|
لملمت ما تبقى من كرامة
لتحتويها حتى نهاية الدرب، ربع قرن أو يزيد كانت كفيلة بتحرير أعتى المشاعر، أيام،
شهور، سنين، ليل، نهار، شتاء، صيف، دولاب الحياة كما طاحونة عتيقة تئن من أسيادها،
ولكن لا بد من الدوران والدوران والدوران، تسحق أنفاس قدر لها أن تحاول اقتحام
حاشية هامش الحياة، الحاشية فقط.
سدود وسواتر وترسانات
قوى الأرض تحاصرها، هي بالتأكيد لا تستطيع اختراقها، قدر لها أن تقبع دوما في ظل
الظل، أو في ظلمة الظل، أو أي بقعة غير معقولة أو مقبولة في أساسيات الحياة
الطبيعية.
تهمتها !! فعلت بعض ما
أنعم الله عليها من (تفكير) وتحليل، غالبت التعب والنوم لتنعم ببركة وخيرات
المعرفة، وعلى بساط الريح وربما على متن العصا السحرية، انطلقت مع تلك القراءات عبر
الأزمان، والأماكن، وتقلبات البشر، وحنان الطبيعة الأم، وفلسفات الفلاسفة، ومكتبات
عتيقة علاها الغبار، ومؤلفات حديثة تنتظر قارئ ربما يلمح عنوان الكتاب في أحد
المطارات،
تهمة لا تغتفر، وحكم
غير قابل للنقض في وسط ارتأى أن تتبخر فيما تعد أطباق الطعام أو تلميع زجاج
الكريستال وغرف الاستقبال.
قررت أن تعيش
بازدواجية، اختارت لها شركاء في الجنة من صالحين وأصحاب أقلام نظيفة، ودعاة طالبوا
بحقها أن تعيش كبشر كامل وتام الحقوق.
أما تهمتها الثانية
(وهي المسؤولة عنها بالدرجة الأولى) فقد احتوت قلبا ضعيفا يشفق حتى على كلاب الحي
التي تنبح في ليالي الصقيع، وعلى النمل الذي تدوسه الأقدام فيما هو يكد لخزن قوت
الشتاء، فما بالك بالبشر.
ومن باب الأولى
فالأولى، فقد أفرغت مجمل دقائق الحب نحو العناية به، وإحاطته بكل ما يضمن السرور
والحظ السعيد لأي كائن بشري يحلم بحياة هانئة مستقرة،
ربما اغترفت الكثير من
(حصتها في الاستقرار) حتى تزعزت الأرض أو كادت أن تميد بها (لولا أن تداركه نعمة من
ربه).
بحثت في أطلس الأرض،
وفي بطون الكتب، وحتى في علوم الفضاء، بحثت عن بقعة صغيرة، بحجم قبضة اليد فقط،
بقعة لا يمكن أن يصلها أي من مخلوقات الله.. بقعة تدفن بها الحب الكبير، غير آسفة،
فقد مضت الأيام، واكتنزت المعدة بوصفات الأطباء، وأصبحت النظارات السميكة سبيلها
الوحيد لرؤية الأشياء، واقتربت الشمس من المغيب.
ستعود للظل، أو ظلمة
الظل، وتعود لموقعها القسري في هامش الصفحة، ولكن لن تعود أبدا لنبش تلك البقعة
الصغيرة التي احتوت دفينتها. |