مهند فوده - مصر

في حضرة العريس


مهند فودهبالأمس فقط أخبروها أنها على موعد للقاء عريس ووالدته بعد أربع وعشرين ساعة لا أكثر، ولن يكون اللقاء في بيتها كما كانت عشرات اللقاءات التي سبقتها.

لم تعترض كعادتها أو تتذمر كلما اتفقوا على موعد مماثل وكانت به آخر من يعلم. بوجهة نظرهم، يعلمون أن جدول مواعيدها خال طول الوقت، بينما تفسره هي انتقاصا لأبسط حقوقها في تحديد توقيت يلائمها حسبما تتواءم أجوائها النفسية للقاء كهذا. ملت عدم إدراكهم لمشاعرها، ففضلت الصمت يأسا لا موافقة.

قبل الميعاد بساعتين جلست أمام المرآة مستسلمة لأيدي نساء عائلتها، هذه تصفف لها شعرها، وتلك ترسم بالكحل عينيها، وتلك تضيف حمرة لوجنتيها، وأمها في الخلف تشرف عليهن وتضيف بعض الملاحظات بين الحينة والأخرى كلما أطلت برأسها من بين فساتينها المعلقة تتفحص ما وصلوا إليه.

بطرف عينيها، أخذت تتابع والدتها من المرآة وهي ترمي بفساتينها على مخدعها واحدا تلو الأخر. بالنسبة لوالدتها هي تبحث لها عن فستان جديد "كفأل حسن" يصلح لموعد جديد لعريس جديد. وبالنسبة إليها فكل فستان مُسجى على مخدعها، لها معه ذكرى مؤلمة لموعد ولقاء.

معظم أزرار فساتينها تلك تحمل في طياتها كلمة سمعتها وابتلعتها رغما عنها. بعض ألوان فساتينها تلك تذكرها بنظرة ما تلقتها واستقرت في أعماقها متسببة في جروح مختلفة درجاتها.

ثلاث فساتين فقط لا غير، استبدلت خيوط حياكتها بساعات انتظارها الطويل لعريس راقها وأحسنت الظن به، وانتظرت اتصالا منه، فطال ذهابه ولم يعد أبدا.

كل تلك الفساتين التي تتطاير لتوها في الهواء، قامت بارتدائها مرة واحدة لا غير، فلم تتشاءم منها فحسب كما والدتها، بل كرهتها جميعا حد رغبتها في إضرام النيران بخزانتها وما تحتويه. كلما اضطرت لفتحها، أطل منها عريس تلو الآخر. لا يستغرق وقت لقاء عريس حتى تغادره أكثر من ساعتين، ليقيم في خزانتها ما تبقي من عمرها.

بعد ساعة كانت العروس قد انتهت من ارتداء حلتها، وقفت أمام المرآة. وكل منهن يتغزلن في جمالها، أو بالأحرى يشكرن في صنع أيديهن وما أضافت أصابعهن لجمالها.

لم تعلق هي بدورها أو تشكر مجاملة صنعهن بابتسامة، فقط طلبت منهن أن يتركنها وحدها لدقائق ويخرجن.

جلست أمام المرآة تحدق في عروس الشمع البادية أمامها، عروس منحتها الأصباغ جمالا اصطناعيا فبدت في المرآة جسدا بلا روح. حدقت طويلا في عينيها، فاغرورقت عينا عروس الشمع بالدموع وقد أحيت فيها الدموع الروح من جديد. ازدادت دموعها غزارة حتى لطخت وجهها بمزيج من الألوان جراء ذوبان الأصباغ حول عينيها وعلى وجنتيها.

بعد قليل انفتح باب غرفتها، طلت منه قاصدة باب الحمام، لم تعط فرصة لعينيها أن تعلّق بأعين الجالسات في الصالات المصوبة نحوها والغاضبة بلا شك مما فعلته بصنع أيديهن. تحت صنبور الماء ومن خلف باب الحمام استمعت لوالدتها تصرخ فيها تؤنبها متوعدة لها.

لم يكن متاحا أمامهما مزيدا من الوقت سوى لإضافة بعض الرتوش الخفيفة وأسرعتا تلحقان بموعدهما. وفي طريقهما ألقت الأم على مسامع ابنتها نشرة التعليمات والتحذيرات التي تتلوها قبيل كل لقاء مع زيادة نبرة الوعيد هذه المرة وارتفاع حدة التهديدات مغبة مخالفاتها.

جلست في حضرة العريس ووالدته، بعد أن اختارت لها والدتها جِلسة بجواره. قبلت الجلوس على ذاك المقعد مضطرة، لا تخلو ملامحها من انزعاج واضح وضيق.

في بداية جلستهم، أبدى هو ووالدته لهما لطفا معتادا وترحابا، ولم تكد والدتها تلتقط أنفاسها حتى بدأت حديثها بوصلات المديح المعتادة في ابنتها شارحة لهما مميزاتها ومهارتها في الطبخ وأمور البيت وكأنها تروج لمميزات مكنسة كهربائية. بدورها ظلت ابنتها تراقب ما يقال عنها صامتة، لا خجلا ولكن ضيقا وانزعاجا.

كانت والدة العريس متفاعلة مع ما تقوله أم العروس لأقصى مدى، فأخذت تسأل وتستفسر عن مهاراتها وفي ذات الوقت تقلب بعينيها فاحصة جسد العروس من رأسها لأخمص قدميها.

لم تحمر وجنتا العروس خجلا من نظرات تلك المرأة وتدير عينيها بعيدا مثلما اعتادت أن تفعل كلما تفحصتها عين كهذه. بابتسامة مصطنعة قررت مبكرا وقف النظرات الفاحصة لجسدها من والدة العريس قبل أن تشرع في فتح حقيبة يدها لتخرج حبات اللوز الخام وتطلب من الفتاة كسرها بأسنانها لتتبين مدى جودتها كما فعلت ماري منيب مع عروس ابنها في إحدى أفلامها القديمة.

لاحظ ولدها ما حدث، فنادى سريعا على النادل محاولا معالجة الموقف بشد انتباه الجميع إليه، سائلا العروس أولا عما تحب أن تشربه، فأجابت سريعا قبل أن تختار لها والدتها كما تفعل دوما: "عصير ليمون". وبعد أن سجل النادل بقية الطلبات وذهب، تذكرت أنها لا تحب قط عصير الليمون. لم تعتد الاختيار وحينما اختارت، اختارت شيئا لا تحبه ولا تطيق مرارته.

أخذ العريس يتحدث عن نفسه متباهيا بمشاريعه وإنجازاته، وبشبكة علاقاته المتعددة ونفوذه وسلطاته. غرور صلف أثار غثيانها، تخيلته طاووسا منفوخا يكاد أن ينبت الريش من كل أنحاء جسده مخترقا ملابسه. قررت ألا تعير اهتماما لما يقول، فلاحظ هو شرودها عن حديثه. فأدار دفة الحديث سريعا نحوها يسألها عن حياتها.

قبل أن تهم هي بالإجابة أسرعت والدتها تجيب نيابة عنها، نظرت لوالدتها بعينيها تعاتبها. فتركت لها الإجابة عن سؤال إن كانت تعمل، مطمئنة لإجابة ابنتها. وبالفعل أجابت بالنفي، فقاطعها: "ذلك أفضل، فالمرأة أولى بها زوجها وبيتها وأولادها". فقاطعته هي هذه المرة مستكملة إجابتها:

"بالفعل حاليا لا أعمل ولكن من أول الشهر القادم سأداوم في قطاع خدمة العملاء بأحد الشركات"، ثم أضافت: "لا ضرر من عمل المرأة طالما توازن بين متطلبات بيتها وعملها".

بدا على وجه امتعاض مما تقول فصمت دون تعليق، ولكن والدته قالت عنه معلقة: "ما سيدفعونه لكِ شهريا، سيدفعه لك زوجك أضعافا دون تكبد جهد أو تعب"، ردت عليها بحدة حاسمة الموضوع: "ولكني لا أعمل من أجل المال في حد ذاته، اعمل لإثبات نفسي وبناء ذاتي".

في أثناء ذاك الحوار، كانت والدة الفتاة تزمجر لابنتها بعينيها تكاد أن تنفجر من الغيظ. لم ترقها مطلقا إجابة ابنتها عن ذلك السؤال. ودت لو كذبتها أمامهما وصارحتهم بحقيقة أن لا نية لابنتها في أن تعمل في المستقبل ولم يسبق وأن بحثت يوما عن أية وظيفة. ولكنها أبت أن تُظهرها كاذبة أمامهما وتشوه من صورتها.

طال صمت ثلاثتهم وبدا الضيق جليا على ملامحهم، فازدادت الفتاة حرجا حتى جاء عصير الليمون في توقيت هي في أشد حاجتها لتبتلع به حرجها أمامهم. ولكنها تذكرت أنها لا تحبه، وغير مضطرة إطلاقا على شربه، أو مضطرة لتحمُّل مزيدا من الحرج والإهانة.

في حركة مفاجأة، وقفت معتذرة قاطعة صمتهم، منهية ضيقهم، معلنة أنها مضطرة للذهاب للبيت إثر صداع مفاجئ. لم تردعها نظرات والدتها أو تفلح في تعديلها لموقفها أو مواصلتها الجلوس.

لم تصافحهم باليد مودعة، اكتفت من بعيد بابتسامة مقتضبة وإيماءة رأس، ثم مشت بجوار والدتها منتشية مرفوعة الرأس.

لم تصغ كثيرا لما أطلقته والدتها في وجهها من عبارات لوم وانتقاد واتهامها بافتقادها لكل أصول للياقة فور ما ابتعدا عنهما، جل ما شغل تفكيرها وقتها أين قرأت ذاك الإعلان عن تلك الوظيفة؟

حتما ستتذكر، فمن اليوم لن يجبرها أحد على شيء.

D 30 أيار (مايو) 2014     A مهند فوده     C 12 تعليقات

8 مشاركة منتدى

  • نص جميل جدا..
    يشرح الكثير مما تعانيه الفتاة العربية في مجتمع يصر للرجوع إلى الوراء كلما تقدم غيره.
    شكرا أستاذ مهند


  • الأستاذ مهند فودة ,تحية طيبة أحسنت في تصوير الموقف بصورة مؤثرة في نصك الجميل الذي يبرز ماتتعرض له الفتاة في مجتمعاتنا العربية من مصادرة لأبسط حقوقها في الاختيار ,وأعجبتني دعوتك للفتاة باتخاذ الموقف الحاسم في النهاية.بالتوفيق دوما


  • أ/ مهند ..في حضرة هذاالعريس استردت البطلة ذاتها التى تنازلت عنها في لقاءات سابقة لعرسان آخرين ..إنها المرة الأولى التى بدت على طبيعتها شكلًا وموضوعًا وصاحبة قرار ..القصة تقدم معالجة جديدة لموروثات قديمة لدى عائلة البنت والعريس على السواء ..أحسنت وأبدعت كعادتك في أنتظار جديدك دائمًا..تحياتى


  • مهند فودة / مصر
    مسكينة المراة الشرقية!
    كم يحاولوا ان يلفوا حولها قوالب ولفائف منشاة حتى لتكاد تكون تمثالا بلا روح ، ولصبرها وصمتها يتصورون إن روحها قد استسلمت وغسل دماغها ولن تحرك ساكنا.
    وإذا بها تنتفض وتتخلص من كل تلك اللفائف حولها حين تنتفض كرامة أنوثتها في ثورةقد تكون ضاجة مدوية أو تكون ثورة هامسةمتحضرة مع سبق اصرار و نفاذ صبر.
    بوركت فلقد نصرت المراة بتلك النهاية


    • المراة الشرقية تعاني في كل البلدان العربية ..هناك من يستسلمن لمصيرهن ( اغلب الحالات) .. و حالات قليلة يثرن و يدفعن ثمن ثورتهن ثمنا باهظا من رفض المجتمع لهن وممارسات اضطهاد اكثر شراسة محاولة منهم لاخماد ثورتهن..
      وقليلات هن من تصمدن في النهاية ..

  • اكثر من رائعة تتحدث فعلا عن أسوأ التجارب التي تمر بها الفتاة وأكثرها إيلاماً وجرحاً لها ولمشاعرها حيث تتعامل وكأنها سلعة معروضة للبيع يحاول والداها تزيينها لتنال إعجاب ورضا من يراها دون الاعتبار لمشاعرها وجرحها حين تقابل بالرفض من أشخاص فرض عليهم لقائهم والجلوس معهم


    • المجتمع الذين نعيش فيه، بحاجة لثورة فكرية تنسف التقاليد البالية وطرق التفكير العقيمة دون المساس بهويتنا الشرقية وتقاليدنا الحميدة .. .. بيد كل انسان في المجتمع ان يتمرد علی من ينل من انسانيانه ولا يستسلم للامر الواقع ..

  • رائعة ربما وضحت لكثير من الأشياء الملزمة بها الفتاة الشرقية للحصول على عريس .. ولكنها لم توضح الكثير من الجانب الآخر .فالرجل الشرقى يبحث عن خادمة جميلة له .. جميلة حتى ولو بالأصباغ فكم من زيجات تمت عن طريق الأفراح التى تبدو فيه الفتيات على أجمل صورة لهن دون الاهتمام بباقى تفاصيل شخصيتها..خادمة فهو لايريد أن تكون ندا له بعملها ويريد أن يكون هو محور عالمها ودنيتها ..وجود عمل لها يشعره بأنه ليس له أولولوية فى حياتها كما أنها تستطيع الاستغناء عنه فى لحظة لأنه يتعامل مه المرأة كخادمة يصرف عليها وليس كإنسان يسكن إليه فى مودة ورحمة


    • اتفق معك ان بعض الرجال يفكرون مثلما ذكرت .. ولكن هناك كثيرون من الرجال يحترموا المراة وتفكيرها مؤمنون انها عماد المجتمع واساسه . . لذلك يجب ان نكون منصفين في احكامنا .. ليس كل الرجال سيئون وليست كل النساء ملائكة ..

  • حتما ستتذكر، فمن اليوم لن يجبرها أحد على شيء
    أبدعت حقاً عندما تحدثت عن تسريحة الشعر وخزانة الملابس وعروس الشمع، أعطيت كل شيء حقه في الوصف وصبغته بالوصف الصحيح .. بصراحة لم أرغب أن ينتهي نصك .. وجدت أن كل فستان في تلك الخزانة يمكن أن يؤلف رواية، فكل فستان له تجربته التي تعكس نموذجاً من الناس يحتاج للوقوف عنده.
    بالنهاية ذاب الشمع وبان ما تحته من الدرر .. وأعتقد أنها الآن قادرة حقاً على إحراق كل تلك الموديلات البشرية التي مرت عليها لتختار موديلاً يناسبها تماما ,, وعلى مقاسها لا على مقاس فكر غيرها ومصالحهم ..
    _


  • رائعة فوق الوصف .. بس ده العادى واللى متعودين عليه منك يا بشمهندس . بالتوفيق


في العدد نفسه

كلمة العدد 96: "عود الند" تبدأ سنتها التاسعة

تراسل المدركات في قصّة "أحلام موؤودة" للكاتبة الجزائرية زهرة يبرم

أثقل من رضوى

إحسان عبد القدوس: محاولة للبحث عن كيمياء النجاح

النقد الثقافي وأنساق الغيرية

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  من تواضع ارتفع

2.  رمضانيات: هدأة في مد من الصخب

3.  الصوائت في التراث العربي ج2

4.  الفرح حكاية لا تنتهي

5.  اتجاهات الدرس الأسلوبي في مجلة فصول


القائمة البريدية