عدلي الهواري

كلمة العدد 93: حقوق المرأة في الغرب والشرق

حقوق المرأة في الغرب والشرق: قواسم مشتركة ووجوه اختلاف

عدلي الهواري ناشر مجلة عود الند الثقافيةلم يكن بوسع المرأة في الدول الغربية ذات يوم أن تصوت في الانتخابات. وكانت هناك حملة من النساء أدت في النهاية إلى الحصول على هذا الحق. وفي سياق العمل، كان أجر المرأة أقل من أجر الرجل رغم القيام بعمل واحد أو متشابه. وإذا لجأت المرأة إلى القضاء لكي ينصفها في حال الفصل بسبب الحمل، كان القضاة يحكمون لصالح رب العمل على أساس مقارنة وضع المرأة الحامل برجل مريض في العمل يتم الاستغناء عنه لأسباب صحية.

تغيرت قوانين العمل وغيرها مع مرور الزمن، وأصبح التمييز ضد المرأة ممنوعا، ورفعت قضايا كثيرة من أجل حصول النساء على أجور متساوية للرجال في كل الأعمال المتشابهة. وظلت أطر المساواة تتوسع لتشمل منع التمييز على أي أساس آخر كالعرق أو المعتقد.

ولكن سن القوانين لا يؤدي إلى تغيير سريع في الواقع، ويحتاج التغيير إلى مزيج من الجهود تشمل الحملات التوعوية والإعلامية وغير ذلك من مبادرات وإجراءات. في المجال السياسي تحديدا، تأخر وصول المرأة إلى المراكز العليا لصنع القرار في الدول الغربية، ولا تزال دول غربية عديدة لم تنتخب امرأة لمنصب الرئيس أو رئيس الوزراء.

أما في ميادين العمل، فلا يزال وجود المرأة في المراكز العليا محدودا نتيجة وجود ما يسمى "السقف الزجاجي"، وهو تعبير مجازي عن عدم تجاوز النساء مستوى معين. وينطبق هذا التعبير أيضا على الرجال من خلفيات عرقية مختلفة عن الأغلبية.

بمقارنة أعلاه مع الوضع في الشرق، وتحديدا العالم الإسلامي، نجد أن المرأة تولت منصب رئيس وزراء في تركيا وبنغلاديش وباكستان. ولكن هذه الحالات لا تعكس حالة تطور عام في أوضاع المرأة في الدول الإسلامية، فهي حالات استثنائية مقتصرة على رأس الهرم، وليس تتويجا لتغيير بدأ في القاعدة.

هناك تياران في النظر إلى حقوق المرأة المسلمة، أحدهما يرى أن المساواة النظرية موجودة. أما التيار الثاني، فله تفسيراته التي تحد من حقوق المرأة، ويجعلها عرضة لقيود شديدة تختلف شدتها من بلد إلى آخر.

إضافة إلى ذلك، توجد عادات اجتماعية تضع قيودا حيث لا ينبغي أن تكون، كالحرمان من الميراث. وتتحول المرأة إلى ضحية بالمعنى الحقيقي للكلمة كالقتل بذريعة الحفاظ على الشرف، أو ضحية تعاني بدرجات مختلفة على أكثر من صعيد.

على سبيل المثال، لا يزال هناك تمييز في المعاملة بين الذكر والأنثى داخل الأسرة. ومن أسوأ مظاهر ذلك، الحرمان من التعليم، الذي تلاشى تقريبا لأن التعليم اصبح إلزاميا لعدد محدد من السنين (ست سنوات على الأرجح). ولكن حرمان النساء من إكمال التعليم لا يزال مستمرا: إما بعد الزواج، أو بالمنع من السفر للحصول على درجة علمية عليا.

وفيما يخص عمل النساء، هناك موقفان متناقضان، أحدهما يسارع إلى منعها من العمل بعد الزواج، والآخر هو تجيير راتب المرأة العاملة لصالح مصروف البيت أو الأب أو الزوج.

وبالنسبة لقرار الحمل من عدمه، تجد المرأة نفسها بين موقفين متناقضين، فالأعراف الاجتماعية السائدة تريدها أن تنجب العدد الذي تطلبه الأعراف، وحسب توقيت ليس للمرأة قرار فيه.

ومع أن استغناء أرباب العمل عن خدمات المرأة الحامل أصبح غير قانوني، إلا أن بعضهم يضع المرأة في بيئة تضطرها إلى عدم الحمل لتكوين أسرة، لأنها إن حملت ستفقد عملها رغم أن رب العمل سيبرر ذلك بذريعة مختلفة. (ورد في الأخبار قبل فترة أن شركة طيران تستغني عن المضيفات اللاتي يقررن الحمل).

من المعروف طبعا أن توفيق المرأة بين عملها والمسؤوليات العائلية مسألة صعبة كثيرا، وتضطر النساء في الغرب إلى الاستقالة من العمل والتفرغ للأسرة. ولكن لم يعد هذا الخيار الوحيد المتاح أمام النساء، فهناك خيارات العمل بدوام جزئي، أو العمل من البيت بعد ظهور الإنترنت، أو ترك العمل لفترة محددة، من سنة إلى خمس مثلا، ثم تعود المرأة بعدها إلى العمل دون فقدان أي حقوق مكتسبة.

وتم التخلي أيضا عن فكرة أن الأب لا يحتاج إلى ترك العمل لأسباب عائلية، ولذا هذه الخيارات مفتوحة للرجال أيضا. وصار للرجل حق في الحصول على إجازة أبوة مثلما تحصل المرأة على إجازة أمومة، فهناك اعتراف بأهمية إقامة الرابطة بين الوليد/ة والأب بعد الولادة مباشرة. ولكن الفترة الزمنية لإجازة الأبوة أقصر.

وفي حالتي الاغتراب المؤقت أو الهجرة والحصول على جنسية بلد آخر، ورغم تزايد القيود على الهجرة إلى الدول الغربية، تبقي القوانين المجال مفتوحا لجمع شمل العائلات، بحيث يتمكن المغترب أو المهاجر من إحضار زوجته وأبنائه وبناته ليعيشوا معا تحت سقف واحد.

للعمل فوائد عدة لا تقتصر على الحصول على راتب في نهاية الشهر. وله أيضا سلبيات لا تميز بين الرجال والنساء، ولكن الجوانب السلبية تحتاج إلى كلمة خاصة بها. فكرة إعطاء الأولوية في العمل للرجل فقط ليست واقعية، لأن الكثير من العائلات تعيلها نساء عاملات عازبات. والزواج لا يغني المرأة عن العمل، لأنه لا أحد يعرف متى يموت، ولا يضمن عدم التعرض إلى حادث، أو تدهور الحالة الصحية إلى حد لا يمكن الرجل من العمل. ولذا من الحكمة أن تظل المرأة المتزوجة تعمل، حتى لا ينتهي بها الأمر أرملة تعيش هي وعائلتها على الإحسان.

لقد عوملت المرأة في الغرب بأساليب ظالمة في الماضي، ولكن الأمور تغيرت وتظل في حال تطور دائما، فما تحقق في الستينيات لا يصبح كافيا لواقع الثمانينيات، وهكذا. ولذا لا توجد نقطة ثابتة يتم الوصول إليها والوقوف عندها بقية الدهر.

حقوق المرأة في الدول الإسلامية بحاجة إلى نقاش يبتعد عن العصبية. ورغم أهمية الحوار الاجتماعي الهادئ حول هذه القضية وغيرها، إلا أن التغيير لا يحتاج إلى قرارات عليا أو قوانين، فالتغيير ممكن وفعال عندما يبدأ الإنسان بنفسه، وشيئا فشيئا تتسع دائرة التغيير المنطلق من قناعة ذاتية.

مع أطيب التحيات،

عدلي الهواري


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3106965

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC