د. سهام علي السرور - الأردن

حكاية لابن لم يولد بعد

إليك بُني: صفحات من سيرة حياتي قبل أن تُخلق. أكتبها قبل أن يصبح الكلام وهنًا على وهن

بني الغالي: لن أكلمك عن قريتي كثيرًا، ولن أقول لك هي قرية جميلة جدًا، ولن أجعل أهلها ملائكة، بل إنني أكره أيامي التي قضيتها في هذه القرية، ولا أبالغ إن قلت لك هي من أسوأ أيام حياتي على الإطلاق، بل هي ما أعمل جاهدة على نسيانه وطرده خارج ذاكرتي القريبة البعيدة.

هي قرية فيها اللص وتاجر المخدرات والقاتل والمرأة المومس والعجوز النمامة والشاب الضائع الضارب في متاهات الهوى والغواية والطفلة ذات اللسان الطويل، كما فيها رجل الدين والرجل الشهم والفتاة العذراء المكللة بالحياء، والطفل محمد الذي طالما أحببته وتمنيت لو أستطيع الإبقاء عليه بيننا، يعيش ويلعب ويذهب إلى الدكان آخذا كل ما في جيبي من نقود ليعود حاضنًا أكياس الشيبس والشوكولا والعصير.

الفئة الأولى في قريتي أكثر من الفئة الثانية، ففي قريتي تختال الكلاب على جثث الأسود، وفيها تمتطي الدجاجة ظهر الصقر، وفيها تحفر الأفاعي حولك دون أن تشعر. فيها صفعتني الدنيا ألف كف؛ وفيها ذرفت على نفسي ألف ألف دمعة.

تغيب الشمس في قريتي خلف آثار أقوام بائدة من خلف قصر الملك والكنيسة والسجن والمشنقة، من خلف البركة والقناطر، من خلف بيوت قوم لم يبق منهم سوى حجارة بيوتهم السوداء. في قريتي تشرق الشمس من خلف المقبرة وكأنها تقول ها أنا أشرقت اليوم وأنتم فوق الأرض، ولكن قد أشرق غدًا وأنتم هنا في المقبرة.

يهب الهواء الشمالي في قريتي على نوافذ بيتنا حزينًا على مغادرة أمي البيت، فمنذ غادرت أمي البيت أصبح للهواء صوت مخيف حزين يجذب الدموع إلى محجر عيني، كما يجذب الذكريات التعيسة إلى حجرتي في البيت. في قريتي يهب الهواء الجنوبي متجاوزًا وادي أم الرشاد، كما تسميه عجائز قريتي. هذا الوادي لا يربطه بالماء إلا كلمة وادي وحجارة وصخور كبيرة في مجرى قديم.

قد تَكون جرت فيه المياه قبل سنين طويلة، ولكن لم أشاهد فيه ماء سوى مرة واحدة في حياتي، ولم تكن بفعل الأمطار بل كانت بفعل فيضان بئر ارتوازي قريب منه، فسالت المياه وجرت فيه لثوان قليلة مجددة عهد الخصب وإن لثوان. ولم تمكث فيه المياه طويلا حتى غار معظمها في الأرض وامتصت الأغنام ما تبقى منه مع الطين ليعود إلى سالف عهده من الجدب والتشقق بفعل العطش الشديد.

نعم تعطش الأودية يا بني في قريتي، في حين تكاد تفيض برك الصرف الصحي المتمركزة عند كل بيت.

رائحة الموت في قريتي يا بني تأتي مع كل ليل وتبعث في النفس وحشة لا مثيل لها. من الغرب أطلال قوم بائدة. ومن الشرق قبور قوم راحلة. في قريتي تطبق على صدري وحدة غريبة، بل ليست الوحدة الغريبة إنما أنا تلك الغريبة. لم أحب قريتي يومًا، ولم أشعر بألفة تجاه أهلها إطلاقًا. لطالما كنت فيها أنا وأهلي عابري سبيل!

بُني: لك أن تقول إنني أكره الكثير من عادات سكان قريتي وكلماتهم وتعابير وجوههم، لهذا سأبتعد بك عن تلك القرية آلاف السنين الضوئية إن استطعت، بل سأدفع عمري إن اضطررت على ذلك كي لا أجعلك تعيش لحظة حزن واحدة مما عشته أنا في تلك القرية.

الشيء الذي أحبه في قريتي هي العصافير، تلك الطيور المغردة ليل نهار على النوافذ وبين الأغصان وعلى أسلاك الكهرباء المحاذية للطرقات، بل هي ما كانت تبعث الأمل في نفسي حين أشعر بالحزن، وهي التي كانت تؤنس وحشتي.

بل يجب ألا أنسى أن أذكر لك القمر؛ فكم من ليلة موحشة بدد شيئا من وحشتها في قلبي وأنا أراقبه من خلف النافذة أو في الهواء الطلق حين أكون في بيت الشعر أو بيت الإسمنت!

بُني: الفرق بيني وبين اللاجئين في مختلف بقاع الكرة الأرضية هي أنهم خارج بلادهم وبعيدًا عن أهلهم. أما أنا فمن نوع آخر.

قد لا يعجب هذا الكلام الكثير من سكان قريتي بل قد يتسامرون متحدثين عن الصراحة المطلقة التي تحدثت بها، فيقرر بعضهم ضرورة تأديبي. والبعض الآخر يخلط المحاماة بالأدب، فيبحث عن محام فاشل من أقاربه ليرفع قضية في المحكمة تحت عنوان التشهير، أو القدح أو الذم، أو ما لا أعرف من تلك المصطلحات المتعددة المستخدمة بين المحامين.

ولكن لتعلمهم يا بني أن يحاكموا كل أديب وشاعر قبل أن يفتحوا ملفًا لقضيتي. قهقه يا بني فكم أحب سماع حروفك المتقطعة وأنت تضحك! ولتضحك كثيرا على أناس أشغلتهم النميمة والشك لأكثر من نصف قرن.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3222164

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC