مليكة فريحي - الجزائر

الأسطورة والعجائبية في المعلقات

إن أبرز دراسة فنية للشعر الجاهلي، التي غاصت إلى حد كبير في الفكر البدائي لهذه المرحلة، هي قضية توظيف الأسطورة التي ساهمت في خلق العجائبية في الدّراسة الأنثروبولوجية، باعتبارها تلك الحكاية التي تتجاوز تصورات الواقع.

أسطورة الطّلل في خلق العجائبية

إن قراءة الشعر الجاهلي، خاصة المعلقات، تقودنا إلى أن للقصيدة نمطا معينا في بنائها، فذكر الطّلل والانتقال إلى الرّحلة ثم الصّيد وتجسيد مفهوم البطولة في هندسة عامّة عرفت بها المعـلقة وتعالق نسيجها عند كل شاعر بداية من امرؤ القيس "مبتدع هذا اللّون من الاستهلالات الشّعرية حتى أصبح فيه نموذجا يحتذ يه من جاء بعده من الشعراء"[1].

كما أن ارتباط الطّلل عند الشاعر الجاهلي كان مربوطا دائما بالمرأة الذي مثلت له الرفيق الغائب والعزاء الوحيد عن خلاء المكان، فارتبطت دائما بالعالم الأليم الذي يعيشه الجاهلي من خلال آليات التصوير التي تمثلت في الاستعارة والمجاز والتشبيه، "ولكن السؤال هو كيف أصبح هذا التّقليد المزعوم مستساغا؟ ما الفكرة التي تقع وراء التقليد؟ ما الأهمية المشتركة التي تسوغ ما نسميه التكرار؟ فمن الواضح أن السؤال ما يزال مطروحا أمامنا، فالشاعر لا يفصح عن هذه الأهمية المشتركة إفصاحا مباشرا"[2].

اشتراك الشّعراء في هذا اللّون الشعري، يعود إلى آثار معلقة سابقة في معلقة لاحقة، فالمعطيات التي وجدها الشاعر في طبيعته بنى عليها ضربا من الطقوس والشعائر التي تصدر عن وعي جماعي، فارتباط الطلل بصورة المرأة تعالق عند كل شعراء المعلقات من خلال التصوير العجائبي لهذا الكائن الحي، ونلاحظه عن طريق الانزياح، والعدول التي شكلتها بنية الأسطورة.

أساس صورة المرأة في المعلقات ذات بعد ميثيوديني ارتبط بفكرة القداسة، ومشكلة الميلاد ظهرت في هذا الكائن من خلال حفظ الاستمرارية في الحياة، فعنصر الخصوبة والتناسل تميزت به المرأة، حيث نجد أن "الخصوبة هي الرؤية الجوهرية لصورة المرأة في الشعر الجاهلي، منها كان المنبع، وإليها كان التصوير، وبذلك كانت الرؤية الميثيودينية هي الأصل في تكوين الصورة في الشّعر الجاهلي، والفكر الطّوطمي هو المسيطر على الخلفية الفكرية للشاعر الجاهلي، وهو ينحت صورة المرأة"[3].

فالطلل أشبه بفكرة الأم الولود التي ينبثق عنها أبناء كثيرون، فالأبقار والظعائن والظباء أسرة واحدة، ولكن لا أحد يدرى تماماً هل يعرف هؤلاء الأبناء بعضهم بعضاً[4].

تكررت فكرة ربط المرأة بالبعد الميثيوديني عند أصحاب المعلقات، وبذلك عرفت نموذجا يحتذى به بداية من امرئ القيس، فتصوير الأعضاء التناسلية وأجزاء المرأة ذو بعد ميثيوديني ظهرت آليته في التشبيه الذي بلغ مستوى كبير من الخيال والعجائبية، كما أنّ ارتباطها بظاهرة الوشم كان لها تأثير على فكر الجاهلي الذي بين سرّ الاستمرارية بصورة أكثر وضوحا من خلال التجدد، وبالتالي فالفكر العجائبي لصورة المرأة عرف مستويات اختزلتها المعلقات في مجموعة من الصور لكنها تبقى موحدة في إعطاء البعد الميثيوديني للمرأة الذي عبر به شعراء المعلقات.

أسطورة الخصوبة في خلق العجائبية

يقول امرؤ القيس:

تَصُــدُ وَتِيدِي عَنْ أَسِيلِ وَ تَتَّقِي = = بِنَاظِـرَةٍ مِنْ وَحْـشٍ وَ جَـرَّةَ مُطْفِـلِ

وَجِيد كحيد اَلْرِئمِ لَيْـسَ بِفَاحِـش = = إِذَا هِـيَ نَصَّـتْـهُ وَ لاَ بِمُـعَطِّــلٍ

وَفَرْعٌ يُزِينُ اَلْمَتْنَ أَسْوَدُ فَـاحـمٌ = = أَتَيْـث كقنّـوِ النَّخْلَــةِ المُتَعثَكْــلِ

وَكَشْحٍ لَطِيفٍ كَالجَدِيلِ مُخَصَّـرِ = = وَسَـاقٍ كَأُنْبُـوبِ السَّقـي المُدَلَّــلِ

وَتَعْظُو بِرَخْصٍ غَيْرَ شَتْنٍ كَأَنَّــهُ = = أَسَـارِيعُ ظَبْيٍ أَوْ مَسَاوِيـكُ إِسْحِـلِ

تُضِيءُ الظَّـلاَمَ بِالعِشَاءِ كَأَنَّهَـا = = مَنَارَةُ مُمْـسِـي رَاهِـبٍ مُتبتـلِ[5]

يشبه امرؤ القيس المرأة في صور دلت عليها انزياحات النص، جسدت من خلالها البعد الأسطوري لهذا التمثيل، بحيث يشبه نظرتها بعيون الظّباء و براءة عيون الأطفال وقد تميز هذه المرأة بالطّول، كما شبه عنقها بعنق الرئم، والشّعر بقنوات النّخلة لشدة طوله.

"فالنخلة شجرة مباركة مقدسة عند العرب، وعبدت عند الساميين، واعتبرها المصريون القدماء والسومريون والتاوبين في الصين شجرة الحياة وترمز للإنجاب والخصوبة، وكان أهل نجران يعبدون نخلة طويلة بين أظهرهم، لها عيد كل سنة، إذا كان ذلك العيد علقوا عليها كلّ ثوب وجدوه، وحلي النساء، ثم خرجوا إليها، فعكفوا عليها يوما، والذي يربط المرأة بالنخلة، رمزيا هما: التلقيح في الرأس، فالنخلة لا تثمر إلا بالتلقيح، وثانيا لو قطع رأس النخلة لهلكت، وكذلك الإنسان، وخاصة أن العرب يرمزون للنخلة بالحبيبة كدلالة على الخصب والنماء"[6].

كما شبه الشاعر السّاق بأنبوبة السّقي، ولين أناملها بدود يوجد في الأماكن النّدية أو ضرب من المساويك الذي يستخلص من أحد الأشجار، ووجهها بمنارة الراهب متبتل.

صور لنا امرؤ القيس جسد هذه المرأة حيا يتحرك، فرفعها إلى منزلة المثال، فهذه المرأة لا وجود لها في الواقع، بحيث خصها بجملة من التشبيهات التّي جعلها مقدسة وأعطت لها البعد الميثيودني، ونجد ذلك بوضوح في قوله:

فَمِثْلُكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقَتْ وَ مُرْضِعٍ = = فَأَلْهَيْتُهَـا عَـنْ ذِي تَمَـائِـمَ مُحَـوِّلِ[7]

وكما يشرح محمد بلوحي فإن "صورة المرأة الممتلئة الجسم التي تميل إلى البدانة، والامتلاء [تظهر] عند شاعر المعلقات في نظر الإنسان القديم (...) لتحقق الشّروط المثالية التّي تؤهلها لوظيفة الأمومة، والخصوبة الجنسية"[8].

وقد تكررت هذه الصور عند أصحاب المعـلقات السبع. يقول طرفة بن العبد:

وَفِـي الحَـيِّ يَنْقُـضُ المَرْدَشَـانُ = = مَظَـاهِرُ سِمْطِـي لُؤْلُـؤٌ وَ زَبَـرْدَجُ

خَـذُولُ تُرَاعِـي رَبْرَبـاً بِخَمِيـلةٍ = = تَنَـاوَلَ أَطْـرَافَ البَرِيـرِ وَ تَرْتَـدِي

وَتَبْتَسِمُ عَنْ أَلْمَى كَـأَنَّ مُنَــورًا = = تَخَلَّلَ حُرَّ الرَّمْـلِ دِعْـصٌ لَهُ نِــدٌّ

سَقَتْهُ إِيَـاهُ الشَّمْـسِ إِلاَّ لثَـاتـه = = أَسِـفٌ وَلَـمْ تكَـدِّمْ عَلَيْهِ بِإِثْــمِدِ

وَوَجْهٌ كَأَنَّ الشَّمْسَ أَلْقَـتْ رِدَائَهَـا = = عَلَيْـهِ نَقِـيٌ اللَّـوْنُ لَـمْ يَتَخَـدَّدِ[9]

شبه طرفة بن العبد هذه المرأة بظبي أحوى (الذي في شفتيه حمرة) في كحل العينين وسمرة الشفتين، وصور عنقها بالطول مثل الظبي الذي يمد عنقه إلى الشجرة لأخذ ثمارها، كما أن ثغر الشفتين كأقحوان خرج نوره في دعص (رمل يخالطه تراب)، كما صور أسنانها بشدة اللّمعان، والوجه بنور الشّمس.

ويقول يحيى معروف: "ارتبطت المرأة عند الجاهليين القدماء بنوع من العبادة الغامضة، التي ترمز إلى تقديس الخصوبة والنماء، والشّعر الجاهلي مليء بالصور الكثيرة التي تتحدث عن رحيل المرأة الذي يؤدي إلى خراب الديار وقفارها وربطوا بينها وبين الشمس، والشمس كانت معبودة، وكان رحيلها يؤدي إلى إقفار الدّيار، إذ هي رمز الخصب عند الإنسان، لأنها لاحقة بحياة الزراعة. ويذكر نيلسن أن العرب في الجاهلية قد صوروا الشمس إنسانا على هيئة امرأة حسناء عارية، ومن هنا تتجلى رمزية ارتباط الشمس بالمرأة، وأن توظيف الشمس في الشعر الجاهلي لصورة المرأة المثال حملت في طياتها عناصر التقديس"[10].

هذه الصور أعطت البعد العجائبي لهذه المرأة من خلال تصوير أجزائها التي رفعها إلى الخيال جعلها تلامس البعد العجائبي الذي كان يلاحق المرأة لدى الشاعر الجاهلي. ويبرز ذلك عند عمرو بن كلثوم حين يقول:

ذِرَاعِي عُيْطَـلٍ أَدْمَـاءَ بِكْــرٍ = = هِجَـانِ اللَّـوْنِ لَـمْ تَقْـرَأُ جَنيِـنـاً

وَثَدْيَاً مِثْلَ حَقِ العَاجِ رَخْصــاً = = حِصَـانـاً مِنْ أَكَـفِّ الـلاَّمِسِيــاَ

وَمَتْنيْ لَدْنَةٍ سَمِقَـتْ وَ طَالـتْ = = رَوَادِفُـهَـا تَـنُـوءُ بِمَـا وَلِينَـــا

وَمَأْكَمَةً يَضِيقُ اَلْبـابُ عَنْهــَا = = وَكَشْحـاً قَـدْ جُنِنْـتُ بِـهِ جُنُونـاً

وَسَارِ يتِـي بِلَنْـطٍ أَوْ رُخَـام = = يَـرِّنُ خَـشَـاشُ حَلْيِـهَـا رَنِينـاً[11]

ضخم عمرو بن كلثوم صورة المرأة وفق طرح ميثيوديني من خلال إبراز صفة الأنوثة، إذ جمع فيها صفات الخصوبة. وفي رأي محمد بلوحي "ربط الإنسان سر الخصوبة في المرأة بسر الخصوبة في الأرض، في المجتمعات الزراعية بشكل خاص، لذلك عبرت الأرض بوصفها أما، ورمز لها في الدين القديم بآلهات الأمهات، أي بمعنى الأمومة هو المعبود، في حالة آلهة الأرض، وآلهة المرأة، ولأن فكرة الخصوبة أو الأمومة كانت هي الأساس في عبادة كهذه"[12].

تدحرجت هذه الأبعاد العجائبية عند عمرو بن كلثوم، بحيث أعطى للمرأة صورة خيالية بلغت درجة من التقديس، فشبه عنقها في الطول من عنق النوق، وذراعين بلغا درجة من الامتلاء، كما وصف طول قامتها وامتلائها باللّحم، وساقين كأسطوانتين من عاج أو رخام. ويقول عنترة بن شداد في ذلك:

وَكَـأَنّ فَارَةَ تَاجِـرٍ بِقَسِيمَـةٍ = = سَبَقَتْ عَوَارِضُهَـا إِلَيْـكَ مِـنْ الفَمِ

وْرَوْضَة أنُفـاً تَضَمَـنَ نَبْتَهَـا = = غَيْثٌ قَلِيـلُ الدِّمْـنِ لَيْـسَ بِمَعْلَـمِ

جَادَتْ عَلَيْهِ كُـلُ بِكْـرٍ حُـرَّةٍ = = فَتَرَكْنَّ كُـلُّ قَـرَارَةٍ كَالدِّرْهَـمِ[13]

وفي رأي عبد الفتاح العقيلي فإن علي البطل أعاد "صورة المرأة في شعر ما قبل الإسلام (...) إلى الفترة الطوطمية حين ربط سرّ الخصوبة في المرأة بسر الخصوبة في الأرض حيث كان معنى الأمومة هو المعبود في كليهما، ومن ثم فقد برزت صورتها البدينة لتمثل هذا المعنى، على حين اتجه العرب إلى الشمس فخلعوا عليها صفة الأمومة وجعلوا لها رموزاً مقدسة كالمهاة والغزالة من الحيوان، والنخلة والسمرة من النبات، وقد ظهرت هذه الصور متجاورة عند تصوير المرأة [14].

ونجد عنترة بن شداد يشبه في الأبيات السابقة طيبة هذه المرأة بفارة مسك عطار أو روضة ناظرة، لم ينقص ريحها، فهذه الأبيات تغدو إلى ما سبق ذكره عند الشعراء الجاهليين. ويقول الحارث بن حلزة:

وَبِعَيْنَيْكِ أَوْقَدْتَ هِنْدُ النَّــا = = رَ أَخِيـرًا تُلْـوِي بِهَـا العَلْيَــاءُ

فتنـوَّت نَارَهَـا مِنْ بعيــد = = بِخَزَازَى هَيْهَـاتَ مِنْـكَ الصِّـلاَءُ

أَوْقَدتُهَا بَيْنَ العَقِيقِ فَشَخْصَيْـ = = نِ بِعُـودٍ كَمَـا يَلُـوُحُ الضَّيَــاءُ[15]

وكما يشير يحيى معروف فقد "أعطى الحارث بن حلزة صورا للبعد العجائبي الذي ظهرت به المرأة في معلقته في إضفاء صورة رفعتها إلى مكانة القداسة، بحيث أوقدت نظرتها نارا فهذه الصورة التي مثل بها المرأة تحمل دلالات لبعد ليبيدي جنسي، نابع من لا شعور جمعي أساسه ميثيوديني. كما ارتبطت صورة الظبية في الشعر الجاهلي برمزية المرأة المثال في ملامح الحسن الأنثوي المثالي كالنعومة والجمال والبياض كما ارتبطت ببعض الرموز العشتارة المقدسة ذات الإشعاع الإخصابي"[16].

على سبيل المثال، قول امرئ القيس:

مُـهَـفْـهَـفَـةٌ بَـيْـضَـاءُ غَـيْـرُ مُـفَـاضَـــةٍ = = تَـرَائِـبُـهَـا مَـصْـقُـولَـةٌ كَـالـسَّـجَـنْـجَــلِ

كَـبِـكْـرِ الـمُـقَـانَـاةِ الـبَـيَـاضَ بِـصُـفْرَةٍ = = غَـذَاهَــا نَـمِـيْـرُ الـمَـاءِ غَـيْـرُ مُـحَـلَّــلِ[17]

الجدير بالذكر أن اللّون الذي تعنى به العرب ليس الأبيض الخالص بل الأزهر الذي شاب بياضه شيء من الأصفر أو الأحمر أي لون كوكب الزهرة آلهة الحب والحبش عند العرب[18].

أسطورة الوشم في بناء العجائبية

تؤكد فكرة الوشم التي تناولها الشعراء إضفاء الاستمرارية والتجدد، وكما يوضح مصطفى ناصف، فإنها "صورة مجددة وليس صورة بالية، كلما عرض لها البلى أتيح لها أن تنبعث، وأن تتجدد. وهذا الوشم ليس أمرا موقوفا على شاعر دون شاعر، فهو جزء من الميراث الذي وجدنا الشّعراء يحتفلون به غاية الاحتفال"[19].

حفل الجاهلي بالوشم وربطه بالمرأة في غيابها عن المكان، فهو يجعل منه صورة للتجدد والاستمرارية التي تقف لتقديس هذه المرأة. وقد تناوله زهير بن أبي سلمى قائلا:

ودِيارٌ لَهَـا بِالرَقْمَتَيْـنِ كَأَنَّهَـا = = مَرَاجِيعُ وَشْـمٍ فِي نَوَاشِـرِ مِعْصَـمِ [20]

ويقول طرفة بن العبد:

لِخَوْلَـةَ أَطْلاَلٌ بِبُرْقَـةَ ثَهْمِـدِ = = تَلُوحُ كَبَاقِي الوَشْـمِ فِي ظَاهِـرِ اليَـدِ[21]

ويقول لبيد بن أبي ربيعة:

أَو رَجْعُ وَاشِمِةٍ أَسِفَّ نَوْؤَرُهَـا = = كِفَفًا تَعَـرَّضَ فَوْقَهُـنَّ وِشَـامُهَــا

ويوضح يحيى معروف أن فكرة الوشم عند الجاهلي ارتبطت "بطابع التقديس والإجلال، وهو في لوحة الطلل يرتبط بالمرأة لأن المرأة المثال هي التي تنجب ومن ثم لها الفضل في حفظ الحياة واستمراريتها"[22].

أسطورة الحيوان في بناء العجائبية: النّاقة والفرس

ألمّ الشاعر الجاهلي بالفرس والنّاقة وجعلها في طريق حافل بما نسميه بالتشبيهات، فجعل من النّاقة ذلك الحيوان الصّلب ذات ضلوع عظيمة سريعة في خطوها تقاوم التغيرات في تحملها الصعاب، بحيث جعل لها صور خيالية اشترك فيها الشعراء. ويبين مصطفى ناصف أن "هذه النّاقة هي الإنسان المثالي يحمل شعلة عربية ويستحق الحياة إذا هو حارب، ولذلك كان الشّعار الرّوحي في العصر الجاهلي أنّ الحرب هي مفتاح باب الطّهارة"[23].

الناقة كانت حيوانا مقدسا، حيث دائما ربطت بفعل الحرب وهي عند الجاهلي صورة لباب الطّهارة المقدس، فهي علامة لدلالات تصور الإرادة والعزيمة والصّبر، هذا ما جسدته أبيات شعراء المعلقات فيما يلي:

يقول طرفة بن العبد:

على مثلها أمضي إذا قـال صاحبـيِ = = ألا لَيْتَنِـي أَفْدِيـكَ منهـا وأَفْتَـدِي

وجاشتْ إليه النفس خَوْفًـا وخَالَـهُ = = مُصَابَـا ولو أمسي على غير مَرْصَـدِ

إذا القـوم قالوا متى فَتَى خِلْـتُ أَنَّنِـي = = عُنَيْـتُ فلـم أَكْسَـلِ ولـم أنلَبَـدِ

أَحَلْـتُ عليهـا بالقطيـعِ فَأَجْذَمَـتْ = = وقد خَـبَّ آل الأمْعَـزِ المتوقِـدِ [24]

ويقول لبيد بن أبي ربيعه:

بـطليـح أسفـارٍ تـركـنَّ بَـقِيَـةٍ = = منهـا فـأحنَـقَ صُلْبُهَـا وسِنَامُهَـا

فلهـا هِبَـابُ فـي الزِّمَـامِ كـأنَّهـا = = صَهْبَاءُ خَفِ مـع الجَنُوبِ جِهَامُهَـا [25]

ويقول الحارث بن حلزة:

غير أنِّـي قـد أسْتَعِيـنُ علـى الهَّـمِ = = اذا خَـفَّ بـالـثَّـوِيِّ الـنَّـجَـاءُ

بـزفـوفٍ كـأنّـهـا هِـقْـلَـةُ أُ = = مُّ رِئَــالٍ دَوِّيَّــةُ سَـقْـفَـاءُ[26]

ويقول امرؤ القيس:

وقـد أغْتَـدِي والطَّيْـرُ في وُكْنَاتِهـا = = مُنْجَـرِدٍ قَـيْـدَ الأوَابِـدِ هَيْـكَـلِ

مِكَـرٍّ مِفَـرٍ مُقْبِـلٍ مُـدْبِـرٍ مـعًـا = = كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْـلُ من عَـلِ

كميت يـر اللَّبَـدُ عـن حـال منْتَـهِ = = كمـا زَلَّـتِ الصَّفْـوَاءُ بـالمتَنَــزِلِ

علـى الذَّبْـل حبَّـاشٍ كَـأَنَّ اهتزامـه = = اذا جـاشَ فيـه حُمْيُـهُ غُلِيُ مِرْجَـلِ

مِسَـحِّ اذا مـا السَّابِحَـاتُ على الوَنَـى = = أثَـرْنَ الغُبَـارَ بـالحديـدِ المَرْكَّـلِ[27]

ويقول امرؤ القيس في موضع آخر:

وَوَادٍ كَجَوفِ العَيرِ قَفَر قَطَعْتهُ = = بِهِ الذِئبُ يعوْي كَالخَليع المعيَّلِ[28]

امرؤ القيس لا تنتهي رحلته فوق هذا الفرس في مشهد يصور فيه أهوال الطريق، ففي هذا البيت يوظف أسطورة خلقت جوا من العجائبية تواترت لدى الجاهليين فيما يخص جوف العير. وهي من بين ضمن الأفكار العجائبية التي شغلت الإنسان الجاهلي فكانت له قدوة في تحليل غموض حياته.

يقول عمرو بن كلثوم في ذلك:

تَـرَكْنَـا الخيـل عـاكـفـةً عليــهِ = = مُـقَـلَّـدَةً أعِنَّتَـهَـا صفـونَـا[29]

كما يقول عنترة بن شداد:

هـلاَّ سألـتِ الخيـلَ يـا ابنـةَ مالـكٍ = = إن كُنْتِ جَاهِلَـةً بمـا لـم تَعْلَمِـي

إذ لا أزال علـى رِحَـالَـةِ سَـابِــحٍ = = نَـهْـدٍ تَـعَـاورَه الكُمَـاةُ مُكَلَّـم

طَـوْرًا يُـحَـرَّدُ للطّـعـانؤ وتــارةً = = يـأوي إلـى حَصَدِ القسيِّ عَرَمْـرَمِ

يـخبـرك مـن شهـد الوَقِيعَـةَ أنَّنِـي = = أغشى الوَغَـى وأعِفُّ عِنْدَ المُغْنِـمِ[30]

يؤكد عبد الفتاح محمد العقيلي على أن علي البطل يرى أن وراء كل حيوان ذكر في القصيدة الجاهلية تاريخاً أسطورياً يمثل نظرة الذهن البدائي له رابطاً بينه وبين صور سماوية فالثور مرتبط بالقمر والصياد وكلابه مجموعة من النجوم[31]، وبالنسبة إلى الناقة، فيرى مصطفى ناصف أنها "أشبه الأشياء بالأمومة القوية، ولذلك اقترنت بالنخلة في أذهان العرب، وهى أشبه ما تكون في بنيتها بالأم الكبرى التي تحتوى في داخلها كل ما عداها"[32].

= = = = =

الهوامش

[1] خالد الزواوي، تطور الصورة في الشعر العربي، مؤسسة حورس الدولية للنشر والتوزيع، ط1، ص181.

[2] مصطفى ناصف، قراءة ثانية لشعرنا القديم، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، 1981، ص54.

[3] محمد بلوحي، الشعر الجاهلي في ضوء القراءات العربية الحديثة، ص190.

[4] مصطفى ناصف، قراءة ثانية لشعرنا القديم، ص 64.

[5] امرؤ القيس، الديوان، ضبطه وصححه مصطفى عبد الشافي، منشورات دار الكتب العلمية، ط5، 2004، ص115.

[6] يحيى معروف، جمالية التغزل بالرموز الأنثوية في الشعر الجاهلي، ص 139.

[7] امرؤ القيس، الديوان، ص 113.

[8] محمد بلوحي، الشعر الجاهلي في ضوء القراءات النقدية الحديثة، ص 192.

[9] طرفة بن العبد، الديوان، تحقيق مهدي محمد ناصر الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 3، 2002، ص20.

[10] يحيى معروف، جمالية التغزل بالرموز الأنثوية في الشعر الجاهلي، ص131.

[11] عمر بن كلثوم، الديوان، تحقيق إميل بديع يعقوب، دار الكتاب العربي،مج،1 ط1،1991،ص68-69.

[12] محمد بلوحي، الشعر الجاهلي في ضوء الدراسات النقدية الحديثة، ص 61.

[13] عنترة بن شداد، الديوان، مطبعة الآداب، بيروت، ط4، 1893، ص.81.

[14] عبد الفتاح محمد العقيلي، الدكتور علي البطل والتفسير الأسطوري للشعر العربي، كلية الآداب، جامعة المنية، مصر

http://dr-alaqeely.com/?p=82

[15] الحارث بن حلزة، الديوان، تحقيق إميل بديع يعقوب، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1991، ص20-21.

[16] يحيى معروف، جمالية التغزل بالرموز الأنثوية في الشعر الجاهلي، ص135.

[17] امرؤ القيس، الديوان، ص .116

[18] يحيى معروف، جمالية التغزل بالرموز الأنثوية في الشعر الجاهلي، ص123.

[19] مصطفى ناصف، قراءة ثانية لشعرنا القديم ،ص56 .

[20] زهير بن أبي سلمى، الدّيوان، شرحه وقدم له علي حسن فاعور، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، ط1، 1988، ص102.

[21] طرفة بن العبد، الديوان، ص19.

[22] يحيى معروف، جمالية التغزل بالرموز الأنثوية في الشعر الجاهلي، ص127.

[23] مصطفى ناصف، قراءة ثانية لشعرنا القديم، 110.

[24] طرفة بن العبد، الديوان، ص23-24.

[25] المصدر نفسه، ص169.

[26] الحارث بن حلزة، الديوان، ص21.

[27] امرؤ القيس، الديوان، ص118-119.

[28] امرؤ القيس، الديوان، ص117.

[29] عمر بن كلثوم، الديوان، ص72.

[30] عنتر بن شداد، الديوان، ص82.

[31] عبد الفتاح محمد العقيلي، الدكتور علي البطل والتفسير الأسطوري للشعر العربي، كلية الآداب، جامعة المنية، مصر

http://dr-alaqeely.com/?p=82

[32] مصطفى ناصف، قراءة ثانية لشعرنا القديم، ص102.


موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3430898

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC