زهرة زيراوي - المغرب

القصة القصيرة وتضفير الأدب بالفنون

زهرة زيراويالقصة لغة هي الحكاية وبيان الحال والقضية، والقصة أحدوثة مكتوبة، والجمع قصص؟ ويقال: ما قصتك يا غلام مع هذا الرجل؟ ويقال: قصتي قصة عجيبة فاسمعوها(1).

القصة اصطلاحا: أطلق العرب هذا اللفظ على عدة معان، أحدها قريب من الفن الذي نعرفه اليوم بهذا الاسم، وكان العرب قديما يطلقون عليه عدة أسماء، مثل الحديث، والخبر، والسمر، والخرافة.

وأقدم قصص عربية مدونة ما أورده القرآن الكريم من الأمم الغابرة. تسرية عن النبي محمد "ص"، وإنذارا للكفار، وإن كان لعرب الجاهلية قصصهم، كما تبين أخبار النضر بن الحارث وغيره.

وعنى الخلفاء الأولون بالقصاصين الذين كانت مهمتهم الوعظ في السلم والتحريض على الاستبسال في الحروب، فعينوا لهم الرواتب وأباحوا لهم التحدث بالمساجد، وإن كان المتشددون من رجال الدين لم يرضوا عنهم لعدم تحريهم الصدق فيما يقصونه. وبلغ من شأنهم أن استقدمهم معاوية بن أبي سفيان إلى بلاطه ودون قصصهم.

واتسعت القصص العربية والمعربة في العصر العباسي، ودونت في الكتب. ويحصي منها ابن النديم الكثير. وفتح ابن المقفع الباب للترجمة من خلال "كليلة ودمنة". وفي القرن الرابع الهجري ظهرت المقامات واتصل التأليف فيها.

وكان للعامة قصاصوهم الذين تجاوبوا معهم، من أمثال: ألف ليلة وليلة، والسيرة الشعبية التي ظهرت أيام الحروب الصليبية، في مصر خاصة. ولا ننسى الحكواتي في ساحة جامع لفنا الذي عرف فن السرد القصصي، ويعتقد أن عمره نحو ألف عام.

وفي العصر الحديث حاكى الأدباء العرب القصة الغربية في مختلف أنواعها وفنونها، وتطورت القصة في العالم العربي حتى وصلت نماذج منها إلى مستوى القصة الغربية.

معنى القصة القصيرة: هي شكل من أشكال القصة؛ وقد عرفت القصة القصيرة الحديثة بدقة أحكامها واتجاهها نحو نهاية محددة. ظهرت في القرن السادس عشر على يد إدجار الان بو في الولايات المتحدة، وجيدي موباسان في فرنسا. لاقى هذا النوع من التأليف رواجا كبيرا بين الذائقة وفي المجلات والجرائد. ومن أشهر مؤلفي القصة القصيرة رديارد كلينج، وبيرت هارت، وأنطوان تشيكوف وكاترين مانسفيلد ورنج لاردنر. ولا ننسى بلزاك وتولستوي وهنري جيمس وإرنست همنجواي ووليم فوكنر.

نشير إلى أن القصة القصيرة فن محدث في الأدب العربي، ولدت متأثرة بالأدب الغربي. ثم أخذت تنمو وتتطور حتى أصبح لها كيانها الخاص وقوامها المستقل وموضوعها الأصيل الذي تستقيه من واقعنا بما فيه من آمال وآلام، ومن وجداننا وما ينطوي عليه من أحاسيس ومشاعر. كما ظهرت عدة مدارس منها الواقعية والتأثيرية إلى آخره(2).

هل يمكن كتابة النص خارج أدوات المجتمع؟ وبأي معنى نفهم الكتابة خارجا عنه؟ وأي رؤى للجيل الجديد وأي آفاق؟

إذا كان لوكاتش يؤكد أن الأدب انعكاس للمجتمع فما أحرانا أن نستلهم تصوره لنبين أن الأدب لا ينطلق من حياة عارية عن الحيوات الأخرى، فالإنسان هو ابن بيئته، وتجاربه هي نتاج صراعه داخل هذه البيئات، وبالتالي هي صراع داخل المجتمع، فما سيكتبه الكاتب هو شرط تجارب عاشها داخل هذا النسيج، فما الأدب و الفن أيضا إلا انعكاس لهذه العلائق داخل المجتمع. و إن كان رهان الكتابة على ما يحدث بالمجتمع راهنيا، فإنه أيضا رهان على التقنيات.

تضفير النص الأدبي بالفنون

إلى أين تقودنا التساؤلات التالية: هل بالإمكان فتح نافذة بين الفنون البصرية و النص الأدبي عامة؟ هل ما بينهما لن يعدو أن يكون مجرد مجاورة؟ هل يمكن المجازفة بالقول إن بإمكان أن يترجم أحدهما الآخر؟ وإلى أي حد يمكن أن تتحقق هذه الترجمة ؟ ألا يمكن أن يكون الأمر في الأخير مجرد افتعال؟

قد تقودنا هذه التساؤلات إلى أقدم مثال في التصوير الأوروبي تحفظه الذاكرة، وذاك عن تماهي الموسيقى بالتصوير عند ليوناردو دافنشي (1519-1452) فيما يتعلق بلوحته الشهيرة الجيوكندة، حيث إن هذا العمل الذي تم إنجازه عبر ما يزيد عن خمس سنوات، والذي لم يستند أساسا لأي "موديل" مع ما أشيع أنها السيدة "موناليزا" التي تنتمي للطبقة الحاكمة، إذ الذي كان يحافظ على الوحدة الداخلية للعمل هو الاعتماد على فرقة موسيقية فلورنسية يصغي إليها ليوناردو دافنشي وهو ينجز العمل، حيث هي غير الموديل، وغير السيدة الموناليزا. إنه التماهي في الموسيقى و توضيع الطبقات الشفيفة للصباغة على "الأنوال".

ونتذكر توليفات أخرى نجدها في المسرح، إذ يسهم كل من التمويج الضوئي، والديكور المسرحي، والأزياء، وحركات الممثل في كتابة أخرى هي حتما غير النص المكتوب، بل هي النص الذي تم تضفيره بنصوص فنية أخرى اندغمت أو انصهرت جميعها في نص آخر هو غير الأول.

ويسوقنا ذلك نحو الأنشطة الدادائية التي جاءت نتيجة الحرب العالمية الأولى. نستعيد يوم 23 يناير من عام 1923 إذ يصل الشاعر تزارا لباريس قادما من زيوريخ ويقيم عند بيك بيا، ونتذكر الصباح الاحتفالي الذي نظمته مجلة "أدب" وشارك فيه كل من الفنانين الذين قدمتهم المجلة.

كوكتو نفسه قرأ بعضا من أشعاره، أما الشاعر بريتون فقد قدم لوحات وشرحها. وفي حركة رمزية للحركة محا تأليفا لبيكابيا مرسوما بالطباشير على لوح أسود.

وكان قد أعلن في القسم الثاني من الحفل أن تيزارا سيقرأ قصيدة إلا أنه قرأ مقالا لليون دوديه، فيما كان كل من بريتون وأراغون يثيران ضجة أجراس كهربائية، ترن بلا انقطاع. وعرضت في هذا الجو رسوم الفنان جري، بالإضافة إلى ممثلين من الجيل القديم ونحت ليتشيز.

وساهم من الشعراء إكس جاكوب وأندريه سالمون وبليز ساندرار. وكشف هذا اللقاء عن واحد من الشعراء الشباب الذين سيكون له دور هام في المستقبل هو بول إيلوار. هذا اللقاء المتعدد العناصر الفنية والأدبية سيصوغ علاقة قوية بين بول إيلوار وبريتون. ثم هكذا توالت أنشطة الدادائية في هذا التضفير لعناصر الفن بالنص الأدبي عامة.

يرى الأديب محمد برادة أن علينا البدء بقراءة وتحليل النص العربي الجديد من دون افتراض نموذج حداثي مسبق لأن من النص يتوالد التنظير. هذا يؤكد على ارتواء مفاصل القصة أيضا بعناصر الإبداع، وهذا نجده اليوم في كثير من التجارب الجديدة لدى الشباب. إنها رؤى وآفاق المتطلعين من جيل الأدباء الجدد لكتابة مغايرة.

أي دعم وأي تشجيع يتلقاه الأديب في العالم العربي؟ يبقى سؤال يطرح على الجهات المعنية بالأدب والفن بل بقضايا الفكر عامة، وهو هل اطلعت هذه الجهات على ما تطرحه تقارير اليونسكو المهولة عما يقرأه القارئ في العالم العربي وعن الكتاب؟

جاء في أخبار غوغل ما يلي:

"تظهر إحصائيات اليونسكو تراجعا كبيرا في معدلات القراءة بالعالم العربي، حيث تذكر أن نصيب كل مليون عربي لا يتجاوز 30 كتابًا. مقابل 854 كتابًا لكل مليون أوروبي. كما يصل معدل قراءة الشخص العربي ربع صفحة في السنة. مقابل معدل قراءة للفرد الأميركي الذي يصل إلى 11 كتابًا. والمواطن البريطاني 7 كتب في العام الواحد. كما يصدر العالم العربي كاملًا نحو 1650 كتابًا سنويًا. بينما تنتج الولايات المتحدة وحدها ما يقارب من 85 ألف كتاب سنويًا".

وهذا ما أكده أيضا مجموعة من الناشرين العرب: صاحبة دار العين للنشر بالقاهرة، فاطمة البودي؛ وصاحب دار دال باللاذقية، ناظم حمدان؛ وصاحب دار معد للنشر بدمشق، الحاج شمس الدين . فما المواقف التصحيحية التي تقوم بها الجهات المسؤولة عن الشأن الثقافي عندنا في العالم العربي، ودور الناشرين، وإلى أي حد يتم دعم الكتاب في أوطاننا؟ وهل الدعم في مؤسساتنا عام أم وقف على فئات دون أخرى؟

أتذكر بالمناسبة ما قرأته في مقدمة رواية "جين آيير" لشارلوت برونتي:

"إلى جمهور القراء، للأذن الواعية التي أعاروها لهذه القصة الساذجة، التي لا تدعي أشياء كثيرة. إلى الصحافة التي نشرت خبر عملي وعملت على تعميمه. إلى ناشر "جين آيير" الذي أسدى بروحه العميقة وتحرره الصريح عونا غير يسير إلى مؤلفة مجهولة، لا تتمتع بأيما تزكية. إلى هؤلاء شكري وامتناني".

عندما تعلن شارلوت برونتي امتنانها لكل من الناشر، والقارئ، وللصحافة. تقول بتواضع كبير: "لقد كانوا وراء كاتبة مغمورة لا تتمتع بأيما تزكية". هذا يؤكد أن من كانوا وراءها كانوا يراهنون على تجربة إبداعية ستظل حية، ونابضة في جذع الإبداع العالمي. فهل من حق الكاتب في الدول العربية عامة أن يحلم بناشر شارلوت برونتي ويطمع بذات القارئ المتلهف، وبدور الصحافة في نشر ما يكتبه؟

لــم لا؟ لكي ينتصر الإبداع علينا أن نحلم. وقد ينتصر الحلم على الواقع، فنصحو على العالم المنتظر.

= = = = =

الإحالات

(1) حسن سعيد الكرمي. الهادي إلى لغة العرب. المجلد الثالث، ص 527.

(2) الموسوعة العربية الميسرة. المجلد الثاني، ص 1383.

غلاف جين آيير


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3224407

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC