د. عبد القادر بن فطة - الجزائر

بلاغة التكرار في القرآن

وجد الأداء الصوتي في اللغة العربية مساحة لبلوغ ثلاثة أبعاد صوتية، ودلالية، وجمالية لاستيطان الشعور وتجسيده، والتماس الوجدان والتفاعل مع صور الإبداع المنبعثة من عمق النص القرآني. فتلذذ القراء بجوانب الجمال وما يحيط به من ظواهر صوتية ولغوية وما ينتجه من آثار بارزة تعرض إليها أهل اللغة في إبداعهم لتربية النفوس، وجعل القارئ يتسامى بقراءته إلى مستوى عال من الأداء. ومن مظاهره التكرار لما فيه من وقع سمعي وأثر صوتي في تحسين اللفظ وتأكيد المعنى، فهو يعطي النص تماسكا وقوّة.

وجد فيه العلماء قديما وسيلة لتأصيل التراث اللغوي. يرد في النص لدوافع سياقية وللتنويع في أساليب التعبير، زاخر بالمعاني النفسية تحمل أسرارا جمالية. إنّه من أعمق الظواهر اللغوية في النص القرآني ويؤدي دورا بلاغيا متميزا يلغي المعاني الزائدة ويعزّز ما يقتضيه الحال.
 
التكرار في التراث

التّكرار من الأساليب المعروفة في اللغة العربية ومن سمات فصاحتها، فهو من معالم لسنها يزيّن الأسلوب. إنّه من المظاهر الشائعة في القرآن الكريم بطريقة مدركة فنيا وبلاغيا. ويمثل جانبا من جوانب البلاغة القرآنية يرد في الكلام للفائدة. وهذا ما دفع أهل اللغة لأن يولوهن اهتماما كبيرا فأخرجوا قيمته الكبرى تأكيدا لمعنى وتقريره، منهم الجاحظ الذي بين أهميته:

"وجملة القول في التّرداد أتنه ليس فيه حدّ ينتمي إليه، ولا يؤتى على وصفه، وإنّما ذلك على قدر المستحقين، ومن يحضره من العوام والخواص، وقد رأينا الله عزّ وجلّ ردّ وذكر قصة موسى وهود وهارون وشعيب ولوط وعاد وثمود، وكذلك ذكر الجنة والنار وأمور كثيرة لأنّه خاطب جميع الأمم من العرب وأصناف العجم وأكثرهم غيّ غافل أو معاند مشغول الفكر ساهي القلب"[1].

كذلك ابن قتيبة في دفاعه عن القرآن: "فأمّا التّكرار، الأنباء والقصص، فإنّ الله تبارك وتعالى أنزل القرآن نجوما في ثلاث وعشرين سنة بفرض بعد فرض: تيسيرا منه على العباد، وتدريجا لهم إلى كمال دينه، ووعظ بعد وعظ: تنبيها لهم من سنة غفلة وشحذا لقلوبهم بمتجدِّد الموعظة"[2].

كذلك الخطابي: "وأمّا ما عابوه من التكرار، فإنّ تكرار الكلام على ضربين أحدهما مذموم، هو ما كان مستغنى عنه، غير مستفاد به زيادة معنى لم يستعيدوه بالكلام الأول، لأنّه حينئذ يكون فضلا من القول، وليس في القرآن شيء من هذا"[3].

وعدّه ابن رشيق من أصول البديع: "وللتكرار مواضع يحسن فيها، ومواضع يقبح فيها، فأكثر ما يقع التكرار في الألفاظ دون المعاني، وهو في المعاني دون الألفاظ أقلّ"[4]. أمّا الزركشي فنظر إليه على أنّه من علم المشابه: "وهو إيراد القصة الواحدة في صور شتى وفواصل مختلفة. ويكثر في إيراد القصص والأنباء، وحكمته التصرف قي الكلام وإتيانه على ضروب؛ ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك: مبتدأ به ومتكرر"[5].

أمّا عند النحاة فكتبهم صنّفته ضمن باب التوكيد، وانصبّ اهتمامهم بالحركات الإعرابية التي تحدد المعاني. وقد أشار إليه ابن جني في باب الاحتياط: "اعلم أنّ العرب إذا أرادت المعنى مكنته واحتاطت له، فمن ذلك التوكيد، هو على ضربين، أحدهما تكرير الأول بلفظه، وهو نحو ذلك: (قام زيد) و(ضربت زيدا وضربت). والثاني تكرير الأول بمعناه. وهو على ضربين: "أحدهما للإحاطة والعموم والآخر للتثبيت والتمكين. الأول كقولنا: قام القوم كلّهم، ورأيتهم أجمعين. والثاني: نحو قولك: قام زيد نفسه، ورأيته نفسه"[6].

أما عند ابن هشام فالتّكرار يراد به غير التأكيد "وذلك كون التكرار الذي هو من سبيل التذكير ليس تأكيدا إنّما هو ضرب من ضروب تحقيق تواصل العهد وإنّما حس التكرار لدى في وما كنت لديهم لتباعد ما بينهما"[7].

هذا موقف القدامى من ظاهرة التكرار. أمّا المحدثون فمنهم من نفى هذه الظاهرة وأطلقوا عليها مسميات جديدة كالعفيفي:

"إنّ إحكام القرآن وتفصيله هو العلم الذي يضمن لنا أننا كلّما احتجنا إلى أيّ مفردة قرآنية وجدناه بأيّ موضع من مواضعها كالحرف الواحد في الكلمة التي تجمع حروفها جميعا في جملتها، فإذا كل حرف بموضعه الخاص به تفصيلا، إذا الحروف جميعا تامة الارتباط بها كلها إجمالا"[8].

ويرى عز الدين إسماعيل أنّ التكرار خاصية من خصائص الأسلوب القرآني، وقد ورد في كلام العرب. وتنوّعت مواطنه في القرآن الكريم في الحروف في الآية الواحدة مما خلق توازنا صوتيا يحقق السهولة. فتكرار هذه الحروف لا يحدث تنافرا بل انسجاما صوتيا. مثل قوله تعالى (سورة طه؛ الآية 106): وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرّحْمَـَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً فقد تكررت الحروف المهموسة تبعا للمقام.

وهناك التكرار قي الألفاظ وهو متنوع، نجد الكلمتين متّحدتين في المعنى واللفظ. قال تعالى (سورة المؤمنون؛ الآية 36): هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ. وقد تكونان مختلفتين في المعنى. قال تعالى (سورة الروم؛ الآية 55): وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ وهذا ضرب من الجناس.

وما يلفت الانتباه في السياق القرآني أنّ المتكررة تختلف مواقعها، قد تأتي في أول الآية مثل آية المؤمنين ووفي وسطها. قال تعالى (سورة الإنسان؛ الآيتان 15-16): وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا. قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا.

وفي آخرها قال تعالى (سورة الفجر؛ الآية 22): وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا؛ فهذا التكرار تتوق إليه النفوس لجمال وقعه وخلوه من الابتذال. فدقّة استعماله يظهر كأنّه جديد داخل الاستعمال. أمّا خارج النص القرآني فهو ثقيل لا يستسيغه الكلام.

وهناك التكرار في الجمل التامة وهو مفيد في القرآن فكلّما كان التكرار إلاّ ووجب التأمّل في السياق الذي ورد فيه لمعرفة ما يحمله من فضائل. وهو نوعان: الأول إذا كان التكرار في اللفظ والمعنى يدلّ على معنى واحد والمقصود به غرضان مختلفان مثلا في سورة الأنفال قال تعالى (سورة الأنفال؛ الآية 7): وَيُرِيدُ اللَّـهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ؛ وقوله تعالى (سورة الأنفال؛ الآية 8): لِيُحِقّ الْحَقّ وإنّما جئ به هنا لاختلاف المراد.

والنوع الثاني: إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على معنى واحد والمراد به غرض واحد قال تعالى (سورة المدثر؛ الآية 19): فَقُتِلَ كَيْفَ قَدّرَ؛ وقوله تعالى (سورة المدثر؛ الآية 20): ثُمّ قُتِلَ كَيْفَ قَدّرَ، فالتكرار اللفظي في القرآن واضح فبعض الآيات متشابهة، فالألفاظ فيها مكررة لكنّها متميّزة متجددة، فأسماء الله الحسنى مكررة إمّا بصيغة المقام كذلك أسماء الرسل والأنبياء وأسماء القرآن فكلّ اسم يدلّ على معنى معيّن.

 انفرد القرآن الكريم بتكرار الجملة دون الوقوع في الخلل والتباين بل نلمس الفصاحة المطلقة، فقد أعطى للأسلوب قوّة على مستوى الحرف واللفظ والجملة بوضعه في المكان المناسب من السياق مع قوة التماسك والتناسق، وقد ظهرت أهميته في توجيه القراءة القرآنية بقصد تحديد الغرض حسب السياق ومن أغراض التكرار:

=أ= التأكيد: "واعلم أنّ التكرير أبلغ من التأكيد لأنّه وقع في تكرار التأسيس؛ وهو أبلغ من التأكيد، فإنّ التأكيد يقرر إرادة معنى الأول وعدم التجوز"[9]. فهذا الغرض يظهر بقوّة في مواساة الرسول صلى الله عليه وسلم بذكر معاناة الرسل الذين سبقوه من جحود أقوامهم، إلى جانب التقرير التعظيم والمدح والذم.

مراعاة جمال الفواصل فتكرار بعض العبارات بين الفقرات من السور يشكّل لوحة بديعة تثير النفس لاستظهار المعاني، وما فيها من تشويق وتحسر وترهيب "تكرار حركة واحدة في رويّ الفواصل وإن اختلفت الحروف في أواخر الكلمات، كالذي نرى في سورة الكهف، ومنها تماثل حرف الروي في فواصل سورة بأسرها على نسق واحد، وهو ما نراه في إحدى عشرة سورة أو التزام حرف الروي في أبعاض السورة أو التزام أكثر من حرف بكل الروي"[10].

حسن الختام: ويسمى القفل. قال الزمخشري: "وقد جعل الله خاتمة سورة المؤمنين (أفلح المؤمنون) وأورد في خاتمتها (إنّه لا يفلح الكافرون) فشتان بين الفاتحة والخاتمة"[11].

=ب= التقسيم: وهو اللازمة يكون في أواخر المقاطع: سورة الشعراء تصبح آخره كرة "وتوكل على العزيز الرحيم"[12]. فالتكرار في هذا الوضع في غير القرآن يضفي الألفاظ الرتابة.أمّا في النص القرآني فيعطي للتعبير قوة وللمقطع جمالا.

=ج= البعد النفسي: في التكرار استمالة المتلقي، وإيقاظ شعوره من الغفوة ووتنبيهه إلى نعم الله فبأيّ آلاء ربكما تكذبان حتى يتجاوب معها. فالإنسان من طبيعته جحود النعم فمثل هذا التكرار يجعل النفس تتعامل مع آلاء الله. كذلك عند ذكر أخبار الأمم السابقة ففائدة تكرار قصصهم الاتّعاظ. وما يميّز التكرار في القرآن الكريم أنّه خال من الملل يجعل المتلقي ينجذب إليه بفطرته متلذذا بما تنفرد به أصواته وتراكيبه.

=د= بيان عجز العرب عن الإتيان بمثل أسلوب القرآن. أي الإتيان بمعنى واحد بصور مختلفة.

=هـ= إبطال توهم المجاز، فقد اقتنع ابن جني على كثرة المجاز في اللغة العربية بوجود التأكيد، "فإذا عرف التوكيد لِما وقع في الكلام، نحو نفسه وعينه وأجمع، وكله وكلهم وكليهما وما أشبه ذلك، عرفت منه (حال سعة) الإعجاز في هذا الكلام"[13].

وللتكرار أثر في تحقيق هذه الأغراض يتجلى ذلك في إيصال معاني التهويل والتخويف إلى النفوس بطريقة بديعة بالأسلوب والتعبير. وصياغة المعنى في صور متنوعة، فلا نجد في القرآن تكرار المعنى بأسلوب واحد بل نلمس الجديد في طريقة التقديم والتصوير.
إنّه ظاهرة في القرآن تؤصّل اللغة لما يستلزمه المقام ويقتضيه السياق لتحقيق المقاصد، وفيه الإعجاز كونه أمرا لم يألفه العرب من قبل وعجزوا عنه من بعد. جاء به القرآن لما فيه من جمع اللفظ والمعنى دون تناقض، واتّساع المقام للأخبار والقصص، وفيه أصل الفصاحة في تنويع الأساليب وأشكال التعبير هذا يعكس غرائب الدلالات الغائبة عن عقول البشر.

وما أعطاه أهمية هو أنّه يؤدي وظيفة عقدية هامة فمثلا كلمة التوحيد كررها القرآن كثيرا لتثبيت معاني الربوبية، فالقرآن فيه إقناع لأولي النهى من البشر لإلزامهم به فلا بدّ من طريقة تحقق ذلك. كذلك في باب المعاملات كالجهاد تكرر كثيرا في السور المدنية لعلو منزلته في الإسلام.

فالتكرار من أبرز مظاهر البلاغة القرآنية فهو يملك ناحيتين لفظية ومعنوية. فالجانب اللفظي يحدث نغما موسيقيا لتوازي الفقرات من جهة الأصواتّ، أمّا الجانب المعنوي فهو يرتبط بمقتضى الحال. والقرآن وظفه في مخاطبة العرب "رأينا الله تبارك وتعالى إذا خاطب العرب والأعراب أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي والحذف. وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعله مبسوطا، وزاد في الكلام"[14].

التكرار في ضوء نماذج قرآنية

التكرار ظاهرة تميّز بها النص القرآني في مواضع اقتضاها السياق لتحقيق المقاصد، وقد التزم به القراء العشرة لما له من أثر في تقوية العلاقة بين الصوت والدلالة، فمن الجانب الصوتي هناك تنويع في تكرار الصوامت حسب المواقف. فالقرآن يوظّف الصوت المتكرر لتقرير الدلالة المقصودة، ففي التهويل والتخويف يتكرر الصوت الذي يتميّز بصفات الشدّة والجهر.
 
أدرك القراء هذا التلوين فأظهروه بجلاء في قراءاتهم، فأعطوا الأداء حقّه.فالتزامهم بالنطق الصحيح أعطى الصورة الحقيقية لكلّ حرف من حيث المخرج والصفة، وهذا الاهتمام بالتكرار لما له من أثر صوتي يضفي على النص نزعة جمالية.
 
ومن أشكال هذا التلوين الصوتي تكرار الصوت الأول والثاني من الفعل الرباعي قول تعالى (سورة الشعراء؛ الآية 94): فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وظف القرآن كلمة (كبكبوا) بدلا من (كبوا) فتكرار الصامتين، الكاف والباء، فيه دلالة العنف والشدّة لأهل النار على وجوههم. فالكلمة مركبة من مقطعين (كب)، فالصامتان مختلفان بين الجهر والهمس وهذا يدلّ على دقّة توزيع الأصوات وصورة النطق بها، فهما متضادان فالكاف صوت انفجاري مهموس، والباء صوت مجهور انفجاري، فاجتماع الصامتين متّن العلاقة مع دلالة الكلمة وهي تدهور الوجوه بقوة في الجحيم.

وكذلك كلمة (زحزح) في قوله تعالى (سورة آل عمران؛ الآية 185): فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ما يلاحظ على كلمة (زحزح) تكرار الحاء والزاي فهو تعادل الأصوات وتوازنها مما يعطي توجيها دلاليا لما يحتويان من خصائص صوتية، فهما يلتقيان في الاحتكاك، ويختلفان في الهمس والجهر.

فالقرآن يوظّف الكلمة لتحاكي أصواتها، فالزاي صوت يعبّر في بعض المواقف عن الشدّة تارة وعن العناية تارة أخرى، وهنا لها حضور ظاهر في هذا السياق فقد أكسبها مع صوت الحاء انسجاما حدّدا الدلالة وهي النجاة. وقد وردت الكلمة مكررة المقطعين في موضع آخر قال تعالى (سورة البقرة؛ الآية 96): وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ. رغم أنّ الصيغة مختلفة إلا أنّهما يحملان نفس الدلالة وأثرهما أقوى من الزح.

ومن صور هذا التكرار كلمة (حصحص). قال تعالى (سورة يوسف؛ الآية 51): الاَنَ حَصْحَصَ الْحَقّ أَنَاْ رَاوَدْتّهُ عَن نّفْسِهِ وَإِنّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ كررت الحاء والصاد فالأولى من خصائصه الصوتية الهمس والاحتكاك، ويتميّز بضعف في النطق لأنّ الكثير يخلط بينه وبين الهاء. أمّا الصاد فمن أصوات الصفير، ليس لها في الفصحى مقابل مجهور، ما يميزها هن بقية أصوات الصفير الواضح، وقوة جرسها كما أنّها تقرر الحقيقة.

وما يعزّز التصور الدلالي هو التشكيل الصوتي نحو الرخاوة، وهما من أيسر الأصوات إنتاجا في الأداء مما أعطى السياق الاعتراف ونصرة للحق. والأصوات المهموسة معروفة بالانخفاض في النطق لكن في هذا الموضع نلمس ارتفاعا ملحوظا للمهموس.
 
ومن الكلمات التي ورد فيها هذا النوع من التكرار كلمة (عسعس) قال تعالى (سورة التكوير؛ الآية 17): وَاللّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ، فالقيمة الصوتية للصامتين المكررين لا تكمن في إيقاعهما بل في اقترانهما لتحديد الدلالة.فهي مشكّلة من مقطعين (عس عس) فالعين صوت بيني، أمّا السين فهوا لين نتيجة تكراره في الكلمة. إنّها مركبة من مجهور ومهموس وهذا ما يعطيها توازنا واعتدالا في نبرتها. كما تجمع بين التوسط والرخاوة ولم يرد فيها الشديد. فاجتماع الصامتين بهذه الخصائص اتّفق مع الصورة الحقيقية لرقة الظلام.

إضافة إلى هذا النوع من التكرار هناك شكل آخر له ويتجلى في تكرار الكلمات بصيغ متنوّعة مع المحافظة على طبيعة الأصوات ككلمة (مسّ) قال تعالى (سورة آل عمران؛ الآية 140): إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ. إنّ اختيار القرآن لهذه الكلمة من أسرار الإعجاز الصوتي لما تحمله من أصوات تتّسم بالرقّة الصوتية المتولّدة عن الميم والسين رغم أنّ السمات الصوتية مختلفة إلا أنّ هناك ائتلافا صوتيا بينهما.

فاجتماع المجهور بالمهموس منطقي لأنّه يتماشى مع هذا اللفظ في مقصده الذي ورد في سياق صوتي هادئ، مع رخاوة السين وتوسّط الميم المتّسمتين بطول الرنين عند النطق "إنّ العلاقة بين أصوات الحروف في لغة القرآن ليست اعتباطية أو عشوائية، إنّها ذات نظام خاص، جعله يرتبط بوجدان الأمة وقلبها. وتنسجن أجزاؤه كلّه انسجاما تاما، وتتلاحم أعلى درجات هذا النظام في مدى التناغم أو التجاوب الذي تحققه علاقات الأصوات تبعا لمتطلبات النص اللغوي المعبر"[15]. فتكرار الكلمة تولّد عنها تجاذب وأحدث أثرا سمعيا زاد في وضوح الدلالة.

كما وردت صورة أخرى للتكرار وهو تكرار الكلمات بهيئتها الاشتقاقية التي تحافظ على النمط الصوتي كقوله تعالى (سورة النازعات؛ الآيات 2-4): وَالنّاشِطَاتِ نَشْطاً وَالسّابِحَاتِ سَبْحاً فَالسّابِقَاتِ سَبْقاً. ما يلاحظ على هذا التكرار أنّه قائم على التنوّع تشكّلت من أصوات مختارة رصدا لأبعاد صوتية. هذا التلوين جمع فيه بين الجمع والمصدر مراعاة للتكوين الصوتي، وما يحققه من توابع دلالية.

فالأصوات في النص القرآني تتّسم بالدقّة رغم اختلاف خصائصها، فهذا التنوع يعكس حقيقة النظم المعجز لكتاب الله.فأصوات الكلمات المكررة تقاربت من جهة الخصائص الصوتية بين الهمس والجهر، الشدّة والرخاوة، فنطقها يناسب طبيعة الأجواء التي تحيط بالسياق. فهذه الأصوات مع دلالتها تثير في النفس توجسا مشحونا بالخوف تسوقه موسيقى واجفة.

كذلك في قوله تعالى (سورة الانشقاق؛ الآية 6): يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ، فالخطاب موجه إلى الإنسان وكرر الله (الكدح) بصيغتين مختلفتين لكنّ الأصوات مشتركة. فالكدح السعي فيه دقّة اختيار اللفظ الملائم للتعبير عن المقام. فالتركيب الصوتي لها بين الرخاوة والشدّة، والجهر والهمس أكسبها إيقاعا هادئا موحيا بكلّ ما يحتاج من دلالات، وما زاد هذا التكرار جمالا هو تنوّع الصيغة بين اسم الفاعل والمصدر.

ومن أبرز صور التكرار ما ورد في قوله تعالى (سورة الفجر؛ الآيتان 21-22): كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا. وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ما يميّز التكرار في (دَكًّا وصفّا) أنّه متوازن في النبرات دلالته توحي إلى العظمة والهول. فإذا توقفنا عند كلمة (دكّا) اسم يطلق على الانقلاب الكوني الذي يحدث يوم القيامة، وقد احتوى على صوتين يدلّان على القوّة فيما يخصّ الدال (أصلح الحروف للتعبير عن معاني الشدّة والفعالية الماديتين"[16].

أمّا الكاف فالنطق به في هذا السياق يجب أن يتّسم بالشّدة، فطبيعته الصوتية متميّزة في القرآن الكريم، أمّا خارجه فالأمر يختلف "إنّ العربي كان يلفظ حرف الكاف في أول المصادر بشيء من الفخامة والشدّة وليس كما نلفظه بشيء من الرقّة والرخاوة. فكان صوته بذلك أوحى بالشدّة والضخامة"[17]. كما أنّ لفظ (صفّا) مناسب لسياق الآية فالصامتان مختلفان فالصاد بقوّتها، وما تمتاز به من صفة الإطباق مع الفاء المتّسمة بالرقّة أبانا عن الدلالة المتمثلة في الطاعة.

= = = = =

الإحالات

(1) الجاحظ. البيان والتبيين. شرح عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، مصر، ط3، 1960، 1\1053.

(2) ابن قتيبة. تأويل مشكل القرآن. دار التراث، ط2، 1393هـ، القاهرة. ص232.

(3) ثلاث رسائل في الإعجاز. تحقيق محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام، ص52.

(4) ابن رشيق. العمدة. تحقيق محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، ط5، 1401هـ، 2\73.

(5) الزركشي. البرهان في علوم القرآن. تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم، دار المعرفة بيروت، 1\112.

(6) ابن جني. الخصائص. تحقيق علي النجار، دار الكتاب العربي، بيروت، 3\102-104.

(7) ابن هشام. مغني اللبيب، دار المعرفة، بيروت، 1\168.

(8) العفيفي. القرآن القول الفصل، المطبعة العصرية، الكويت. ص55.

(9) الزركشي. البرهان. 3\11.

(10) محمد الحسناوي. الفاصلة في القرآن، دار عمار، الأردن، ط1، 1421هـ، ص280.

(11) الزمخشري. الكشاف. دار الفكر، 1403هـ. 3\207.

(12) محمد الحسناوي. الفاصلة في القرآن. ص281.

(13) ابن جني. الخصائص. 2\450-451.

(14) الجاحظ. الحيوان. مكتبة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1947. 1\94.

(15) منى محمد عابد. البناء اللغوي في سورتي البقرة والشعراء: رسالة ماجستير جامعة النجاح الوطنية، فلسطين، 2004، ص22.

(16) حسن عباس. خصائص الحروف العربية ومعانيها، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1988، ص66.

(17) المرجع السابق، ص70.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3203641

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC