|
تعيش
عائلة سلوى في المدينة، وسلوى طفلة صغيرة في العاشرة من عمرها، ولعائلتها بيتٌ
كبيرٌ جميل، يقعُ فوق تلة عالية، وله حديقة جميلة، مزروعة بأنواع كثيرة من الأشجار
المثمرة، بالإضافة إلى الكثـــــير من الورود والأزهار، ذات الروائح الزكية العطرة،
والتي تزيدُ المكان جمالا وروعة.
وفي الحديقة بركة للسباحة، تتوسّط دائرة من الأشجار التي تكاد تخْفيها. وفي ساحة
هذه البركة، التي يزيّـنها بلاط ذو ألوان متناسقة، وأشكال بديعــة، توجد مجموعة من
الطاولات والكراسي للاستراحة، واستقبال ضيوف العائلة فـي ليالي الصيف الجميلة، حيث
يكون الجو معتدلا ، والنسيم عليلا ، والسماءُ صافية تتلألأ بقمرها ونجومها، وحيث
يحلو السهر والسمر، في لقاءات الأهل والأصدقاء في هذا الجوّ الساحر.
يملك والد سلوى مزرعة كبيرة، لا تبعد عن المدينة كثيرا، وقد بنى فيها بيتا فخما.
وبالقرب من البيت، بركة ُسباحة شبيهة بتلك التي في بيت المـــــدينة، وفي تلك
المزرعة، يعمل الكثير من العمال، في الأعمال الزراعيــــة المختلفـــــة، كحراثة
الأرض وزراعتها بمختلف أنواع الخضروات والحبوب، والعناية بالأشجار، وجنـْي المحصول
وبيعه في المدينة.
وكان لهؤلاء العمال رئيسٌ يُشرف على أعمالهم، وهو مهندسٌ زراعـي ذو خبرة طويلة،
وكان هو المسؤول عن تأمين كل ما تحتاجه المـزرعة من الأسمــدة والبذور، وكل ما
يتعلق بشؤونها الزراعية. وكان لهؤلاء العمال سكنٌ خاص في المزرعة، تتوفر فيـه كل
الحــاجـــاتُ الضرورية، وينام فيه من تضطره ظروف العمل، أو بُعـْد السكن لذلك.
والكثير من أهـالي المدينـة، وحتى بعض أهالي القرى، كان لهـم مــزارع مماثلة، كان
معظم سكان تلك البلاد ينعمون بالراحة والطمأنينة، والخير والسلام والمحبة. تملأهم
القناعة، ورضـا النفس، وراحة البال والضمير.
اعتادت الأسرة ُفي الصيف، أن تذهب في عطلة نهاية الأسبوع إلى المزرعة، وتقضي العطلة
هناك. كانت سلوى تحبُ الذهاب إلى المزرعة كثيرا، فليس عليها هنـــــاك أن تحـــلّ
الواجبات الدراسية، أو مراجعة دروسها، حيث كانت تحرص على إنهائها مســــــاء اليوم
الذي الذي يسبق يوم التوجـه إلى المزرعة، لذلك فإنها ستقضي الوقت كله فـي اللعب،
وقطف الثمار، والتفرّج على ما في المزرعة من بيوت الدجاج والأرانــــــــب وأحواض
البط والإوز، والسباحة في البركة.
ولكن أكثر ما كانت تحبه سلوى، هو متابعة النحل، وهو يقفُ على الأزهار، ويمتصّ
الرحيق، ليصنع منه العسل. وكانت في جانب من المزرعة بيوت كثـــــــيرة لخلية كبيرة
من النحل. وكان المهندس الزراعي، قد شرح لسلوى، كيــــف يجمــــعُ العمّال العسل،
ويتركون جزءا منه للأكل، ويبيعون الباقي في المدينة، وأن العســل مادة غذائية
ممتازة، وفيه شفاء للكثير من الأمراض.
اقتربت سلوى يوما من نحلـــة تقف على زهـرة. وقفت إلى جانبــها بهـدوء وقالت بصوت
ناعم رقيق:
"صباحُ الخير أيتها
النحلة الجميلة، أنا أحبــــك، لأنك حشرة مفيدة، تصنعين العسل طعامـا وشفاء للناس،
ولا تعتدين على أحد إلاّ إذا اعتدى عليك، فهل يُمكن أن أصبح صديقة لك؟"
قالت النحلة: "صباح
الخير يا حلوة، وأرحبُ بك صديقة رائعـــة، فنحن نحب الأطفال ولا نؤذيـهم أبدا،
كمــــا نحـــب الخير لكل الناس، فما اسمك أيتها الصغيرة؟"
قالت الطفلة: "سأكون
سعيدة جدا بهذه الصداقة، اسمي سلوى وأنا ابنة ُصاحب المزرعة."
قالت النحلة: "ستكونين
يا سلوى صديقة كلّ النحلات في الخليــّة، سأنقلُ رغبتك للملكة، لتطلب من الجميع أن
يكونوا أصدقاء لك."
قالت سلوى: وهل لديكم مملكة لتكون لكم ملكة؟
قالت النحلة: "لدينا
مملكة منظمة جدا، نعمـــل فيها جميـعا بجــــدّ ونشـاط عـــدا الذكور، ولا تخـالف
نحــلة نظــام الممــلكة، وإن خالفــتْ تعاقب، ولنا ملكـــة، والعسـل الـذي نصنعـه
لغــذاء الملكـة هــو أفضـــــــلُ أنواع العسل، وكلّ نحلة فينا تعرف عملها، وتلتزمُ به، بمساعدة ومشـاركة من الجميع."
قالت سلوى: "حين أعود
إلى البيت، سأجلسُ إلى جهاز الحاسوب، وعن طريق شبكة الإنترنت، سأتعـرّف إلى الكثير
من المعلومات عن النحل."
قالت النحلة: "وما هو
جهازُ الحاسوب هذا؟"
قالت سلوى: "إنه جهازٌ
يحتوي شبكة معلومات حديثة متطورة، عن كــلّ ما يطلبه الإنسان، إنه أحد الاختراعات
العلميــــة المثـــيرة لإنسان هذا العصر."
ودّعت سلوى النحلة على أمل اللقاء في اليوم التالي في نفس المكان، وحين عادت سلوى
إلى البيت، جلست إلى جهاز الحاسوب، وطلبت معلومات عن النحل. قرأت الكثير الكثير،
فعرفت أن للنحلة اثنتين من العيون المركبة على جانبــي الرأس، وتستخدم للرؤية من
مسافات بعيدة، وأن لها ثلاث عيــــون بسيطة، وتحــتل أعلـــى الرأس لرؤية الأشياء
القريبة، وحاسة الإبصار عند النحلة قوية جدا، كما أنها تعرف طعم الأزهار وتميز
بينها بواسطة حاسة الذوق.وحين تجد النحلة مصدرا للغذاء، تخبر زميلاتها عن طريق
الرقص ، بمكانـه وبُعـْد مسافته.
وعرفتْ أن جميع النحلات
في الخلية مـن الشغالات، تجمعُ الرحيــق، وتصنعُ العسل، وتحرسُ الخلية، وتعمل على
تهويتها بتحريك أجنحتها. أما الذكــور فلا يعملون، ولا فائدة منهم، إلاّ انتظار أن
يتزوج أحد منـهم الملكة فقط.وعرفـــــت سلوى كذلك، أن وظيفة الملكة هو وضع البيض
فقـط، لتعويض الخلية عن النحـــــل الذي يموت، فعمر النحلة لا يتجاوز الأسابيع
الستة.
ومع إشراقة الشمس في الصباح، توجّهت سـلوى إلى حيث التقت بالنحلـــة أمس، وكانت
النحلة تقف على زهرة أخرى من نفس الشجرة.
قالت سـلوى: "صباح الخير يا صديقتي النحلة."
ردت النحلة: "صباح الخير
يا سلوى."
قالت سـلوى: "لقد قرأتُ
الكثير بالأمس عن مملكة النحل، وهي مملكـــــة للنظام والحب والخير، مملكة ُالعمل
والتعاون والمشاركة، ما أجمل هذه المملكة الرائعة."
قالت النحلة: "وأنا
نقلتُ رغبتك بصداقتنا للملكة، ورحبتْ بذلك، وطلـــبت من جميع أفراد الخلية أن
يكونوا أصدقاء لك، يحبـــــــونـك ويدافعون عنك إن تعــرضْت لأي خطــــر،
ويقدمـــون لـــك المساعدة في كل ما تطلبين."
جلست سلوى في ظل
الشجرة، وكانت قد أحضرت معها إحدى قصص الأطفال، بدأت تقرأ فيها، وتستمتع بأحداثها
الجميلة.
حطت ذبابة على ورقة من
أوراق الشجرة، قريبة من الزهـــرة التي تقف عليها
النحلة وقالت:
"يبدو أنك قد أصبحت صديقة لتـلك الطفلة أيـتها النحـــلة. لمــــاذا
لا تكــونين مثــلي عـــدوة للأطفـال؟ تلسعينـهم فيتـــألمون ويبـــكون ويمرضون،
لماذا تصنعين العسل الذي يأخذه الناس بعد جهد وتــعب كبير من جميع النحلات، ولا
يقدمون لكنّ شيئا بالمقابل؟"
قالت النحلة: "هكذا
خلقنـا اللــه تعــــالى، نحبُ الخير للناس، ونصنعُ العسل طعامـا وشفاء لهم، وهم
يزرعون الأشجار والأزهار، كما نحب الأطفال كثيرا، لأنهم مثل الملائكة، وهم أحبــاب
الله. انظــــري لتلك الطفلة، كم هي بـريئة وجميلة، كيف لا أحبهـــا؟"
قالت الذبابة: "أنا لا
أحب الأطفال ولا الجــمال، أحب الأوساخ والأمـــراض، وأحــب إيذاء الآخرين ونقل
المرض إليهم،سأريك مـــاذا سأفعل بهذه الصغيرة، سأطير نحوها، وأقع على عينها وأسبب
لها المرض."
وقبل أن تقول النحلة شيئا، طارت الذبابة، وحاولت أن تقف على رموش عــين سلوى، إلا
أن سلوى هشـّـتها بالكتاب الذي بيدها، فعاودت الذبابة الكــرة، وعـاودت سلوى
طـــرْدها.
كانت النحلة تحوم
حـــول رأس سلوى، تحــاول أن تلسع الذبـابة لتقتلها، ولكــن اقتراب الذبابة من وجه
سلوى منعها من ذلك، حتى لا تؤذيها.
وبقيت الذبابة تدور
قريبة من وجه سلوى، والنحلة تحاول اصطيادها. وانتـهزت سلوى فرصة مواتيـــة، فحملت
غصنــا من الشجرة كان علـى الأرض، وضربت بـــه
الـذبابة فوقعت على الأرض، فسارعت سلوى لدهسها بقدمها.
قالت النحلة: "ذكية ٌوقوية أنت يا سلوى، فقد استطعت التغلب على الذبابة بسهولة، لقد
سارعتُ لمساعدتك، ولكنها بقيت قريبة من وجهك، فلم أتمـــكن من لسعها وقتلها."
قالت سلوى: "شكرا لك
أيتها النحلة الطيّبة، أعرف أن الذبابة من الحشرات الضارة
التي تنقلُ الأمراض للناس، وخاصة الأطفال. وهــــي وأمثالــــها من الحشرات تستحق
الموت."
قالت النحلة: "احذري من
تلك الحشرات يا سلوى، وحافـــظي على النظافـة دائمـــا، ولا تقتربي من أماكن تجمع
الأوساخ، أو المياه الراكدة، فهي الأماكن التي تتكاثر فيها هذه الحشرات."
قالت سلوى: "شكرا لنصيحتك، وأنا قد تعلمت ذلك في المدرسة. سأعود الآن إلـــى البيت،
ونلتقي هنا صباح الغد."
وفي صباح اليوم التالي،
وبينما كانت سلوى تسيرُ بين الأزهار، فرحة بحسنها وجمالها وألوانها، منتشية بعــطر
أريجها، رأت جـرادتــين تأكلان بعض المزروعات بنهم شديد. خافت سلوى كثيرا، فقد
تذكرت ما تعلمته في المدرسة عن هـذه الحشرة، ومـا قالتــه معلمـة العــلوم وقـتـها،
مـن أن الجــراد مـن أخطـــر الحشرات وأكثرها ضـررا، فإذا وقع الجراد في بلد ما،
فإنه يــأكل الــزرع والشجر، ولا يُبقي ولا يذر، يخـرّب المزارع والبساتين،
ويعيــدها أرضـا قاحلة كالصحراء. وبذلك فهو يدمـّر اقـتصاد تلك البـلد الزراعي،
ويلـــحق بأهلها خسائر فادحة، وقد يمتد الخطر الداهم إلى البلدان المجاورة.
وتذكرت سلوى مما تعلمته
كذلك، من أن مكافحة الجراد أمر صعب جـــدا، فأسرابهُ لا تـُعـدّ ولا تحصى، وهـو
يحتــاج آلات وطائـــرات لـــرش المبيدات، وطاقة بشرية هائلة، لا تتـوفّـّر في
بلدها. ماذا تفعل إذن؟ احتارت الصغيرة، هل تخــــبرُ والـدها؟ ومـا الذي يستطيع
فعله؟ سيخـبرُ أصحاب المزارع من حـوله، وسيخبر الجهات المختصة فــي الــدولة، وقد
تـخبر الـــدولة جــيرانها من الــدول الأخــرى، وسيضيع الوقت، وتقع الطامة، قبل أن
يتفق الجميع على رأي واحد.
مـاذا أفعـلْ؟ قالت
الصغيرة. ساعدني يا رب، واهـْـدني إلـى فكرة يمكن بواسطتها إنقاذ الوطن، وقبل أن
تضيع الفرصة. فجأة، قفز إلى خاطر سلوى حـل معقول. لمــاذا لا تستـــعين بصديقـتها
النــحلة؟ ركضـت الصغـــيرة نحـو الشجـرة التـي تقـف عليها النحلة عادة، وفي وجهها
خوف، وفي عينيها دمـوع.
قالت النحلة: "ما بالك يا سلوى؟ ما الذي يخيفك يا صديقتي؟"
قالت سلوى: "لقد
شاهدت "جــرادتين" بين المزروعات، وأنـت تعلمـين أن الجراد إذا نزل بأرض جعـــلها
خرابـا، وأكل الأخضـــــــر واليابس، إنني أخاف على المزرعة. والمزارع المجاورة بل
أخاف على البلد كله."
قالت النحلة: "لا تخافي
يا سلوى، تعالي دُلـّيني على مكانهما."
ركضت سلوى، والنحلة تتبعُها، حتى وصلتا إلى المكان، فوجدتا فيه جرادة واحـدة، كانت
تلتهمُ المزروعات بلا توقف.
قالت النحلة: "أيتها الجرادة، ارحــلي من هنــا."
قالت الجرادة: "ولماذا
أرحلْ؟ وماذا يعنيك هذا؟ لقد أرسلـني قائـــد السرْب الذي أتبع له، مع صديقة لي،
لنبـــــحث عـن مزرعة مناسبة نرحل إليها، وقد وجدْنا هذه المزرعة الخضراء الواسعة،
فبقيت أنا هنا، وعادت صديقتي، لتخبر القائـد، وستصلُ أسرابٌ لا عـدّ لها خلال
ساعات."
قالت النحلة: "نحن معشر
النحل لا نحب الضرر، ولا الذين يضرون، والجراد حشرات ضارة، تأكـل الزرع والشجر
الــــذي نمتصّ منه الرحيق، ونصنع العسل، فهيا ارحلي مــن هنا، وابتعدوا عن هذا
المكان ولا تقربوه."
قالت الجرادة: "وإن لم
أرحل، ماذا أنت فاعلة؟"
هاجمت النحلة الجرادة، فطارت هاربـــة، وتبعتْها النحــلة، واستمرت المطاردة ُحتى
تمكّنت النحلة من الجرادة فلسعتها فوقعت ميتة.
قالت النحلة: "لا تخافي يا سـلوى، فلن يلحق المزرعة أي ضرر، عودي إلى البيت،
واطمئني."
عادت النحلة إلى الخلية بسرعة، وأخبرت الملكة بما حدث، وما سيحدث إن جاء الجرادُ
إلى هذه المزرعة.
قالت الملكة: "لا بد أن
ندافع عن هذه المزرعة، إن فيها عيشنا وحياتــنـا، ولا بـد أن ندافع عن جميع
المـزارع في هذا البلد، ففيـــــــه تعيشُ صديقاتنا، ويعيش أهله الطيبون."
واستدعت
الملكة حالا مجموعة المستشارين، وقائـدات مجموعة حراسة الخلية، وشرحت لهنّ خطورة
الوضـع، واستمعت لاقتراحاتهن، وتمت مناقشتها، حتى تم التوصل إلى خطة محكمة.
طارت فورا، مجموعة من النحلات، إلى خلايا النحـل المجاورة، تشرح للملكات فيها خطورة
الوضع، وخطة ملكتهن لمواجهة الموقف، لأنــه لم يــــكن هناك وقت للاجتماعات
والمناقشات والاتفاق على القرارات. وعادت الرسل إلـى الملكة تبشـّرها بالخير،
وباستعداد الجميع لمحاربة الجـراد صفــا واحــدا، وتحـت قيادتها.
وحين بدأت أسـراب الجراد تقتربُ من الموقع، انطلقتُ أسرابُ النــــحل تملأ الفضاء،
وأحاطت بالجراد من كل ناحية، وفـْق الخطة الموضوعة، وبــدأت تلسعه فيتساقط ميتــا،
وبهـــــذا استطاع النــحلُ القضـــاء على جمــــيع الجــراد، وخلــّص البلاد من
الخراب بوحدته وقوته، وإيمانه بالوطن. |