عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 8: 84-95 » العدد 92 » كلمة العدد 92: تجدد الجدل حول العربية الفصحى والعامية

عدلي الهواري

كلمة العدد 92: تجدد الجدل حول العربية الفصحى والعامية


د. عدلي الهواريدارت في المغرب في الآونة الأخيرة نقاشات حول الدعوة إلى استخدام اللغة العربية الدراجة بدل الفصحى في التعليم. وجرت في هذا السياق مناظرة تلفزيونية بين مطلق الدعوة، نور الدين عيوش، والمؤرخ المغربي، عبد الله العروي.

النقاشات حول الموضوع كانت ساخنة، وأستهدف من الإشارة إليها توسيع دائرة الضوء لتشمل جوانب مختلفة من المواقف تجاه اللغة العربية التي تبرز بقوة من حين لآخر.

في دراستي الابتدائية وما بعدها، لم تكن الفصحى اللغة التي يستخدمها الأساتذة في التدريس، ولا حتى في دروس تعليم النحو.

الأساتذة الذين علموني في مختلف المراحل قبل الجامعة كانوا يتحدثون باللغة الدارجة (العامية/المحكية)، إلا إذا تطلب السياق، وخاصة في دروس اللغة العربية من نحو وخلافه، ودروس التربية الإسلامية. أما في غير ذلك من مواد، كالاجتماعيات والرياضيات والعلوم، فالأستاذ كان يستخدم اللغة المحكية.

كانت دروس اللغة العربية تشمل ما يسمى الإنشاء أو التعبير، أي كتابة نصوص حول موضوع يحدده الأستاذ أو يختاره الطالب، وهذه كانت تكتب بعربية فصحى، وتكون المقدرة على الكتابة بها على درجة التمكن من قواعد النحو والإملاء.

تكاد تجمع الآراء على تراجع مستويات التعليم في العالم العربي. الأسباب كثيرة، فمن غير الممكن أن تعاني الدول العربية من مشكلات اقتصادية واجتماعية وسياسية، وفي الوقت نفسه يبقى قطاع التعليم في منأى عن ذلك.

ما كنا نتقنه من قواعد النحو والإملاء بعد عشر سنوات من التعليم لم يعد يتقنه الكثير من الشابات والشباب في الجامعات، فقد كان هناك تركيز على قواعد الإملاء والنحو ووضوح الخط.

زاد الطين بلة ظهور الحاسوب والإنترنت، وغياب اللغة العربية منهما في البداية. ولذا تم طوعا استبدال الحروف العربية باللاتينية. ومع أنه تم الاهتمام باللغات الأخرى وصار من الممكن الكتابة بأي لغة باستخدام الحاسوب، إلا أن الحروف اللاتينية لا تزال تستخدم في كثير من الأحيان.

تبين بعد انتشار الإنترنت مدى ضعف مستويات الكتابة بلغة عربية سليمة، وتبين وجود أعداد كبيرة ممن يكتبون "أحسنتي" أو "أبدعتي" بدل أحسنت وأبدعت عند استخدام صيغة المخاطب المؤنث.

ولكن الضعف في إتقان اللغة العربية ليس مقتصرا على الشابات والشبان، جيل الحاسوب والإنترنت، فقد شاهدنا على شاشات التلفزيون مسؤولين وسياسيين وقضاة لا يحسنون قراءة نصوص كتبت لهم، ومن المؤكد بالتالي أن مقدرتهم الكتابية أسوأ.

وهناك أيضا انتشار للمزج بين العربية والإنجليزية في الحديث، إما بحكم تلقي التعليم بلغة أجنبية، أو بحكم التكنولوجيا التي فرضت استخدام بعض المفردات.

ثمة من تنبأ باندثار اللغة العربية، وقد كتبت عن ذلك من قبل، واختلف مع هذا الرأي لوجود أدلة عديدة تناقضه. وهناك رأي آخر يحمّل اللغة العربية المسؤولية عن كل ما في العالم العربي من مشكلات، وهذا رأي مبني على وهم، فلا اللغة الإنجليزية ولا الفرنسية ولا غيرهما ستجعل متعلمها إنسانا "متحضرا" أكثر من الذي يتكلم العربية.

لو بحث الإنسان عن أسباب عملية لاختيار العربية الفصحى لوجد أسبابا وجيهة. وثمة سبب عملي أود الإشارة إليه، وهو النظر إلى اللغة العربية كلغة مشتركة (lingua franca) في العالم العربي، مثلما الإنجليزية عالميا.

فيما يتعلق بالنشر تحديدا، من يكتب بالإنجليزية يمكن بيع كتابه في الدول الناطقة بها. أما من يكتب بالدارجة في دولة عربية ما، فلن يكون للكتاب سوق خارجها. وسوق كل دولة عربية على حدة صغيرة، وخاصة بالمقارنة مع السوق المكونة من أسواق الدول العربية كلها. ولذا فان اختيار الكتابة بالدارجة تنطوي على التضحية بأعداد كبيرة من القارئات والقراء المحتملين في باقي الدول العربية.

لا شك في أن النقاشات حول اللغة العربية، قديمها وحديثها، ليست بريئة كلها أو دائما. وفي الوقت نفسه، العصبيات القومية لا تحل مشكلة بل تعقدها.

واعتقد أن الواقع سيظل مزيجا من الظواهر التي أشرت إليها أعلاه، فسوف تبقى اللغة العربية والمحكية بصورها المختلفة، والأجنبية كذلك.

ولكن هذه ليست دعوة لعدم محاولة تغيير الواقع. على سبيل المثال، صدرت "عود الند" للتشجيع على الكتابة بلغة عربية سليمة. تظهر العاميات في بعض النصوص في سياق حديث شخصيات. عدا ذلك، تستخدم في المجلة عربية فصحى معاصرة. وهي الآن المجلة التي ينشر فيها ويقرأها محبو اللغة العربية في كل مكان، وهم كثر.

مع أطيب التحيات

عدلي الهواري

ملاحظة: يوجد ملف عن اللغة العربية ضمن العدد 300 من مجلة "أفكار" الصادرة عن وزارة الثقافة الأردنية في كانون الثاني/يناير 2014. يمكن تحميل العدد بصيغة بي دي اف من موقع الوزارة على الإنترنت.
D 25 كانون الثاني (يناير) 2014     A عدلي الهواري     C 7 تعليقات

6 مشاركة منتدى

  • الدكتور عدلي الهواري تحية طيبة تثير مقالتك شجون أي عربي يعتز بلغته, وهي أداة التفكير وأبرز عناصر الهوية الحضارية وقد أصبت الحقيقة عندما أشرت إلى معلمي اللغة العربية الذين يعلمون باللغة العامية ,ولعل التعليم بالعامية في مختلف المواد قدأدى إلى عامية الفكر فالعلاقة بين الفكر واللغة علاقة وثيقة إذا ارتقى الفكر ارتقت اللغة وإذا ارتقت اللغة ارتقى الفكر .لم تكن اللغة يوما أداء لفظيا بقدر ماهي أداء فكري ووجداني لكنها في عصر (انتحار المعنى)كما يقول محمود درويش أصبحت تعاني الغربة في مجتمعات لاتنتج معرفة بقدر ماتتلقى .لك كل التقدير


    • أولا شكرا للدكتور الأديب السيد عدلي على الموضوع الذي أثاره للنقاش بين قراء عود الند عبر أطراف الأرض ، ينبغي أن نتذكر أن اللغة هي الفكر ، فنحن عندما نفكر لا يكون التفكير الباطني بلغة غير اللغة التي نتحدث بها و عطب اللغة هو عطب للأسف يصيب الهوية ، فلا أعتقد أن ما نراه اليوم بالقنوات العربية غالبا ،أو ببعض الجرائد التي تنشر في العالم العربي من يعيد النظر لتاريخ الحضارة العربية، و أيضا لجمالية اللغة و ما تحمله من مقامات موسيقية تناولها الباحث الديداوي ،أو للمجاز ، أتذكر أن الشاعر أبو تمام حضر قراءاته الشعرية أحد النقاد و سمع الشاعر يقول : اسقني ماء الملام ، فعلق الناقد ضاحكا : و يحك يا أبا تمام هل الملام يشرب ؟.. فقال أبو تمام : ناولني ريشة من جناح الذل لأملأ لك منها كأس الملام ، الرد إحالة على الآية التي يقول فيها الله تعالى ،و اخفض لهما جناح الذل / إذ القرآن هو الذي أضاف علم المجاز للغة .

  • موضوع غاية في الاهمية وأدعو بدوري من لديه القدرة أن لا يتأخر ولا يمل من متابعته.
    (اللغة العربية الأم) فنحن إن كنا ابناء بارين بها فعلينا أن ندور حولها ونتعلق بتلابيبها، فأنا شخصياً أرى أنها تسير في طريق غير سليمة وخطرة ووعرة حتى في مسالك المثقفين منهم.
    أشاراتك أعلاه كلها صحيحة، وأضيف إليها شيئاً ربما غاب عن أذهان البعض، فقد ورد في الحديث بمعناه (أن العلم يُرفع)وهذا غاية ما اخشاه أن يكون قد آن الأوان، لكثرة ما نراه من انحدار في المستويات الكثيرة ومنها المتعلمة التي لا تُنبأ بخير.


  • تحية طيبة دكتور عدلي ونشكركم على حسن اختياركم للموضوع فقد أثار انتباهي مروركم على مشاكل بعض البلدان الداخلية والتي تنعكس على طرق التدريس وهو ما يحدث فعلا، الاهتمام بمناهج تدريسية على حساب اساسيات مهمة وهي استخدام العربية الفصحى أثناء تدريس اللغة. كما اثني على أشارتكم لاستخدام الحروف الاتينية للغة والأكثر من ذلك، ترميزها بارقام لاتينية مثل 3arabi كرمز للفظ العين و mar7aba للفظ الحاء.
    من المؤكد ان يكون لمجلة عود الند الدور الأكبر في الحفاظ على الموروث لا شك في ذلك مع دعواتنا بالمزيد من النجاح والتقدم.


  • لو اقتصر الامر على عامة الناس لهان ولو اقتصر الامر على استبدال التاء المكسورة ب ياء ايضا لهان الامر الا اننا نجد حتى في وسائل الاعلام والشريط الممر اسفل الشاشة يضحكك ويبكيك ..منذ متى حلّت النون بدل التنوين لااعرف واجد ليس فقرا وانما انعداما احيانا حتى عند المتعلمين في التفريق بين الضاد والظاء وبين الصاد والسين احيانا (اقساط ويسيطر)..ولكني اجد اللوم يقع احيانا على مناهج وتدريس العربية ..مادة جافة وغير ممتعة ولا حتى عملية ..في الغرب استبدلوا المصطلحات الشكسبيرية بلغة سهلة ليفهم الطلاب المسرحيات لابل يحبونها،ونحن؟ هل مازلنا حقا ندرس
    مكرٍ مفرٍ مقبلٍ مدبرٍ معا كجلمودِصخرٍ حطّه السيلُمن عِلٍ
    وكل هذا في وصف فرس حضرته؟ ولايهم اذا كان الشخص عاشقاً للعربية ولكن ان يتحدد مصير طالب وحياته لان درجته قليلة في العربية وبالتالي معدله والكلية التي يحب بسبب هذه المواد الجافة واعرابها فهذا مسبب لهجرها


  • أ / عدلى ...كل ما جاء بكلمتكم لامس كبد الحقيقة المرة وما آل إليه حال لغتنا العربية ولكن الناطقين بها هم أول من تخلوا عنها وقللوا من شأنها طواعية دون قصد تارة وعن عمد تارة أخرى بالسماح للغزو الثقافى للدخول إلى ديارهم عبر الفضائيات والمدارس التى تقدم المناهج الدولية وأمسى التعليم الدولى وإتقان عدة لغات أجنبية بالإضافة للعربية من المؤهلات الأساسية للحصول على أى وظيفة مرموقة لذا ينطق الإعلاميون العربية مدعمة بلغاتهم الأخرى وبالقياس في كل المجالات ..تحياتى وتقديرى لطرحكم القيم


  • للاسف اصبحت الاجيال الجديدة تنظر للغة العربية نظرة متدنية، ويدعون ان التحدث والكتابة باللغة انجليزية سمة من سمات التحضر، رغم ان الدول الغربية تعتز بلغاتها المحلية بل ويتعصبون لها ويرفضون للتحدث للزائرين بغيرها، اما نحن فليتنا نسنفيد من المامنا باللغات الاجنبية للاطلاع على الثقاقات الاجنبية اكثر من التباهي بها على اقراننا الذين لايجيدوها، فحل التعبير بالعامية ثم كتابتها بالحروف اللاتينية، وان اضطر للكتابة بها، فجعنا الكم الهائل من الاخطاء الاملائية والنحوية
    ،رغم حصوله على كم شهادات علمية، وانتشرت تلك العدوى من مواقع التواصل الاجتماعي للافتات المتاجر بالمدن العربية، ومن مجرد الكتابة والتعبير بها، لتجنب قراءة الكتب العربية ومشاهدة الافلام والمسلسلات العربية ليس لضعف مستواها ولكن لانها "بالعربية". من المؤكد ان للحكومات العربية دورا لما آل اليه حال لغة القرآن بين مواطنيها.تحية لمقالك ا/عدلي


في العدد نفسه

توظيف التراث في شعر عبد الصبور

علم فوق النسيان: الشيخ حسين المرصفي

دراسة في المقامة العباسية

تهميش العربية في إسرائيل

العربية وفوضى الملصقات