عدلي الهواري

المركزية الأوروبية: بين الفرض والرفض

عدلي الهواري ناشر مجلة عود الند الثقافيةالمركزية الأوروبية (Eurocentrism) مصطلح متداول كثيرا وخاصة في الأوساط الأكاديمية. وتتعرض دراسات كثيرة حول شؤون غير أوروبية لانتقادات على أنها تنظر إلى الأمور من منطلق المركزية الأوروبية. ومن اشهر منتقدي المركزية الأوروبية، سمير أمين (1987)، وقد عرفها بأنها:

ظاهرة ثقافية، بمعنى أنها تفترض وجود ثوابت ثقافية مميزة تشكل المسارات التاريخية للشعوب المختلفة. ولذلك، فإن المركزية الأوروبية معادية للكونية [العالمية] لأنها غير مهتمة بالسعي إلى قوانين عامة محتملة للتطور الإنساني. ولكنها تقدم نفسها ككونية، لأنها تزعم أن تقليد جميع الشعوب النموذج الأوروبي هو الحل الوحيد لتحديات عصرنا (ص vii).

يمكن المرء أن يلمس مظاهر للمركزية الأوروبية في أمور من قبيل تشجيع الدول النامية على تطبيق ما يجري تطبيقه في الدول الغربية، فعندما تنتشر ظاهرة المنظمات غير الحكومية في الغرب، تبدأ حكومات الدول الغربية بتشجيع وجودها في الدول الأخرى. وعندما يبدأ الغرب في الحديث عن المجتمع المدني ومنظماته في دوله، يصبح هذا مطلبا في الدول الأخرى. وعندما تخصص الشركات العامة في الدول الغربية، تصبح الدول الأخرى مطالبة ببيع الشركات العامة، وهكذا.

ونظرا لتزايد محاولات الانتقال في العالم إلى نظم ديموقراطية، توجه انتقادات لاعتبار المركزية الأوروبية مرشدا في هذا الشأن. وفي ما بتعلق بالعالم العربي، يقول العربي الصديقي (2009): "إن نماذج المركزية الأوروبية، وخاصة المتعلقة بالدمقرطة، لا يمكن تطبيقها بسهولة في التجارب الديموقراطية العربية (ص 10)، ويضيف أن "طرائق ومفاهيم المركزية الأوروبية تأبى التحويل" (ص 11).

وكثيرا ما يواجه الباحثون المهتمون بشؤون الدول غير الغربية، كالعالم العربي مثلا، بأن نظرتهم للأمور وأسس تحليلاتهم منطلقة من المركزية الأوروبية، حتى لو ذكر المرء صراحة في بحثه أو دراسته أنه واع لهذا الأمر، وليس منحازا للمركزية الأوروبية.

ضمن السعي إلى اعتماد معايير لتقييم الديموقراطية في بلد ما، حاول ديفيد بيثام (1994 ص 26) تفادي اختيار معايير يمكن اعتبارها معتمدة على المركزية الأوروبية، ولا تأخذ بعين الاعتبار "مؤسسات وإجراءات غير غربية تقدم طرقا بديلة حقيقية لتحقيق الديموقراطية".

غلاف كتاب المركزية الأوروبيةويأخذ التعبير عن رفض المركزية الأوروبية أشكالا أخرى من قبيل رفض فكرة المعايير الكونية/العالمية حتى في ما يتعلق بالحقوق والحريات، واعتبار ذلك نوعا من الهيمنة. من هؤلاء شانتيل موف (2008، ص 454) التي تتفق مع وصف كارل شمت للعالم بأنه ليس كونا واحدا (universe) بل أكوان متعددة (pluriverse)، وترى إشكالية في قبول كل الثقافات لفكرة حقوق الإنسان.

في ضوء ما سبق، تستحق ثلاث مسائل الوقوف عندها ومناقشتها. الأولى مسألة النماذج الديموقراطية البديلة، والثانية وحدة أو تعدد المعايير، وتفضيل وجود عالم متعدد الأقطاب. والثالثة إمكانية تفادي المركزية الأوروبية تماما.

يتم أحيانا اطلاق صفة ديموقراطي على تقليد ما على أساس غير موضوعي، ودون تعريف محدد للديموقراطية (1). ففي أفغانستان هناك تقليد يعرف بـ"لويا جرغا"، وهو مجلس يتكون من ممثلي القبائل الأفغانية. وبعد الغزو الأميركي لأفغانستان، تم استخدام فكرة "لويا جرغا" ليبدو أن النظام الذي سيقام في أفغانستان ديموقراطي ذو صيغة محلية.

ويعتبر فيليب حتي (1948، ص 15) أن القبيلة العربية مبنية على أساس ديموقراطي، فهو يري أن شيخ القبيلة ليس صاحب سلطة مطلقة في الشؤون القضائية والعسكرية وغيرها من قضايا تهم القبيلة، وعليه التشاور مع مجلس القبيلة المكون من رؤساء عائلاتها. ويضيف أن الفرد في القبيلة وشيخها يتعاملان معا على قدم المساواة.

ومع تزايد الانتقادات في الغرب لمظاهر مختلفة من ممارسة الديموقراطية، من قبيل العزوف عن المشاركة في الانتخابات، أو اتخاذ القرارات قبل أن يجري حولها ما يكفي من المداولات، ظهرت وتظهر مبادرات لتعالج أمر المشاركة في الانتخابات وصنع القرار وخلافه. وهناك من يرى تجارب مشجعة في بعض دول أميركا الجنوبية وأفريقيا تهدف إلى المزيد من المشاركة الشعبية. تستحق التجارب الخلاقة كل الترحيب، وأي بدائل أفضل تستحق الاستفادة منها عندما تثبت فاعليتها. ولكن في كل الأحوال يجب التمحيص في ما يقال عن هذه التجارب.

وبالنسبة إلى تعدد الأقطاب في العالم، هناك تصورات لإمكانية تغير مراكز الثقل في العالم. ومن الدول المرشحة لذلك الصين والهند والبرازيل فهي دول كبيرة من حيث المساحة وعدد السكان. هذه التصورات تحتاج إلى تمحيص أيضا، فمن الخطأ اعتبار تعدد الأقطاب تطورا إيجابيا في حد ذاته، دون النظر إلى التطبيقات العملية لهذا التعدد. ومن الضروري عدم الخلط بين رفض الهيمنة واعتبار نماذج لا تضع حقوق الإنسان وحريات وكرامته على رأس الأولويات نماذج مقبولة.

ومثلما تنتقد جوانب القصور في النماذج الغربية، يجب ألا يتم غض الطرف عن جوانب القصور في التجارب الأخرى، والتحديات الكثيرة والكبيرة على طريق طرح بدائل أفضل للبشرية. الهند على سبيل المثال لا تزال تعاني من انتشار الفقر انتشارا كبيرا. ولو تحولت الصين إلى الدولة الأقوى في العالم بنموذجها الحالي، الذي لا يزال اسميا شيوعيا، فإن المفاضلة بين هذا النموذج والنماذج الغربية الحالية ستكون لصالح الثاني.

وبالنسبة للمعايير، هناك الكثير من الخلط بين المعيار نفسه وبين التطبيق، فمن ناحية هناك رفض لوحدة المعايير، ومن ناحية أخرى اتهامات محقة بشأن عدم الصدق في تطبيقها، كأن تنتقد انتهاكات حقوق الإنسان في بلد، ويغض الطرف عنها في آخر.

إذا قيض للمرء أن يختار بمحض إرادته من مجموعة معايير تتعلق بحقوقه وحرياته، سوف يختار الأفضل. على سبيل المثال، عندما يكون هناك معيار معتمد على حرية التعبير والمعتقد، وآخر لا يؤمن بذلك، فإن الإنسان سيفضل الأول. وبناء على ذلك، لو افترضنا وجود معايير مختلفة، أفريقية وهندية وصينية وأوروبية وغير ذلك، وعقد المرء مقارنة موضوعية بينها، سنجد في المجمل أن المعايير المتعارف عليها دوليا في الوقت الحاضر هي الأفضل. وعندما تظهر معايير أفضل تقترن بالممارسة، فعندئذ تصبح هناك أرضية صلبة لانتقاد المعايير الدولية والسعي إلى استبدالها بالأفضل.

أما عدم التوافق بين المعايير والممارسة، فهذا يتطلب توجيه النقد للنفاق وعدم الانسجام في التطبيق، لا أن ترفض فكرة وجود معايير، أو ترفض المعايير نفسها. وسيكون جميلا وضع معايير أفضل وربط ذلك بممارسات لا تحيد عنها. ولكن الواقع حولنا يقدم لنا الكثير من الأدلة على أن البون بين المبدأ والممارسة شاسع، ليس في ما يخص الدول الغربية، بل ينطبق على كل الدول. ويشمل ذلك تطبيق القوانين المحلية. ولذا هناك صراع دائم من أجل أن يكون المبدأ والتطبيق متلازمين.

المسألة المتبقية هي: هل يمكن رفض المركزية الأوروبية تماما؟

تقول باربرا غيديس (2004، ص 2) إنه تمت كتابة الكثير من الدراسات الجيدة المتعلقة بالانتقال الديموقراطي، ولكن القليل من تفسيراتها العامة التي طرحت تنطبق على جميع الحالات. ولكنها في الوقت نفسه تدعو إلى وضع أسس لاعتبار "نموذج أو مفهوم أو طريقة متسما بالمركزية الأوروبية كما عرفها سمير أمين".

أتفق مع رأي غيديس، فهناك استسهال لتوجيه تهمة المركزية الأوروبية، فالأفكار لا ترفض لأنها أوروبية أو لأنها عربية لو كانت عربية. إذ لا عيب في الاستفادة من أفكار الآخرين وتجاربهم، وهذا هو الوضع الصحي، فردا على فكرة "صراع الحضارات" التي لاقت رواجا كبيرا بعد كتاب بهذا العنوان لسامويل هنتغتون، قال إدوارد سعيد (2008) في معرض انتقاد هنتنغتون: إن الثقافات ليست "كيانات مغلقة ومعزولة" وإنه جرى بينها عبر التاريخ "التبادل والتلاقح والمشاركة".

في رأيي أن تفادي المركزية الأوروبية تماما غير ممكن، فطالما هناك فجوة في درجة التقدم بين الدول الأوروبية/الغربية وغيرها في العالم، سوف يستمر التأثر بأفكارها وتجاربها. ولو كان الوضع معكوسا وكان العالم العربي هو المتقدم أكثر من غيره، لنشأت فكرة "المركزية العربية". الممكن هو نقد ورفض الجوانب التي تستحق ذلك، وخاصة تلك التي تسعى إلى فرض الهيمنة، وفي الوقت نفسه الاستفادة مما هو إيجابي وبناء من أفكار وآليات ووسائل.

= = = =

(1) للاطلاع على مناقشة لتعريف الديموقراطية، انظر:

الهواري، ع. 2009. "الديموقراطية والإسلام: متعارضان؟". عود الند. العدد 39، أيلول/سبتمبر 2009.

http://www.oudnad.net/39/adli39.php

المراجع (جميعها بالإنجليزية)

Amin, S. 1989. Eurocentrism. New York: Monthly Review Press.

Beetham, D. ed. 1994. Defining and Measuring Democracy. Thousand Oaks: Sage Publications.

Geddes, B. 2004. Authoritarian Breakdown [Online] Available at:

http://www.international.ucla.edu/cms/files/authn_breakdown.pdf

Hitti, P. K. 1948. The Arabs: A Short History. London: Macmillan.

Huntington, S. P. 1993. The Clash of Civilisations. Foreign Affairs 72(3), pp. 22-49.

Mouffe, C. 2008. Which World Order: Cosmopolitan or Multipolar? Ethical Perspectives 15(4), pp. 453-467.

Sadiki, L. 2004. The Search for Arab Democracy: Discourses and Counter-Discourses. London: Hurst & Co. Publishers.

Sadiki, L. 2009. Rethinking Arab Democratization: Elections Without Democracy. Oxford: Oxford University Press.

Said, E. 2001. The Clash of Ignorance. The Nation, 4 Oct 2001.

Schmitt, C. 1996. The Concept of the Political. Chicago: University of Chicago Press.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3179759

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC