إيناس يونس ثابت - اليمن

في ظلال الذاكرة

زهرة وحيدة صغيرة صفراء بين الصخور تمد ساقها من منفذ صغير لا يكاد يُرى لتصعد للسماء. تحاول لمس السحاب والشهب لعلها تصل، فهل تصل؟

أتأمل زهرتي الصفراء وهي تتوق للحياة، لريح المساء ورائحة الصباح، تذكرني بوحدتي في الطفولة، برغم إحاطة الناس بي، إلا أنها وحشة القلب ووحدته.

هنا التقينا يا صديق، عند هذه الصخور، كل شيء لا زال في ذاكرتي، وقع خطاك، صوتك، صرختك، ولغة عينيك، لا تغُيب الذاكرة أبدا ظلال الأحباب يا صديق.

وبالرغم من كوني فتاة يا معاذ إلا أنني أحببت رفقتك واللعب معك، ومشاركتك يومي، فأنت الصديق والأب والأخ والفارس الذي لا يُهزم لفتاة وحيدة مثلي.

في ذاكرتي لا زلتُ أرى صورتي وظلك معي ونحن نلعب بالكرة والحجارة ونقفز سويا في شوارعنا الضيقة.

قصصت لي عن وطنك الكثير منذ أن رآه قلبك قبل عينيك حتى قدمت إلى موطني مرتحلا مع أسرتك. قصصت لي عن استشهاد الكثير من أسرتك في موطنك، عن قصة أطفال الحجارة هناك وعن أمك الصابرة. وبعد كل قصة كنتُ أراك طفلا ورجلا لا يُقهر.

أتذكر حين سقطت يوما أمامي فأسرعتُ إلى أمك بعد إغاثتك متسائلة عن حالك، فهمست لي بأن البطل الذي يحمل الحجارة في كفه ليلقي بها على العدو كفيلٌ بحمل الصخر على صدره. وصدقتها رغم الألم الذي رأيته في عينيك حتى ظننتك خالدا، وخُيل إليّ بأن الأطفال لا يرحلون، فوحدها الشيخوخة لا مكان لها هنا، فهي من أخذت جدتي وكذلك جدي بعيدا عنا.

اقحوانة صفراءكنت أراك كل يوم، لم يدرك عقلي الصغير حينها أن يوما سيأتي لن أقضيه معك. توحشت الدنيا في عيني، ظننت أن الدنيا التي جمعتنا ستبقى على ما هي عليه وستبقى الطفولة معنا تحلق العمر كله.

وامتد اليوم إلى يومين، وبقيت انتظر هنا في مكاننا هذا. انتظرت كثيرا حتى التفت على صوت أمي تقف خلفي وملء عينيها الدموع وعجبت من حضورها إلى هنا، فسألتها ببراءة: "أين معاذ؟" فقالت لي: "مسافرٌ إلى ارض بعيدة".

غضبت وصرخت: "كيف لم يخبرني بذلك؟"

وكيف لم تخبرني بذلك يا صديق؟

عدتُ بائسة إلى منزلي ولم أُعط اهتمامي إلى كثرة دخول الناس إلى منزلك القريب من منزلي، ولا إلى بكاء الجميع ولبسهم الأسود من الثياب، ولا إلى شحوب وجه أمك كلما التقيت بها.

وبقيت انتظرك عند باب منزلي فأنا اعلم كم كنتَ تمقتُ كثرة الزوار وتضيق بهم فتلوذ بالفرار.

وبقيتُ انتظرك وحيدة كما كنت من قبل، وعتب قلبي عليك كثير، حتى أدركتُ بعد أن مر العمر أنك لن تعود. لم تكن خالدا كما ظننت، ولم تكن رجلا لا يُقهر، فالفقر قهرك وأخذك بعيدا بعد أن عجز عن علاجك.

لكم بغضتُ الفقر وعدو وطنك وكل من تكالب على قلبك الصغير، لا زلت مبغضة لهم ولكل من تقاعس عن حماية روح تشبه روحك.

ما زلتُ طفلة يا معاذ: ابكي عند الألم وعند الوداع وابكي لأجل كل طفل يشبهك وأسعى لرضاه. وما زالت الصخور هنا، فأنت لم تغب. دوما أراك تسكن ألف طفل في البلاد فأمقت كل فقر قتل معاذ، وكل من خذل معاذ في الكون كله.

لكن، فلتطمئن يا صديق؛ شيء ما تغير في الكون يُطلق بسمتي رغم الألم. انظر: زهرة صفراء نبتت هنا.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3206368

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC