كريمة صافر - الجزائر

العمل المنتج ومسألة التنمية

يتناول هذا المقال أهمية ودور العمل المنتج في تحقيق التنمية، باعتبار أن الطاقة البشرية تعتبر وبالنسبة لأي مجتمع هي أهم ثروة حقيقية له، وتنبع مشكلة الدراسة فيه من اعتبار القدرات التنموية لأي بلد مرتبطة بما تمتلكه من طاقات بشرية مؤهلة، ومدربة وقادرة على التكيف والتعامل مع أي جديد بكفاءة عالية، وليس فقط بما يحتويه من إمكانيات مادية وطبيعية. فالتنمية تستهدف توفير الشروط التي تمكن الإنسان من تحقيق إنسانيته وتحقيق ذاتيته بمختلف مقوماتها وخصائصها. إن العمل وبخصائصه وأبعاده الإنسانية والمجتمعية تجعله من أهم العمليات الاجتماعية والإنسانية التي تساهم في تنمية المجتمع إنتاجياً وفنياً وثقافياً.

الجوهري في أي إنسان هو الطريقة التي يشبع بها احتياجاته المادية، هل من عمله؟ أم باستغلال عمل الآخرين؟ وهذا ما يحدد مصالحه الحقيقية ومن ثم يحدد مواقفه وأفكاره عادة. إن الكثير من الناس يحصلون على دخولهم من مصادر متعددة وبطرق متنوعة، مما ينوع من مصالحهم ومواقفهم وأفكارهم في الحياة، وباعتبار أن البشر لابد وأن يشبعوا هذه الاحتياجات المادية من خلال علاقات اجتماعية مع الآخرين، حيث يقول سامح سعيد عبود :" إن الجوهري في أي مجتمع هو الطريقة التي يشبع بها البشر احتياجاتهم المادية المختلفة، وكيف تتوزع هذه الاحتياجات فيما بينهم، وبتعبير أدق العلاقات الاجتماعية التي يتم بها إنتاج احتياجاتهم المادية "(01).

إن الإحصائيات الدولية تكرر رقما حول ألف دولار كمتوسط لدخل الفرد العربي سنويا، وهو رقم بالغ التواضع لا سيما إذا ما قورن بمثله في دولة كوريا الجنوبية أو سنغافورة. ولمزيد من تجسيد الصورة فإن متوسط دخل الفرد في دولة صغيرة مثل هولندا هو اليوم ألف دولار في السنة، علما أن تعداد هولندا 14 مليون مواطن يقف إلى جواره تعداد آخر من الحيوانات 14 مليون بقرة و21 مليون خنزير. للتجسيد أكثر فإن دخل هولندا من الزهور فقط يعادل دخل مصر من البترول وقناة السويس (02).

خلال نصف القرن الماضي لم ننجز إنجازا حضاريا واحدا نابعا من تفكيرنا بأنفسنا ومصلحتنا، لم نبن شبكة من طرق المواصلات على الأرض العربية تيسر نقل منتجاتنا الزراعية والحيوانية بين الأقطار العربية الممتدة على قارتين عظيمتين، لم نبن أسطولا تجاريا يتحرك بين المدائن العربية عاملا على تحقيق الوحدة الاقتصادية بين الأقطار العربية ويسهل التبادل التجاري بينها ويوفر فرص العمل لآلاف من الرجال والنساء، لم نبن مؤسسة صناعية تصنع منتجاتنا الزراعية والحيوانية وتفتح اقتصادنا على الأسواق العالمية.

لم نؤسس نظاما تربويا يؤدي إلى خلق التناظر الفكري والكفاية الإنتاجية بين الأجيال العربية، لم نقم مؤسسة طبية متكاملة بين أقطار الأمة العربية ترتفع بالمستوى الصحي للأمة الذي هو أساس السعادة العامة والإنتاجية العالية، لم نفعل شيئا من هذا(03).

النمو والتنمية

إن أول استخدام لكلمة تنمية (development) بالمعنى المعاصر يرجع إلى يوجين ستيلي (Eugene Stalye)، الذي اقترح خطة لتنمية العالم سنة 1939(04). وقد انتشر استخدام هذا المفهوم بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة بعد موجة التحرر التي شهدتها دول العالم الثالث، والتي كانت قابعة تحت الاستعمار، ومن ثم ظهرت التنمية كآلية للقضاء على التخلف والوصول إلى مصاف الدول المتطورة.

في البداية ظهر مفهوم التنمية الاقتصادية، التي تركز على العوامل الاقتصادية لإحراز التنمية، وهي تهدف إلى تضييق الفجوة في دخل الفرد بين الدول المتقدمة والدول الفقيرة(05) وزيادة الدخل القومي. ولكن بعد الستينات من القرن الماضي تغير مدلول التنمية، حيث تأكد أنه لا يمكن الاعتماد على العوامل الاقتصادية وحدها لتحقيقها، بل لا بد من الاهتمام والتركيز على العديد من العوامل المختلفة والمتنوعة الاقتصادية منها والاجتماعية والثقافية والسياسية والإدارية(06).

وتعرف التنمية وفق التصور الحديث بأنها "تعني حصيلة تفاعلات سياسية واقتصادية واجتماعية وإدارية متداخلة ومستمرة، تشكل كل منها، وبدرجة متفاوتة، عاملا مستقلا وتابعا في آن واحد"(07). كما تعرف أيضا بأنها "التحريك العلمي المخطط لمجموعة من العمليات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية من خلال إيديولوجية معينة، لتحقيق التغيير المستهدف من أجل الانتقال من حالة غير مرغوب فيها إلى حالة مرغوب الوصول إليها"(08).

التنمية اصطلاحاً غير النمو، لكن الأخير يدل على التغير التلقائي في الشكل والمظهر أو في الكم والعدد، وهو ما يعد من خصائص الكائنات الحية جميعاً. أما التنمية فهي عملية مخططة وهادفة قد توجه عملية النمو وتسارعها أو تحسن في نوعيتها أو تغير في اتجاهها، وقد تقع خارجها فتصطنع وتحلل وتركب المتغيرات وتبتدع المخرجات لتحصل على ما هو أحسن وأفضل أو ما هو متفرد ومتميز في خصائصه. وهذا لا يتحقق إلا بتوظيف الخبرة والمعرفة وبذل الجهود واعتماد المناهج العلمية وتوظيف الدراسات والفرضيات والنظريات.

وقد شاع مصطلح التنمية خلال النصف الثاني من القرن العشرين فظهر أولاً من الأدبيات الاقتصادية ثم الاجتماعية، ومع عقد الستينيات استخدم في الأدبيات السياسية والإدارية حتى تبنته هيئة الأمم المتحدة حين نعتت عقد السبعينيات بعقد التنمية الشاملة، لتنضوي تحته كل السياسات والخطط والبرامج والموازنات الموجهة إلى إحداث التغيير والإصلاح في مختلف الأوضاع والمجالات على صعيد الدولة والمجتمع(09).

تعريف العمل

يعرف ألفرد مارشال العمل على أنه "ذلك الجهد العضلي والبدني المبذول جزئيا أو كليا لغرض نافع، غير التسلية المستمدة من العمل المباشر"(10). العمل هو جملة النشاطات الفيزيقية والذهنية للإنسان لإنتاج المواد والخدمات النادرة أو المرغوبة(11). المقصود بالعمل هو أي جهد بشري سواء كان عضليا أو فكريا يبذل في العملية الإنتاجية مقابل الحصول على أجر معين والجمع بين الجهد العضلي والفكري.

يجب النظر إلى تثمين عنصر العمل من جهة إحداث مناصب شغل مهما كانت طبيعتها أو مردودها حتى ولو كانت بأجور زهيدة، فالعمل يعطي للفرد قيمته في المجتمع من خلال إدماجه في الحياة الاجتماعية ويشعره بالطمأنينة، وينشئ علاقة بين جهد الفرد وبين نتيجة عمله(12).

والعمل حق من حقوق الإنسان، ودوافع الحياة تدفعنا إلى العمل كي يعمر الكون، والإنسان العاطل عن العمل لا يفيد ولا ينفع بل يضر ويسئ ، فالمرء إذا لم يصرف وقته في درب عمل نافع، فسيقضي وقته متسكعا ويمضي وقته بعيدا عن التفكير في مستقبله، فيحقد على الوجود بدون سبب. لذلك تفسح المجتمعات الفرص أمام المواطنين للعمل، وتجعله حق لمواطنها يتقاضون مقالبه أجرة حسب نوعية العمل ومردوده ذلك ليكون للعامل له دور فعال في المجتمع (13).

العمل والتنمية

إن العمل إضافة إلى خصائصه وأبعاده الإنسانية والمجتمعية تجعله من أهم العمليات الاجتماعية والإنسانية التي تساهم في تطور المجتمع إنتاجياً وفنياً وثقافياً، وبالتالي فإن النظرة للعمل تغيرت بشكل كبير عما كانت عليه، فقد أصبح العمل حقاً وواجباً إنسانياً، وعليه فإن إعادة النظر في الموارد البشرية لم تصبح وسيلة بل ضرورة إنسانية.

إن الاتجاه نحو التغيير يعد فرصة للمجتمعات النامية وذلك للاستفادة من ثرواتها البشرية وقدرتها الحضارية والعقلية والمعرفية، وذلك باختيار أسلوب تنموي يكون هدفه الرئيسي مشاركة الإنسان العربي في صنع قراره الخاص حاضراً ومستقبلاً والعمل على تعبئة قدراته وموارده للاستفادة من إبداعه، باعتبار أن العمل يعطي صورة واضحة وملخصاً عن أحوال البنية الاجتماعية السائدة وعلاقتها بالعوامل الخارجية، فالاحتكاك بالوسط الخارجي يجعل المجتمع يقوم بنشاطات إنتاجية وتوزيعية وخدمية تنتج من تطور تلقائي لنمط الإنتاج، مما يخلق طلباً على مهن ونشاطات ومهارات تنتجها البنية الاجتماعية نتيجة احتكاكها بالوسط الخارجي.

فعلى صعيد المجتمع لا يمكن للتنمية أن تأخذ مجراها دون نمو اقتصادي، أي دون زيادة في إنتاج السلع والخدمات، حيث أن تأمين حاجات الناس من السلع والخدمات يعتبر الركيزة الأساسية لتوسيع خياراتهم وتعزيز قدراتهم وباعتبار العمل أحد العناصر الرئيسية للإنتاج، فإنه بذلك يعتبر أحد مقومات التنمية وهو المصدر الرئيسي للحصول على الدخل الذي يمكن الناس من إشباع حاجاتهم، وبالتالي فإن الدخل المتأتي من العمل المنتج يعتبر أحد الطرق الضرورية لتوسيع خيارات الناس وتعزيز قدراتهم.

كما تلعب العوامل الاجتماعية دورها في التأثير على مفهوم العمل، من خلال تأثير أوضاع البنية الطبقية للمجتمع، وذلك بسيطرتها على عملية التنمية والطلب على نوعية محددة من العمل، وبالتالي نمط الاستهلاك والإنتاج.

وانطلاقاً من هذه المفاهيم، فإن العلاقة بين العمل المنتج والتنمية علاقة متبادلة حيث يغذي كل منهما الآخر، فالعمل المنتج يبدو وكأحد المقومات الرئيسية للتنمية، على اعتبار أن العمل يعود على العامل بدخل يسمح له ولعائلته بالعيش فوق خط الفقر المطلق.

كما أن التنمية تبدو من المقومات الرئيسية للعمل المنتج وذلك بإتاحة فرص العمل أمام الناس وتحسين إنتاجيتهم من خلال توفير التعليم والتدريب، حيث يعتبر انخراط الناس في دائرة العمل المنتج الأبعاد الرئيسية للتنمية لكونه يشكل المدخل الأساسي لتجسيد مفهوم التنمية والذي يقوم على توسيع الخيارات والاستخدام الأمثل للقدرات وتحقيق المشاركة والتمكين والعدالة والأمن.

والانخراط في العمل المنتج شرط أساسي للتمكين الاقتصادي والشعور بالأمان ولمكافحة الفقر، وهو مدخل أساسي للاندماج الاجتماعي إذ يبعد الأفراد عن دائرة التهميش أو الشعور بأنهم عالة على الغير مما يعطيهم دوراً معترفاً به في المجتمع(14).

خاتمة

إن المصدر الحقيقي لثروة أية أمة لم يعد في امتلاك الخامات أو قوة العمل أو الآلات، وإنما في بناء القوى البشرية المؤهلة علمياً وتقنياً ومعرفياً، وأضحى محوراً للعلوم الاجتماعية. وللمؤسسات التعليمية دور كبير منتظر في ترسيخ قيم العمل في نفوس أبناء أي مجتمع وتلقينهم قيم العمل والإنتاج كقيم تميز ما بين المواطن الجيد والمواطن الذي يعيش عالة على المجتمع.

ومن الضروري أن تزخر البرامج التعليمية بترغيب الأطفال في حب واحترام العمل وحتمية أن يكون نظام الحياة في المجتمع في خدمة العمل. ومن أراد سرد قصة حياته كان عليه الحديث عن الأعمال التي مارسها بشكل تفصيلي، فقد شكل العمل مصدراً لتحديد الهوية، وقد أنهى فيرنر سيمنس مذكراته بمقطع من العهد القديم: "إذا كانت الحياة جميلة وحلوة، فإن ذلك يعود إلى المثابرة والعمل".

= = = = =

قائمة المراجع

1= سامح سعيد عبود. في جذور الأزمة الاقتصادية العالمية-العمل ورأس المال والدولة. مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات. ط1. القاهرة.2011. ص9.

2= طارق حجي. الإدارة والواقع العربي. بحوث ودراسات المنظمة العربية للتنمية الإدارية. مصر. 2006. ص55.

3= أسامة عبد الرحمن. تنمية التخلف وإدارة التنمية في الوطن العربي والنظام العالمي الجديد. مركز دراسات الوحدة العربية بيروت. ط.2003.2. ص193.

4= إسماعيل العربي. التنمية الاقتصادية في الدول العربية والمغرب العربي. الشركة الوطنية للنشر والتوزيع. الجزائر. 1994 ص32.

5= المرجع نفسه. ص33.

6= Gérard Timist. Théorie de L’Administration. Edition Economisa. Paris 1986. pp 335-340.

7= محمد صادق. إدارة التنمية وطموحات التنمية. المنظمة العربية للتنمية الإدارية. عمان. الأردن. 1983.ص20.

8= عاطف غيث. علم اجتماع التنمية-دراسة في اجتماعيات العالم الثالث- الهيئة المصرية العامة للكتاب. الإسكندرية.1974، صVI –V.

9= دمدوم كمال. دور ومكانة الصناعات الصغيرة والمتوسطة في الجهاز الصناعي المتميز بالثنائية. بحوث وأوراق عمل الدورة الدولية المنعقدة خلال الفترة 25-28 ماي 2003. بعنوان تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتطوير دورها في الاقتصاديات المغاربية. منشورات مخبر الشراكة والاستثمار في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الفضاء الأورو-مغاربي كلية العلوم الاقتصادية والتسيير.لجامعة فرحات عباس. سطيف الجزائر.2004. ص108.

10= محمد حسان المناعي. التشغيل في تونس. مقاربة وطنية للتحديات الكبرى. مجلة أفكار الإلكترونية. الموضوع متوفر على الرابط التالي:

http://www.mafhoum.com/press7/233E14.htm

11= جورج لا باساد. رينيه لورو. تر: هادي ربيع. مقدمات في علم الاجتماع. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. ط2. بيروت. 1986. ص95.

12= عبد العزيز بن صقر الغامدي. تنمية الموارد البشرية ومتطلبات التنمية المستدامة للأمن العربي: جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية نموذجاً. متوفر على الرابط التالي:

http://towardsbetterdevelopment.blogspot.co.uk/2013/02/blog-post_7606.html

13= أمين عبد الله إبراهيم. العمل والتنمية البشرية. صحيفة "14 أكتوبر"، 26 أوت (أغسطس) 2010. عنوان موقعها (www.14october.com).

14= عبد العزيز بن صقر الغامدي. تنمية الموارد البشرية ومتطلبات التنمية المستدامة للأمن العربي: جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية نموذجاً. متوفر على الرابط التالي:

http://towardsbetterdevelopment.blogspot.co.uk/2013/02/blog-post_7606.html


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3254967

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC