أوس حسن - العراق

الفتى الأسمر إيفان

"معركة الروح وحشية كمعركة الرجال، لكن رؤية العدالة هي بهجة الله وحده". آرثر رامبو.

أوس حسنلم يخرج من بيته، كان في انتظار الفراشات التي تطلقها كل يوم من حنايا صوتها الحالم، وصباحاتها الندية. السماء العارية من حقيقتها هذا المساء كانت تئن في صدره وتمزق قلبه الجريح. ثلاثون موتا، وحياة ٌ واحدة، هذا هو تاريخه. حياة واحدة سيختارها الآن.

العبودية والخوف كائنان ثقيلان جعلا منه قديسا في معابد الصمت. سجناه ونقشا ظله خلف جدران النسيان والعتمة البعيدة، لكنه أصبح الآن حرا، وله حياة واحدة سيختارها بعد قليل.

عند مرافئ البحر هناك، حيث النوارس المهاجرة، وموسيقى الصمت الصاخب، أصبحت ذاكرته صفرا حسب توقيت العدم؛ وكما أن الحياة لم تتسع يوما لأحلامه الهاربة، لن يتسع الموت لانكساراته.

لن يكون الغد أجمل، ولن يصحح الماضي أخطاءه، ويعتذر مني. أنا واثق من ذلك، فكل هذه الأشياء بجوهرها وغموضها، هي وجه آخر للعدم. وداعا أيها العالم، وداعا أيتها الأناشيد الباردة، وداعا أيها الضجيج الوحشي، رددها قبل أن يعزف لحن رحيله الأخير.

صدى الصوت المدوي، أيقظ الأسرار الساكنة في عمق البحر. الشمس بردائها الإرجواني استلقت على جسد البحر. القمر الموشى بالذهب يطل من بين الغيوم القرمزية، يمزق أثواب حكمته القديمة، ويذوب في الأحمر اللازوردي. السكون هنا يشبه بداية الخليقة، والمشهد بريء ونقي تماما، عار من كل شيء يشبه براءة الأرض، قبل أن ترتطم بها الفكرة السرمدية.

المشهد ضبابي تارة ومعتم تارة أخرى. الأجساد الشفافة والأطياف الهلامية تلوح له من بعيد، لم يفعل شيئا سوى أنه عانق ذلك الطفل المعذب، الطفل المسجون في أعماقه منذ موته الأول.

عند مرافئ البحر، الفتى الأسمر ذو الساق المبتورة، يجره طائران مضيئان بوجوه آدمية في دهليز مظلم. في هذا الدهليز، تتبدل الوجوه، والأصوات، والأحلام كل ثانية. امتلأ المكان بالموسيقى، لم تكن الموسيقى غريبة عنه، بل كانت غامضة وبعيدة.

بدأ الصوت يقترب منه رويدا رويدا، تبدد الظلام. اجتاحه النور الكثيف، وخطفه إلى هناك.

هناك عند مرافئ البحر، وبعد خمسين عاما لم يعرف أحد في هذا العالم أن إيفان الفتى الغريب، قد جاء ورحل.

توافد الزوار والسياح من بقاع الأرض المختلفة، بنيت عشرات الفنادق والمنتجعات السياحية، البشر يأتون إلى هنا من كل حدب وصوب، بأعراقهم وأجناسهم ولغاتهم المختلفة.

على رمل الشاطئ، وحيثما سرحت بصرك على امتداده، سترى الكهل الخمسيني بائع المرطبات، عشاق في الزوايا الخفية، فتيان وفتيات يلهون بأمواج البحر، يلعبون بالكرة الطائرة. عوائل وأصدقاء نصبوا خيمهم ومظلاتهم على رمل الشاطئ، وأنت لا تسمع منهم إلا تلك القهقات والضحكات العالية والأحاديث الطريفة الممزوجة بالسخرية أحيانا.

على شاطئ البحر فتاة خلاسية ترقص على أنغام موسيقى صاخبة وسريعة، زوج تأبط ذراع زوجته وهم يسترجعون أيامهم الخوالي، وتفاصيلهم القديمة، عندما كان الحب في قلبيهما فتيا كنجمة خضراء تتوهح في مرايا الروح، قبل أن يأكلها الصدأ، مشردون، لاجئون، سكارى، تلاحق عيونهم أجساد الفاتنات نصف العاريات لتفترسها وهنّ يتمشين بغنج ودلال على رمل الشاطئ.

عجوز ناهز السبعين مستلق تحت أشعة الشمس، يطالع جريدة وينثر ما تبقى من فتات عمره على أمواج البحر المتلاطمة. أم تنادي على طفلها الصغير بصوت مسموع وهو يلعب عند جرف البحر: انتبه يا إيفان، لا تذهب بعيدا، ارجع إلى هنا حالا.

مئات الشعراء والفلاسفة والفنانين المصابين بهوس الانتظار ونبوءة غودو جاؤوا إلى هنا، ولم يعرف أحد أن الحقيقة كانت يوما هنا ورحلت.

العالم المسكون بالصمت والموت الأخير كان في عيني إيفان، لكن أسئلة إيفان لم ترحل معه بل سكنت عيون الأطفال والغرباء، وسكنت قلب كل فتاة خرساء تعذبها أحلامها.

دموع إيفان ما زالت تضيء ليل البحر وأنين أمواجه العميق. ذكراه الأخيرة ما زالت ندية عالقة في أجنحة النوارس، وهي تعانق ظلال الأفق الحمراء ساعة الغروب. إيفان لا أهل له ولا وطن، لا أرض له ولا سماء، جاء إلى هذا العالم وحيدا، عاش وحيدا، ورحل وحيدا.

لكنه أحب تلك الفتاة، الفتاة الخرساء التي اغتصبها الجنود العائدون من حروبهم الشمالية، اغتصبوها وقتلوها ورموا جثتها في البحر. كان يركض بساق واحدة، يتكئ على عكازه يمشي ويتعثر بخطوته، ينادي عليها، يبحث عنها، يجلس تحت ظلال الشجر الوارفة، يبكي وينوح كالأطفال، يخضب الدمع لحيته الكثة، والريح تحمل صدى آهاته كل يوم. لا أنيس له إلا البحر، ولا وطن له إلا الريح.

لكنه بعد أن قضى من العمر ثلاثين خريفا وربيعا واحدا: متأملا، مفكرا، صامتا، قبل أن يفتح له الجنون نوافذ الحقيقة الأزلية، وقبل أن يحاصره ذلك الصوت البعيد، قرر في ذلك اليوم، وهو ينظر إلى المدى بعينيه العميقتين، أن يتعرى من نبوءته، وأن يولد مرة أخرى هناك.

هناك عند مرافئ البحر، وقبل خمسين عاما، لم يعرف أحد أن ايفان البحار الصغير، وشاعر الأبدية المطلق، هو ذلك المنتظر الموعود، الذي توحد مع الفناء واختفى إلى الأبد.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3206368

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC