكسير الجدار الرابع لأن ابن دانيال ودنيازاد ينطلقان من الصالة ليمرا إلى الخشبة كما في اللوحة الاحتفالية الأولى، وتتجلى أيضا في استخدام الذاكرة الشعبية كاستنطاق خيال الظل المرتبط بابن دانيال وتوظيف السينما والمسرح داخل المسرح (مسرحة الجواري الثلاث لمعلمتهن رباب وهي تصدر أوامرها)، والاعتماد على لغة متنوعة كالحوار والشعر والمنولوج والسرد الحكائي كما نجده لدى ابن دانيال علاوة على لغة الرقص والغناء (لغة الجواري) ولغة التصفيق عند المتلقي. كما تتداخل لغة التراث الفخمة الجزلة ولغة الواقع المعاصر.

وتحضر الاحتفالية في الواقعية الشعبية التي تتجسد في معانقة هموم الفقراء والطبقة الكادحة وتصوير مدن الصفيح ومعاناة سكانها من الطرد التعسفي و الاستغلال والظلم وتهديدات أهل الجاه والنفوذ والسلطة. كما تتجلى هذه الشعبية في ذلك التواصل الحميمي بين الممثلين والجمهور وبين الراوي والطبقة الشعبية وابن الرومي مع أهل حيه. كما تنتهي المسرحية بخاتمة احتفالية تتمثل في الأمل والتغيير والتبشير بمستقبل جديد مادام هناك إرادة التحدي والإصرار والكفاح:

"دنيازاد: أنت واهم يا أبي، ليس هناك إلا عالم واحد ومدينة واحدة... الكلمة التي تفتقر إلى الحركة هي كلمة زائفة تماما كعملة بلا رصيد. وجودنا داخل المدينة وعذابنا أشياء لايمكن القفز فوقها. تعال يا أبي... عذاب الفقراء ماكان يوما فرجة ولن يكون أبدا... تعال..." [25]

وسينوغرافيا، لقد وظف الكاتب تقنيات المسرح الفقير كالستائر والمصطبة والإطارات والنوافذ التي تشكل دور القصدير ودار ابن الرومي والدكاكين الصغيرة والساحة.أما الإكسسوارات والملحقات فكانت وظيفية واحتفالية كعربة خيال الظل والشمع وآلة العود والسبحة والأقنعة والمناشير والكتاب... كما تبدو الموسيقى التصويرية وظيفية تتلون سيميائيا وسياقيا وتتغير بتغير اللوحات والمشاهد الدرامية. و تتخذ الملابس دلالات سيميائية كأثواب الغجر كما عند ابن دنيال وابنته أو لباس العمال كما عند رضوان أو لباس الويسترن الأمريكي كما عند عاشور...إنها دلالات مختلفة ذات شفرة رمزية احتفالية. أما اللغة فهي لغة احتفالية تقوم على الحوار والشعر والرقص والغناء والفصحى والعامية والسخرية والمفارقة والفكاهة اللعبية.كما تتجلى الاحتفالية في تكسير الوحدات الثلاث:  فهناك تعدد الأمكنة (المدينة المعاصرة- بغداد ابن الرومي) وتداخل الأزمنة (الماضي والحاضر والمستقبل) وتعدد الأحداث (قصة ابن الرومي- قصة سكان الحي القصديري مع المقدم) وتركيب اللوحات الدلالية المنفصلة التي تنزاح عن القالب الأرسطي الذي يتميز بالاتساق الدلالي (لوحة المدينة المعاصرة منفصلة دلاليا عن لوحة ابن الرومي على الرغم من وجود التوازي والتماثل البنيوي والإيقاعي).

ويثبت مصطفى رمضاني أن المسرح الاحتفالي، على المستوى السينوغرافي، يعتمد  على: "تقنيات بسيطة وموحية، فالديكور ينبغي أن يكون وظيفيا ودالا، والإنارة تأخذ بعدا سيميولوجيا وكذا التمويج ولا وجود للإكسسوارات إلا إذا كانت وظيفية، أيضا لهذا يكون الاقتصاد في هذا المستوى السينوغرافي ضروريا لأن طاقة الممثل الجسدية هي الأساس في التواصل، أي أن التواصل الاحتفالي ينبغي أن يعتمد على طاقات حية وإنسانية من خلال اللغة والحركة والحوار."[26]

وخلاصة القول:  إن "ابن الرومي في مدن الصفيح" خير نموذج درامي ونص مسرحي يعبر بكل وضوح وجلاء عن النظرية الاحتفالية باعتبارها بديلا للمسرح الغربي الأرسطي، كما أن هذا النص الاحتفالي يشكل مرحلة مهمة في تأصيل المسرح العربي وتأسيسه. ولكن تبقى المشكلة الأساسية في هذا المسرح كما يطرحه النص في صعوبة التحرر من الخشبة الإيطالية ومستلزماتها السينوغرافية والإخراجية التي تتناقض والنظرية الاحتفالية التي تدعو إلى فضاء مفتوح كالساحات والأماكن العمومية والفضاءات المنفتحة وأماكن الحلقة.... ومهما تفهمنا تبريرات ال عبد الكريم برشيد عن استحالة وجود هذه الفضاءات الاحتفالية لأسباب سياسية وأمنية فإننا لن نقبل باحتفالية جزئية تلبس قالبا أرسطيا وغربيا ومضمونا عربيا.
-----

(*) جميل حمداوي (عمرو). باحث في الشؤون الأدبية والفكرية، الناظور-المغرب. يحمل دكتوراه الدولة في الأدب العربي الحديث من جامعة محمد الأول.

الهوامش

[1] - عبد الكريم برشيد: المسرح الاحتفالي، الدار الجماهريية للنشر والتوزيع والإعلان، مصراتا، ليبيا، ط1، 1989-1990، ص:7؛
[2] - عبد الكريم برشيد: الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي: مطبعة الثقافة، الدار البيضاء، ط1، 1985، ص:174-180؛
[3] - عبد الكريم برشيد: المسرح الاحتفالي، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، ط1، 1989-1990، ص:13؛
[4] - مصطفى رمضاني: قضايا المسرح الاحتفالي، منشورات اتحاد الكتاب العرب، سورية بدمشق ط1، 1993، ص: 41؛
[5] - انظر المرجع السابق، ص:83؛
[6] - مصطفى رمضاني: "الاتجاهات الأساسية في مسرح الهواة بالمغرب"، مجلة المشكاة، وجدة، المغرب، عدد:4 السنة، 1985، ص:70؛
[7] - انظر عبد الكريم برشيد: الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي، ص:163-169؛
[8] - انظر عبد الكريم برشيد: الاحتفالية: مواقف ومواقف مضادة، دار تينمل للطباعة مراكش، ط1، 1993،ص:70؛
[9] - مصطفى رمضاني: قضايا المسرح الاحتفالي، ص:196-197؛
[10] - عبد الكريم برشيد: الاحتفالية، مواقف ومواقف مضادة، ص: 5؛
[11] - عبد الكريم برشيد: ابن الرومي في مدن الصفيح، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1، ص:9؛
[12] - نفسه، ص:11؛
[13] - نفسه، ص: 22-23؛
[14] - نفسه، ص:25؛
[15] - نفسه، ص: 41؛
[16] - نفسه، ص:56-57؛
[17] - نفسه، ص: 60-61؛
[18] - نفسه، ص:75؛
[19] - نفسه، ص: 87؛
[20] - نفسه، ص: 91-90؛
[21] - نفسه، ص: 91؛
[22] - نفسه، ص: 95؛
[23] - عبد الكريم برشيد: الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي، ص:214؛
[24] - مصطفى رمضاني: نفسه، ص: 182؛
[25] - عبد الكريم برشيد: ابن الرومي في مدن الصفيح، ص: 95؛
[26] - مصطفى رمضاني: "الاتجاهات الأساسية في مسرح الهواة بالمغرب"، المشكاة، ص: 70؛

للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا

 (اذكر اسم الكاتب/الكاتبة في التعليق)