زهرة يبرم - الجزائر

من وحي الرصيف

ركنٌ من شرفة مطلة على الرصيف، وواجهة من زجاج معتم، تتيح الرؤية لمن في الداخل وتحجبها عمن كان في الخارج. كرسيان متقابلان حول طاولة مستديرة عليها قهوة صباحية وحاسوب، بالإضافة إلى قلم وأوراق. ذلك هو المكان المفضل الذي أجلس فيه كل صباح حين يكون الجو معتدلا، أتصفح النت وأقرأ أو أكتب.

هذا الصباح أردت أن أكتب شيئا، لكن لم يكن في ذهني موضوع محدد، والكتابة عندي حالة طوعية وليست إلهاما ولا وحيا يتنزل. تراودني أحيانا بعض المحفزات، فتأتي الأفكار وتتزاحم، بينما يصيبني القحط الفكري في أحايين أخرى. كنت أحاول أن أرسو على فكرة لأكتب ما يعنٌ على بالي من الخواطر.

عدد من المواضيع كانت تقترح نفسها علي، لكني كنت أتجنب بعضها، وأهاب من خوض تجربة الكتابة في البعض الآخر، وأؤجل ما عصى منها إلى الزمن المناسب. هكذا ارتبك اختياري وطال وقوفي عند العتبات.

في النهاية، استهواني موضوع لا أراه إلا ترفا فكريا في فعل الكتابة. وما أن أمسكت القلم وباشرت في تدوين أولى الجمل حتى قطع حبل أفكاري صوت نسائي علا حادا في الحي ليعكر سكون الصباح: إنها "طلابة"(1).

أثارت لهجتها اهتمامي. هي طلابة وافدة. "الطلالبة"(2) من النساء والرجال عندنا يحملون ميزة بلدانهم في اللهجة ولون البشرة، ورواد هذا الرصيف مهم كثر.

"ساعدوني يا إخوتي، أنا أختكم من سورية، الله لا يهجر حدا من بلده". هكذا كانت تردد بصوت يثير الشفقة.

وضعت قلمي وأوراقي جانبا وأسرعت إلى واجهة الشرفة أدفع جزءا منها إلى يميني ليسير في إطاره، يدفعني الفضول للإطلالة على المشهد، علني أعرف بعضا من تفاصيل حكايتها.

امرأة شابة ترتدي عباءة وخمارا أسود. وتتوشح حقيبة جلدية صغيرة في عنقها ممررة إياها تحت أحد إبطيها. تتنقل بخفة على الأرصفة، تقلب عينيها بين شرفات المنازل، وتنادي بطلاقة كأنها تؤدي دورا على خشبة مسرح.

"يا إخواني، مستأجرين بيت، والله ما فيه غير الحيطان. بدنا أفرشة وأغطية للأولاد الله يعوض عليكن من عندو".

وراحت في كل مرة تنقل إلى مسامعنا مشهدا من معاناتها: تلك التي لم تكن سوى عينة بسيطة مما يعانيه السوريون في حكاية تيههم خارج الديار.

بدا تعاطف ربات البيوت واضحا معها من خلال المبادرات الكريمة الملحوظة في الهبات التي منحوها إياها. وبدأت الأكياس السوداء الكبيرة تنهال على الرصيف من النوافذ والشرفات، مليئة بالثياب والأفرشة والأغطية. والبعض جاء يناولها أشياءه القابلة للكسر أو التلف يدا بيد.

تجد بعض ربات البيوت، حين يزور الحي وافد من المحتاجين، فرصة مناسبة لفرز خزائنهن المتخمة بالأثواب وشتى المستلزمات المنزلية التي تفيض عن حاجتهن، عوضا عن رميها في حاويات النفايات.

يرتفع الصوت مرة أخرى بكلمات مضافة تسرد بعضا من تفاصيل الحكاية المأساة.

"سورية ضاعت يا إخواننا، الله يخلي لكن بلدكن، الله يعمرو بيكن وبأولادكن".

كنتُ أؤمن على دعائها بكل قوة، وأردد في سري ما قالته: " الله لا يهجر أحدا من دياره".

تذكرت كلام ابنتي وسؤالها المفاجئ ذات مرة على خلفية ما عرفت عن زميل سوري لها في المدرسة: "ماما، محظوظة أسرة حمدو حين لجأت إلى بلد كالجزائر. لو حدث لنا مثل ما يحدث في سورية، فإلى أي البلدان سنلجأ؟

سكتت برهة وقد اجتاحتني هذه الخاطرة واقشعر بدني لها، فأي جواب مطمئن يمكن أن أرد به على سؤال ابنتي؟ ولماذا ينبغي أن أحمل لها جوابا مطمئنا؟ ألا يجب أن أهيئها لتكون بمستوى ما يعانيه أطفال العالم لكي تتمكن من تحمل تداعيات ما يمكن أن يحصل لها في المستقبل؟ هل هو قدر مكتوب علينا يسكننا ويؤرقنا نحن العرب؟ وهل بات لزاما علينا أن نهيئ أنفسنا وأطفالنا للأسوأ؟ أي ترف نحن فيه؟ أي سبات عميق وأحلام خادعة نعيشها؟ أي ترف في العيش وفي الكتابة وحتى في أحلام اليقظة والمنام؟

"لن نهرب إلى مكان"، هكذا أجبتها. "سنحيا على أرضنا أو عليها نموت. ليس لنا وطن يؤوينا إلا الجزائر. هذا إيمان ورثناه عن آبائنا وأجدادنا. عاشوا زمانهم على أرضهم يواجهون أقدارهم، وماتوا عليها، ولا يصح أن ينتسب المرء إلى أرض لا موتى له فيها. ألم تقرأي بعد دروس التاريخ؟"

تتنقل المرأة السورية بخفة ورشاقة من مكان إلى آخر تجمع العطايا والهبات. تكدسها في ركن من الحي. هو زمانها الذي خانها، والزمان خوان يجور ولا يرحم، فما عرفنا السوريين إلا إخوة كراما على أرض الجزائر، جاؤوا إليها يحملون خدماتهم لنا باذلين جهودهم في تعليم جيل الاستقلال اللغة العربية. والحق أنهم ساهموا كثيرا في تعريب الرياضيات والعلوم في المراحل الأولى من نهضة التعريب في الجزائر.

أعلم أن هناك جهات رسمية وجمعيات منظمة تولت رعاية شؤون الإخوة السوريين المهاجرين إلى الجزائر، وأنها حدت من التشرد والفوضى، فتولت الكثير من أمورهم وتدبرت وسائل معيشتهم. لكن المثالية مهما بلغت فإنها لا ترفع الحيف عن الناس، فهناك بلا ريب عينات لم تشملها رعاية الجمعيات، وما زالت تعيش على باب الله. وهذه نتيجة طبيعية في ظروف مماثلة لا ينبغي أن تنال من كرامة السوري في كارثة إنسانية مماثلة وحرب طاحنة لا تبقي ولا تذر. منهم تجار بارعون أنشأوا مشاريعهم الذاتية: مشاريع متواضعة كانت أم كبيرة لكي لا يتوسلوا الحاجة وذل السؤال.

هناك مشاهد مؤثرة لهؤلاء الإخوة السوريين منذ بداية الأزمة ما زالت مقيمة في ذاكرتي، فلم أستوعب يومها حقيقة ما يجري، وكنت أمام هذه المشاهد الصادمة أتنازل مرغمة في كل مرة عن جزء من كرامتي كإنسانة.

أتذكر المشهد الأول لرجل كهل يتسم بهيئة حسنة، فلا تبدو عليه أي إمارات الفقر أو ما ينسبه إلى دنيا الشحادين. كان يسير بمحاذاة الرصيف حيث ركنت سيارتي. عاد خطوتين إلى الوراء ومد يده في حياء فلم تغب عن عيني أحواله ولم يختف من عينيه ذل السؤال:

"أخوكم من سورية".

فاضت عيناي بالدموع بالرغم مني على ما آلت عليه أحوال من حكموا التاريخ يوما من بلاد الشام.

في مشهد مختلف، امرأة شابة يتبعها طفلان صغيران تتمتع باللياقة البدنية الكاملة تمد يدها، وهي تقترب مني في محطة للمحروقات ولسانها يلهج لي ولعائلتي بالدعاء. لهجتها واضحة تشير إلى هويتها بلا شك.

قررت أولا ألا أتصدق عليها بشيء. ووجهت لها ملاحظة تحمل معنى السؤال: "لماذا لا تعملين؟ إلى متى ستبقين هكذا تمدين يديك إلى الناس؟" أجابتني بأنها ترعى زوجها المريض وأولادها الأطفال، ولا تستطيع الإلتزام بعمل معين. ودفعني ضعفي مرة أخرى لأن أفتح حافظة نقودي من جديد.

هناك متسولات بارعات، لا يمكن التغاضي عن إبداء إعجابك بشخصياتهن ورشاقتهن في التسول. إحداهن المرأة الشامية التي تستجدي أمامي على الرصيف.. وهناك من تنفرك، كتلك التي جاءت يوما في الصباح الباكر إلى ذات الرصيف وما زال بعض الناس نياما. فرفعت عقيرتها تشكو عريها بالصياح: "اعطوني قندورة من مال الله، راني عريانة"(3).

أزحت الستائر حينها وفتحت النافذة وجلت ببصري على الرصيف. وهالني مشهد امرأة بأسمال ممزقة بالية تكشف عن جزء من جسدها تتوسل به عطف الناس عليها. جزء تحرص النساء عادة على ستره حتى وهن يرضعن أولادهن. لم أفطن لحيلتها، وظننتها فعلا لا تملك ما تستر به عريها. اربكني المشهد وأسرعت إلى خزانتي لأخرج أول "قندورة" تصادفني ورميتها لها لتنتفع بها.

انشغلت في أموري لبعض الوقت. وحين عدت إلى النافذة أستطلع شأن المرأة من جديد، وكان صياحها ما زال يهز الحي ويتردد في الفضاء. تتمسكن وتطلب مزيدا من القنادر. صدمني طمعها وتهالكها على التسول وهي تخزن الأمتعة في أكياس كبيرة، وتحرص أن تبقى عارية أمام عيون الناس.

عدت بعد شرودي إلى حالي وإلى المشهد الصاخب على الرصيف. فبعد أن جمعت المرأة ما يزيد عن نصيبها من الصدقات، أخرجت من حقيبتها هاتفا نقالا، تكلمت فيه بعض الوقت، ربما لتطلب مساعدة أو وسيلة لنقل ما جمعت من المتاع.

وجدتني بعد هذا المشهد أعود لقلمي وأوراقي، وقد وافاني من حيث لا أدري ما يثير رغبتي في الكتابة. هكذا ولد موضوعي: من وحي الرصيف.

= = = = =

(1) طلابة: متسولة بالعامية الجزائرية.

(2): طلالبة: جمع طلابة.

(3) قندورة: فستان خاص بالبيت تلبسه المرأة الجزائرية.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3429092

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC