إبراهيم قاسم يوسف - مصر

الصياد وابنة ملك البحر

"وإنّ يوما عند ربّك كألف سنة ممّا تعدّون" (سورة الحج؛ الآية 47).

"الحياة كما يراها سام" فيلمٌ وثائقيٌ أنجزه سام بيرنز قبل أن يرحل. مات شيخا كأنّه في التسعين. وفي الحقيقة لم يكن قد تعدى عمر المراهقة إلاّ بقليل. مات شابا في ملامح إنسان عجوز. لكنّه مات مبتسما وفي قلبه إقبالٌ على الدنيا وشغفٌ بالعيش لفترة أطول.

قضى بسبب مضاعفات عاناها من مرض وراثيّ نادر، لا يصيب إلاّ واحدا من ثمانية ملايين. طوى تسعين عاما بأقلّ من عقدين من الزمن، وقال قبل أن يلفظ أنفاسه؛ أو "يفتح الصندوق": واجهت الكثير من العقبات والمصاعب والألم في حياتي. لكنّني لا أريد أن يشعر الآخرون بالحزن لحالي.

وأنا أقرأ خبر وفاته في الصّحف، أحسست بفيض من الوداعة يحملني إلى "سام" الصبيّ العجوز، وخطرت لي أسطورة "الصياد وابنة ملك البحر".

أعاد توفيق الحكيم طيّب الله ثراه، صياغة [أسطورة يابانية] الحكاية بلغة ساحرة وأبعاد فلسفيّة. أما التي أكتبها بخجل وتواضع شديد - بالمقارنة، فإنّها حكاية للأطفال تكريما لذكرى "سام"، الإنسان الطفل الذي تقمّص الأسطورة وهو يموت.

لم أتمكن إلاّ أن أتعاطف مع "سام"، صاحب الحظ المنكود، وأن أحزن لسوء حاله وأحوال من يواجهون في حياتهم سوء حظّه. كان إنسانا طاهرا يستحق أن يعيش، ويكفيه فخرا أنّه أمضى عمره القصير بشجاعة نادرة وصبر جميل. أرجو المعذرة إن أسأت إليكم. وأتمنى أن ترحموه حيثما يرقد، فلا تسوؤكم صورته أو تجرحوه.

خرج الفتى الصيّاد بقاربه وأدوات صيده، ومضى بعيدا متفائلا بيوم موفّق وصيد وفير، فألقى شباكه في بحر ساكن كالزّيت، أو كطفل يغطّ في نوم عميق، وراح ينتظر. انتظر معظم ساعات النهار. انقضى يومه وأقبل العصر ولم يظفر بصيد. كان يشعر بالخيبة والخذلان وهو يسحب شباكه استعدادا للرحيل، حينما أبصر سلحفاة عالقة في الشباك.

ولمّا كانت السلاحف مقدّسة عند ملك البحر، تعيش ألف عام، ويقولون تعيش أطول من ذلك بكثير، فقد حرّم على نفسه أن يقتلها ويسلبها عمرها الطويل، ولو على حساب رزقه وطعام عياله.

هكذا أشفق الصياد على السلحفاة، فرفعها برفق بين يديه. تأملّها قليلا ثم أعادها إلى البحر بعناية الطفل المريض. توقفت هنيهة كأنّما تشكره على وداعته وطيبة قلبه. ثم حرّكت زعانفها وغاصت في البحر ناجية بنفسها في عمق المحيط. لمّ شباكه بنفس حزينة وقد آلمه أن يعود إلى زوجته وأطفاله خائبا، خالي اليدين من القوت.

كانت الشمس ترسل أشعتها وتوشك على المغيب، والقارب يسير الهوينى يهدهده الموج وتهبّ عليه ريح خفيفة من حين إلى حين، والفتى الصيّاد من شدّة جوعه وتعبه غلبه النعاس فنام.

رأى في نومه حورية تخرج من أعماق البحر يمجّدها القلب وتهيم بحسنها العين، رآها تتجه صوب القارب، تمشي بجلال على سطح البحر بقدمين حافيتين فلا تغرق، وقد انسدلت ضفائرها السوداء على ظهرها، تنساب وراءها وتعانق وجه البحر في رقّة موّال حزين. في معصميها حليةٌ من الزّمرد والمرجان، وفي جيدها عقدٌ من اللؤلؤ والياقوت.

بلغت الحورية القارب فوضعت يديها على حافته وهزّته برفق، فاستيقظ الفتى الصياد، ووجد أمامه حورية تسبي الفكر والروح، الحورية التي رآها في منامه. خفق قلبه وسألها من تكون وهو بين اليقظة والمنام؟ فقالت له بصوت يشبه رجع الموج والرّيح:

أنا السلحفاة التي أنقذتها من الشباك وأعدتها إلى الماء؛ أنا الأميرة ابنة ملك البحار. عرف أبي ما فعلته من أجلي، فأوفدني إليك ليجزيك جميل ما فعلت، وهو يعرض عليك أن تتزوجني مكافأة لك على رحمتك وطيبة قلبك، لنعيش معا في جزيرة الأزل والعمر الطويل.

شغلت الحورية قلبه وألهبت عواطفه حينما صعدت إلى القارب، فجلست إلى جواره بخفر الأنثى في بداية الخلق، فراح الفتى يخالسها النظر ويستطلع سحرها من حين إلى حين، وهو يجدّف بقاربه بنشاط دبّ في جسمه من جديد.

بذل جهدا شاقا لكي يصلا إلى الجزيرة قبل أن يحلّ الغروب، وحينما تواريا عن اليابسة خلف الأفق، لاحت لهما من بعيد جزيرة الخلود، الجزيرة التي لا يفنى فيها الإنسان ولا يموت.

قضى الفتى الصياد وزوجته ابنة ملك البحر، أياما حافلة تفيض بالحبّ والسعادة والهناء. عاشا في سعادة بلغت حدود الخيال، لكنّها لم تكن تخلو من شوق ينغّصها - الشوق إلى زوجته وبنيه.

وحينما استبدّ به الحنين إلى دياره، صارح زوجته بالأمر وتوسّل إليها أن تسمح له بالسفر إلى دياره يستطلع أحوال أهله، ويخبرهم أنّه ما زال على قيد الحياة. وقطع لها عهدا على نفسه أن يرجع إليها فلا يغيب لوقت طويل.

هكذا اطمأنّت الأميرة إلى وعده، وصدّقت ما يقول واستجابت لرجائه، فحضنته ونامت إلى جواره ذلك الليل الطويل. وفي الصباح ودّعته وتمنّت له ريحا مؤاتية وسفرا سالما من كلّ سوء. ثم زوّدته بما يحتاجه من مؤونة تكفيه لرحلته وتفيض. كما زوّدته بالكثير من حجارة البحر الكريمة كاللؤلؤ الأبيض والمرجان، هدايا لأهله تضيء ببريقها ظلمة لياليه المقبلة.

أعطته أيضا صندوقا مقفلا وتوسّلت إليه ألاّ يفتحه مهما حدث. قالت له: سيساعدك في العودة سالما إلى الجزيرة. ووعدها بأنّه مهما حصل فلن يفتح الصندوق.

وتحوّلت الأميرة مرة أخرى إلى سلحفاة، فحملت على ظهرها الفتى الصياد، وصعدت به من القصر في قاع المحيط حتى بلغت الشاطئ. تحسّرت لفراقه ثمّ تركته في حال سبيله، وعادت مسرعة إلى القصر، لا تلتفت وراءها لكي لا تخونها دموعها وهو يودّعها عند الرحيل. وقالت في نفسها: من يدري؟ لعلّي لن أراه مجدّدا. وربما لن يعود.

هكذا استقلّ الفتى الصياد قاربه ويمّم وجهه شطر بلاده، تاركا وراءه حبيبته الأميرة التي واعدته على المحبة والوفاء. تركها في الجزيرة التي لا يموت فيها الإنسان أبدا. قطع المسافة في العودة إلى بلاده أياما طويلة وليالي، وحينما بلغ اليابسة وتراءى له أنّه وصل إلى دياره، لم يعثر لقريته على أثر، فقد اختفت معالمها من الأرض. الأرض التي عرفها منذ طفولته وأيام صباه.

عصفت به الهواجس واحتار في أمره. ثمّة أناس صادفهم في الطريق، فراح يسألهم عن بيته وأهله فلا يلقى منهم جوابا يكشف له السّر ويساعده على تجاوز المحنة التي ألمّت به.

وحين أخبرهم عن اسمه، قالوا له: هذا الصيّاد تناقلوا حكايته وانتظروا أخباره على مر الزمن، وقد مضى على رحلته أجيالٌ وقرون.

هكذا اكتشف الفتى الصياد أنّه غادر قريته منذ عهد سحيق، حينما ذهب إلى الصيد يوما والتقى السلحفاة ابنة ملك البحر، وما حدث كان على أطراف الزّمن الموغل في التاريخ، ولم يكن بالأمس القريب، فهام الفتى على وجهه لا يلوي على شيء. لا يعلم أين يذهب وإلى أين يسير، حتى قادته قدماه إلى مقبرة قديمة - من عمر الزّمن، فقرأ على شواهدها اسمه واسم أمّه وأبيه وإخوته وزوجته وأحفاد بنيه.

تجمّعت كلّ غصات الزمن دفعة واحدة في حلقه وروحه، وتمنى من أعماقه لو كان واحدا من سكان القبور.

حينما استبدت به الأحزان وخفيت عليه الأسرار، وأعياه التفكير وقسوة الأقدار، انتحى جانبا، فسند رأسه بكلتي يديه وراح يبكي بكاء الأطفال ويستحضر تاريخه من جديد. حينها فقط قرّر أن يفتح الصندوق لعلّه يجد فيه ما يفسّر سرّ الزّمن المفقود.

هكذا فتح الصندوق، فرأى دخانا كثيفا أبيض يرتفع عاليا في الفضاء. وفجأة أحسّ بوطأة الزمن؛ فانحنى ظهره وتقوّست رجلاه، وتجعّد وجهه وشاب شعره وعميت عيناه، ونبتت له لحية طويلة بيضاء، ووقعت من يديه عصاه.

أصابه إعياءٌ شديد ودنا أجله، فاصطكت ركبتاه وارتجفت أوصاله وشعر بمفاصله ترتخي وتخور. كانت روحه تفاوض جسده عندما بلغه صوت محبوبته يناديه وهو في الرّمق الأخير، وهي تتوسل إليه لئلاّ يفتح الصندوق.

اسطورة يابانية


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3296033

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC