إيمان يونس - مصر

وحيدة + صفعة الحياة

إيمان يونسوحيدة

(1)

عن بعد أغلقت سيارتها بالمفتاح الإلكتروني وأجراس الإنذار تدوي بإذنيها مع كل خطوة تبتعد بها عن السيارة وتقترب من مواجهته.

(2)

استفزها حد البكاء، لمحت علامات النصر منصوبة على وجهه مع ترقرق الدموع في عينيها، أدارت وجهها عنه وتمتمت: لقد اجتمعت أنت والزكام علي في يوم واحد. أخرجت مناديل ورقية توقف بها رشح أنفها قبل دموعها ثم ألقت بها في صندوق القمامة، أقفلت فمها، وأمسكت لسانها محاولة بلع الإهانة التي تمضغها بأسنانها، وتركته مذهولَا مهزوما أمام صلابتها.

(3)

عادت إلى بيتها. أحكمت إغلاق مزلاج الباب، تحولت روحها إلى حقيبة مفتوحة يفتشها جنود الوحدة والتراب، وَمضت شاشة هاتفها الخلوي باسمه، صورته ورنته المميزة، أغلقته ولكن الخلايا المتألمة داخلها انهالت عليها بسؤال يطن في رأسها: "لماذا لم يعد يحبني؟"


صفعة الحياة

(1)

عاد نجلي من المدرسة وعيناه متورمتان من شدة البكاء، والحزن مرسوم على قسمات وجهه، وجلي بنبرات صوته.

"ماذا بك يا فلذة كبدي؟"

أجاب من بين دموعه: "لقد صفعتني المعلمة على وجهي دون أن أرتكب ذنبا".

استشطت غضبا وأحسست أن الصفعة وُجهت لي، بت قلقا حتى بزغ أول شعاع للصباح. اصطحبت نجلي إلى مكتب مديرة المدرسة أشكو لها ما بدر من معلمة الصف وما لحق به من أذى بدنيا ونفسيا.

أبدت المديرة تعاطفا معنا ولكن أرجأت حكمها النهائي حتى نستمع للطرف الآخر.

طرقت الباب ثم فتحته وتقدمت نحو المديرة بخطوات واثقة. وما أن رأت نجلي حتى تعرفت على سبب وجودها ووجودنا في حضرة المديرة وبادرت موجهة حديثها لي :

"ماذا تفعل لو كنت تمشي بسلام بالممرات الفاصلة بين طاولات التلاميذ والتلميذات وتجد ساقا ممتدة عن آخرها لتعرقلك كي تسقط ويضحك عليك تلاميذك وتلميذاتك؟ هذا ما فعله نجلك. وما ناله من عقاب لا يرضيني. عليه أن يقدم لي اعتذارا لائقا عند عودته للفصل. المدرسة تربية و تعليم".

واستأذنت للانصراف للحاق بحصتها الأولى دون أن تسمع ردا مني أو من مديرة المدرسة. ثقتها بنفسها ألجمتني وطلتها المريحة أيقظت داخلي أشياء ظننت إنها دُفنت يوم ماتت والدة ولدي. لُمت نجلي على فعلته وطلبت منه أن يتبعها إلى الفصل ويعتذر لها لأنه أخطأ خطأَ جسيما. وقبل أن أغادر المديرة مُعتذرا ألححت عليها في أن توافيني برقم هاتف أو جوال المعلمة.

وانتظرت حتى حل المساء بشغف، وبيني وبين نفسي أحضر الكثير من الكلمات. وما أن سمعت صوتها حتى تاهت كلها مني. ولكني حددت الهدف من مكالمتي: أن أزورها في بيت أهلها لتشاركني رحلة الحياة وتربية نجلي الذي أختطف الموت أمه منا وهو رضيع. وافقت وكانت بداية حياة جديدة لثلاثتنا.

(2)

هدأت النار المضطرمة بقلبها بعد أن أبلغتها الشرطة أنهم ألقوا القبض على قاتل ابنها واعترف بجريمته وسيقدم للمحاكمة في القريب العاجل.

باتت منتظرة ليوم القصاص على أحر من الجمر. ولثبوت الجريمة مع سبق الإصرار والترصد، جاء الحكم بالإعدام شنقا، وطلبت الأم المكلومة أن يتم تنفيذ الحكم في ميدان عام ليكون عبرة لأمثاله.

كان لها ما أرادت وبُلغت بموعد ومكان تنفيذ الحكم، ذهبت ونارها مستعرة ورأته عن بعد وجهه مغطى بكيس أسود وعيناه معصوبتان، وكان مقيدا بالسلاسل والأصفاد. أجلسوه على مقعد الإعدام ووضعوا الحبال حول عنقه.

علا صوتها عبر مكبر الصوت القريب منها: "لا سامحك الله".

عندئذ أجهشت أم القاتل بالبكاء، تقدمت أم القتيل الصفوف ودنت من القاتل وصفعته صفعة قوية على وجهه.

أغشي على أمه على أثرها، وانهارت على الأرض فاقدة الحركة. تأثرت الأم برؤيتها ولأنها مكلومة بفراق ولدها أحست بلوعتها. صفحت عنه من أجل أمه المسكينة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3200404

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC