|
العودة سائحا |
|
رحلة المسافة القصيرة والزمن الطويل
|
|
عدلي الهواري |
|
الجزء الأول: الرحلة من عمان إلى بيت لحم
في شهر أيلول/سبتمبر الماضي، جاءتني فرصة غير متوقعة لتدريب
إذاعيين في مدينة بيت لحم الفلسطينية. ولحسن الحظ أن المواعيد
كانت مناسبة لي، ولا تضطرني لتعديل ارتباطاتي أو رفض الفرصة
بسببها. بدأت الإعداد لرحلتي بعد الاتفاق على التفاصيل مع الشركة
التي تريد تدريب الإذاعيين. حجزت تذكرة للسفر جوا من لندن إلى
عمان، ومنها برا إلى بيت لحم.
في عمان، استيقظت للرحلة قبل السادسة صباحا. وتوجهت إلى مجمع
السيارات العمومية في منطقة العبدلي لأستقل هناك سيارة عمومية (سرفيس)
توصلني إلى جسر الملك حسين، الجسر الذي يربط ضفتي نهر الأردن
الشرقية والغربية، القريب من بلدة الشونة الجنوبية على الجانب
الشرقي، ومدينة أريحا على الجانب الغربي. كنت الراكب الثالث.
وعندما جاء الرابع أصبحت السيارة جاهزة للانطلاق إلى منطقة "الجسر."
خلال ساعة وصلت السيارة إلى مقصدها، وتوجهت مع الركاب إلى المركز
الحدودي.
أبلغت بعد الاطلاع على جوزا سفري أن علي الذهاب إلى القسم الخاص
بالسياح. خلال دقائق تمت إجراءات مغادرة الجانب الأردني. أشير لي
إلى حيث تأتي حافلة لنقل الركاب إلى الجانب الذي يسيطر عليه
الإسرائيليون.
قبل الثامنة والنصف حضرت حافلة، وحملت أمثالي من "السياح" وانطلقت غربا. قبل الوصول لمركز الحدود على الجانب الغربي، توقفت
الحافلة ونزل الركاب ولا شيء معهم إلا جواز السفر. عاين إسرائيلي الجوازات، وانتظر جميع الركاب إلى أن أذن لهم بالعودة إلى
الحافلة.
انطلقت الحافلة ثانية، وأنزل الركاب عند المركز الحدودي الآخر.
هناك يسلم المسافر حقائبه وجواز سفره، ثم يعاد له جواز السفر،
وعليه ورقة ملصقة على الغلاف الخلفي للجواز. بعدئذ، تتجه إلى
الشباك المخصص لمن هم مثلك وتنتظر دورك.
"إلى أين أنت ذاهب؟" سألت المجندة الإسرائيلية.
"إلى بيت لحم."
مجموعة أخرى من الأسئلة التي يفصل بينها لحظات تقضيها المجندة في
متابعة شاشة الحاسوب أمامها:
"هل هذه أول زيارة لك؟ هل معك جواز سفر آخر؟ ما هي مهنتك؟ لماذا
أنت آت؟ إلى أين أنت ذاهب؟ كم من الوقت ستقضي؟"
انتظر بضع دقائق. ولا أدري هل سيطلب مني الانتظار كمن سبقوني أم
لا. أعطيت جواز السفر وورقة ختم عليها أذن بالبقاء ثلاثة أشهر.
انتقلت إلى ما وراء نوافذ ختم وثائق السفر. دقق إسرائيلي آخر في
جواز السفر، وانتقلت إلى قسم الحقائب. يوضع الطابع الذي ألصق على
جواز السفر على قارئ إلكتروني، فإن لم يكن في حقيبتك ما يثير
الشبهة يسمح لك بالعبور إلى حيث تنتظر الحقائب، وإلا طلب منك فتح
الحقيبة للتفتيش. سمح لي بالانتقال إلى حيث تننظر الحقائب، فأخذت
حقيبتي واتجهت نحو المخرج. طلب مني إسرائيلي آخر أن يلقي نظرة
داخل حقيبتي، وسألني إن كان معي اكثر من ألفي دينار أردني، ففي
هذه الحالة يجب التصريح بحيازتها، فقلت: "لا أحمل نصف هذا المبلغ."
بعد أن خرجت من قاعة القادمين تعين علي شراء تذكرة لركوب حافلة
لتنقلني إلى ما يسمى "استراحة أريحا." ركبت مع آخرين الحافلة
التي تنقل المسافرين إلى الاستراحة، وعلى الطريق توقفت الحافلة
وصعد إليها شرطي فلسطيني جمع بطاقات الهوية وجوازات السفر، وعاد
بعد دقائق ونادى الأسماء ليسلم الوثائق لأصحابها.
استأنفت الحافلة رحلتها القصيرة، ووصلت استراحة أريحا. هناك ينزل
الركاب ويتسابق العمال على المساعدة على لتحميل الحقائب ونقلها
إلى حيث يريد صاحبها. ويأتي السماسرة وسائقو السيارات ليجذبوا
الركاب إلى المدن التي تذهب إليها السيارات التي يقودونها: جنين،
رام الله، بيت لحم، وغيرها من مدن الضفة الغربية.
يصطحب السائق الراكب إلى سيارة تتسع لسبعة ركاب. حاول أحد
السائقين أن يعقد معي صفقة ليوصلني وحدي إلى بيت لحم، لكني
أبلغته أني سأبقى في السيارة التي صعدت إليها وأفضل السفر مع
ركاب آخرين. وجلست أنتظر ستة ركاب يريدون الذهاب مثلي إلى بيت
لحم. وبدأت رحلة الانتظار.
منذ الثامنة صباحا كانت حرارة الشمس مرتفعة، فالشونة الجنوبية
حيث مركز الحدود "الجسر" تقع في غور الأردن، إحدى أكثر مناطق
العالم انخفاضا تحت سطح البحر، وعلى الدرجة نفسها من الانخفاض
تقع مدينة أريحا. وتزداد وطأة الحر الشديد على مسافر مثلي يلبس
جاكيتا، ولم يكن لي هدف من لبسه سوى أن تكون الأوراق الضرورية في
جيوبي كي لا أنساها أو أفقدها إذا وضعت في كيس أو حقيبة يدوية.
أتى إلى السيارة رجل مع شابة تغطي رأسها بمنديل ومكحلة العينين.
ينطلق صوت قارئ للقرآن الكريم عندما تتلقى اتصالا هاتفيا. فهمت
من حديثها أن مرافقها أحد أقارب أمها.
"سأكون في بيت لحم بعد ساعة،" قالت لمن اتصل بها.
لا بد أنها قالت ذلك على أساس تجربة سابقة لها، أو لأنها شديدة
التفاؤل. فقد صار المنتظرون ثلاثة، وكلما انتعشت الآمال عند وصول
حافلة جديدة باكتمال عدد الركاب، تبخرت التوقعات. واستمر
الانتظار في الحر الذي يمكن أن يصيب الإنسان بضربة شمس.
طال الانتظار أكثر من ساعتين. وأخيرا اقترحت على السائق أن ينطلق
بنا إلى بيت لحم على أن أدفع له أجرة مقابل الكراسي التي بقيت
فارغة، واشترطت في المقابل أن يعطيني إيصالا لأطالب بالمبلغ
لاحقا من الشركة.
بعد مسافة قصيرة من استراحة أريحا توقفت السيارة عند حاجز
إسرائيلي. تقف السيارة بعيدا عن الجندي الذي يتحكم بالحاجز، ولا
تتحرك إلا عندما يشير لها فتأتي إليه. يسأل الجندي عن البطاقات،
يناوله الآخرون بطاقاتهم، وأحاول فك زر الجيب الداخلي لأخرج جواز
السفر فتتأخر عملية فك الزر. يقرر الجندي ألا ينتظر ويسمح للسائق
بالانطلاق.
تنطلق السيارة إلى بيت لحم عن طريق وادي النار. تصعد السيارة
جبالا، وتهبط وديانا، وكلما بلغنا منحدرا شديدا ضغط السائق على
دعسة البنزين ليزيد السرعة بدل أن يكبح جماح السيارة. في منتصف
الطريق إلى بيت لحم نقترب من حاجز آخر. كانت سيارتنا الثانية
في دور انتظار اشارة الجندي الإسرائيلي. ولما أعطي السائق إشارة التقدم، لم يطلب الجندي منه التوقف
عنده. كان إيقاف السيارات من عدمه عشوائيا. أما في الاتجاه
الآخر فقد بدأت السيارات تصطف، وبدأ خط السيارات الواقفة يمتد،
مما يجعل زمن الرحلة من مكان إلى آخر غير مرتبط بالمسافة بينهما
وسرعة السيارة.
نبدأ بتجاذب الحديث على الطريق إلى بيت لحم. الرجل يقول إنه طبيب،
وسافر في الماضي إلى بريطانيا وإيرلندا. وقد تطوع للعمل دليلا
سياحيا لي. ولفت نظري إلى جدار الفصل العنصري الذي بدأت الحكومة
الإسرائيلية تشييده عام 2003، والذي اعتبرته محكمة العدل الدولية
غير قانوني في حكم أصدرته عام 2004. الشابة لفتت نظري إلى الرسوم
والشعارات المرسومة على الجدار كتعبير عن التحدي له.
وعندما أصبحنا داخل بيت لحم. أشار الطبيب إلى حيث حشد من الشباب
والشابات وقال: "هذه جامعة بيت لحم." وقالت الشابة: "هناك كنيسة
المهد." تدخل السيارة شارع السينما، حيث كانت هناك سينما ذات يوم.
ثم دارت السيارة يمينا، وبعد مسافة قصيرة توقفت أمام مدخل الفندق.
أنزلني السائق وحقيبتي، ودفعت له كما اتفقنا في استراحة أريحا.
حييت الراكبين والسائق، ودخلت الفندق. كانت الساعة عندئذ حوالي
الثانية بعد الظهر.
بعد إتمام إجراءات تسجيل الإقامة في الفندق استلمت مفتاح الغرفة،
وبعد فتح باب الغرفة ووضع الحقيبة في أقرب مكان وجدته لها، توجهت
إلى الحمام، وقضيت وقتا طويلا تحت الدوش.
اضغط هنا للانتقال للجزء الثاني |
|
للتعليق على هذا الموضوع اضغط هنا
اذكر اسم الكاتب/الكاتبة
|
|
اطبع الصفحة
بدون صور وهوامش
|