أشواق مليباري - السعودية

قطة زرقاء

كانت تجلس أمام طاولة المقهى تتناول مشروبا برفقة صديقة لها. تتحدث إليها بملل وقد ارتسم الضجر على وجهها المستدير ذي الملامح " القططية". تستدير لتمسك ذيلها الحريري الأزرق، وتمرر أصابعها من خلال فروه السميك، لتلاطفه بين الفينة والأخرى. حينما انتبهت خلفها إلى جلبة صاخبة، وغبار كثيف.
همست صديقتها: "يبدو الأمر شجارا".

شقَّ الغبارَ شابٌ يترنح، تعثر ثم سقط على الأرض، فوقف عند رأسه مخلوق أسود؛ ضخم الجثة كث الشعر يشبه القردة، يضرب على صدره ويطلق صرخات مدوية. رفع قدمه العملاقة ليهوي بها على رأس الشاب. في هذه الأثناء رفعت عقيرتها تنهر المخلوق الضخم بصيغة الأمر: "توقف".

التفت المخلوق الضخم ببطء ناحية الصوت الأنثوي الحاد؛ والشرر يتطاير من عينيه.

تركت القدح جانبا، وقفت وتقدمت نحوهما بخطى واثقة، وقد وضع المخلوق الضخم يده على رأسه وبدا عليه الضيق، وهو يقول بامتعاض وهياج واضح: "ابتعدي من هنا".

أجابت وهي تمد يدها: "يكفي ما حدث، لا نريد مزيدا من الدماء؛ عد إلى مصحتك فوراً".

أجابها وقد زاده حديثها ألما وهياجا: "ابتعدي"، ورفع يده ليهوي بها على رأسها، حين أمسكت قبضته بسرعة البرق واستدارت بحركة أسرع لتدفع به من فوق كتفيها نحو الأرض.

دوّى صوت ارتطام جسده الهائل، واهتزت الأرض تحت أقدام المتفرجين، فصرخ متوجعا، وقام بعد لحظات يحبو على قوائمه مبتعدا عن المكان.

ثم اقتربت من الشاب الملقى على الأرض؛ وركلته بخفة في خاصرته فتحرك وفتح عينيه: "هل أنت بخير أيها الأرضي؟"

رفع رأسه وهو يمسح الدماء النازفة من فمه وأنفه. " شكرا أنا بخير".

مدت إليه يدها، فأشار إليها بالرفض؛ وقد ترافق وجهه بابتسامة يلملم بها كرامته المهدرة. على الرغم من اختلاف الموازين على هذا الكوكب، فلا عيب في أن تنقذه قطة زرقاء؟ العيب أن يموت كحشرة تحت قدمي ذلك القرد الضخم.

قام وقد انتصب ظهره: "كان أمرا مريعا، ألم تحجر السلطات الصحية على أولئك المرضى؟ فكيف خرج؟"
أجابت وهي تتأمل وجهه الملطخ بالدماء: " بل تفرج عنهم لبعض الوقت كجزء من خطة علاجية يخضعون لها، ما الذي دفعك للاحتكاك به؟"

"كنت أمشي في الطريق، حين اهتاج واندفع إلي يضربني دون ما أستفزه أو أنظر إليه".

ربما يجدر بكم أيها "الأرضيون" أن تتخفوا في زي قرد أو دب أو أي مخلوق آخر ، فأنتم غير مرغوب بكم هنا.
نظر إليها كمن يبتسم، وأشاح بوجهه عنها وهو ينظر إلى باقي زبائن المقهى، أرانب وتماسيح ومخلوقات أخرى كالطيور يكسوها الريش، أحدهم يشبه الثور يحمل طبقا ويقترب منهما. أشارت إليه القطة الفتاة فقرَّبَ منهما كرسيين.

قالت له: "هيا اجلس أيها الأرضي، فلقد طلبت لك شرابا".

جلس وأطرق برأسه وهو يتأمل التراب الأحمر القاني الذي يغطي سطح الكوكب.

ضايقها صمته، وهي التي أجلسته لتستدرجه في الحديث عن أهل الأرض، ذلك الكوكب الغامض الأزرق الذي يتحدث عنه هؤلاء منذ قدومهم قبل سنوات إلى كوكب الفتاة.

"بماذا تفكر؟"

"وهل هناك ما يستدعي سوى التفكير في العودة؟"

"هل أنت تعي حقا ما تقول؟ العودة إلى الأرض؟ وهل بقي على الأرض ما تعودون من أجله؟"

"أنت لا تعرفين الأرض، إنه كوكب ساحر لا تنتهي عجائبه، وهو قادر على التجدد والحفاظ على الحياة التي تتدفق من جوفه كما يتدفق الماء. سنعود إليه يوما ونرحل عن هذا الكوكب المقفر الجاف، نرحل عن حرارة شمسه التي تشرق و تغرب بلا انقطاع وسط ليله السرمدي البائس، وسمائه التي لا تعرف الأمطار".

استفزها بلهجته المتعالية. "لقد أنهيتم الحياة على الأرض بأيديكم".

ويأتي الثور النادل ليضع على طاولتهما كأسين من الماء.

أخذت كأسا بيدها ووضعته أمام ناظريه وقالت: "أنظر إنه ماء. ماء نقي صافٍ، قمنا باستخراجه وتنقيته والحفاظ على مصادره، ورغم ندرته إلا أننا استطعنا توفيره للجميع. ماذا فعلتم بمائكم الذي كان يتدفق كما تقول؟ أهدرتموه وتقاتلتم من أجله، بل تقاتلتم من أجل الشجر والحجر، أنظر إلى التراب تحت قدميك، إلى البلورات التي تلمع، إلى الماس كما تسمونه، ماذا تساوي أمام هذه الكأس التي تحوي الماء، بل تحوي الحياة".

أشاح بوجهه عنها ولم يجبها، وانتصب واقفا أمامها وهو يهم بالرحيل، فأمسكت بيده، سحبتها إلى الأسفل وأقعدته بالقوة قائلة له: "اجلس ما زالت الشمس في كبد السماء".

جلس وأمسك بمعصمه يفركه ويخفف من ألمه الذي تسببت به قبضتها. "أي نوع من الفتيات أنت؟"
ضحكت وبدت أنيابها المسننة. حدقت في وجهه بعينيها الصفراوين. "بل أي نوع من الرجال أنتم؟ وأين نساؤكم؟ صفهن لي؟"

تنهد وسافرت عيناه إلى البعيد، تقطع المسافات الطويلة وتتعدى الأزمنة، إلى جوهرة زرقاء معلقة في السماء بين كواكب سيارة. هناك تحت غلافها الشفاف الذي يحيط بها ويحميها، وبين بحارها المتلاطمة الأمواج، جزيرة صغيرة خضراء شقت زرقة البحر، وظهرت بعد كارثة الذوبان الكبير، هناك على الجزيرة التي تدفقت المياه العذبة من قلبها، وآوت إليها الحيوانات والطيور التي نجت من الكارثة، رست سفينة متهالكة تحمل البشر الذين قفزوا إليها يقبلون أرضها ويحتضنون ترابها ويبكون، هناك وفي تلك اللحظات؛ عرضت سيدة مسنة طفلا تلقفته الأيدي، إنه هو: أول طفل ذكر يولد على أرض الجزيرة الناجية، ثم صرخات أخرى لمولود آخر، إنها طفلة، فتعالت هتافات الفرح، طفل وطفلة لتعود الحياة إلى هذه الأرض.

طفل وطفلة يركضان وسط حقول الذرة والقمح، يشربان من النبع، يختبئان خلف الأشجار. وأيام تمضي ليحمل الشاب فتاته بثوبها الأبيض بين ذراعيه القويتين يصعد بها إلى أعلى شجرة في القرية . على جذعها القوي الأخضر يحدثها حديث القلب للقلب، فتحمر وجنتاها ويذوب هو في بحور العسل التي تسكن عينيها.

"لم تجبني أيها الأرضي؟"

انتبه لعينين صفراوين كالشمس التي تسطع فوق رأسه وترسل لهيبها. تنهد.

"النساء على أرضنا ناعمات جميلات، يولدن أمهات، تحتضن الصغيرة منهن دمية بكل حنان، وحين تكبر تربت على كتف أبيها وتمسح عن جبينه العرق، وحين تتزوج تسرع إلى حبيبها بإناء الماء وتساعده وتشد من أزره، ثم تحتضن أبناءها وتهبهم عمرها. الفتيات على الأرض رقيقات مرحات، إن أقبلن صباحا فكأنما أشرقت شمسنا بمجيئهن ، وإن أقفلن راجعات ليلا ظلت القلوب ساهرة على أبوابهن. النساء على أرضنا صابرات، حليمات، هن أضعف المخلوقات، لكنهن يتحمّلن كل شيء. النساء على أرضنا هن الحياة".

"رائع، ولماذا لم يأتين معكم؟ وماذا حل بهن؟"

صدمه سؤالها وغاب لحظة، إلى سماء رمادية ورياح تهيج البحر من حول الجزيرة التي نضب ماؤها واحترقت غاباتها ودمرتها الحرب التي قضت على معظم ساكنيها، حينها كشف أحد العلماء، عن مركبة مخبأة داخل أحد المراكز البعيدة عن الدمار في أخدود تحت سطح البحر، وبعد تجهيز المركبة وتدريب طاقمها تم إرسالها إلى الفضاء للبحث عن الحياة على كوكب جديد.

قالت بانفعال: "تكلم أيها الأرضي".

قال ساهما: "وقفت على صخرة عالية بثوب بال ممزق وشعر أشعث متطاير؛ وقفت تنادي وتصرخ دون أن يسمع لها صوت، وهو ينظر إليها من زجاج المركبة الضخمة بعينين دامعتين و قلب جريح، ذهب للبحث عن مأوى بين النجوم، عن كوب آخر يصلح أن يتخذه سكنا بعد أن دُمر كوكبنا".

وخالها تناديه: "ارجع. ارجع".

نظر إليها بحزن بالغ ثم أطرق.

تنهدت وقد تيقنت أنها أساءت الاختيار مرة أخرى، فهذه المخلوقات الأرضية البائسة تلجأ إلى كهوف تختبئ فيها حين تواجه أحزانها وذكرياتها المؤلمة، ولا تفصح عما يجول بخاطرها إلا بكلمات معدودة، ومعلومات ناقصة، تلتف حول الحقائق، وتبرر أخطاءها مهما عظمت.

عبَّت كأسها دفعة واحدة ووقفت تهم بالمغادرة.

نظرت مليا إلى الشاب الغارق في أحزانه ينظر إلى البعيد، وقالت له: "ربما يجدر بي حين أود التعرف إلى كوكبكم أن أنتظر قدوم امرأة".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3154766

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC