أمل عبده ارشيد الزعبي - الأردن

الطفل والموروث الشعبي

الموضوع أدناه مقتطف من من ورقة عمل قدمتها الكاتبة في مهرجان الشارقة القرائي، الدورة الرابعة 2012

أمل الزعبيالطفل هو أمل المستقبل وهو الزهرة اليانعة التي لأجلها يتعب الوالدان، ويسعى المجتمع لإيجاد السبل للمحافظة على نموه نموا سويا ضمن إطار اجتماعي تربوي صحيح، فالطفل في هذه المرحلة كائن حساس وديناميكي يتأثر بكل المؤثرات المحيطة به وهو الأكثر تحليلا للأمور التي تعتبر بنظر الكبير أحداثا عادية.

والموروث الشعبي مصطلح شامل نطلقه لنعني به عالم‍ا متشابكا من الموروث الحضاري، والأسطوري والحكايات الخرافية والشعبية والأقوال المؤثرة والطقوس الدينية والقيم الاجتماعية التي دامت عبر التاريخ، ومن خلال الانتقال من بيئة إلى بيئة، ومن مكان إلى مكان. ويضم مصطلح "التراث الشعبي" الحكايات الشعبية والطقوس المتبعة بالمجتمع، كما يضم الفولكلور، (الميثولوجيا الإنسانية بكل أبعادها) ويضم أيضا الأدب الشعبي الذي أبدعه المجتمع المحلي.

أهم الطرق التي انتقل من خلالها موروث الطفل قديما

الأسرة/الأم: تعد الأسرة والأم من أهم وسائط الاتصال التي تعمل على توصيل الموروث الشعبي للطفل عن طريق التعامل المباشر مع الطفل والحكايات التي تسردها الأم لأبنائها الصغار يوميا والأغاني والأهازيج التي تغنيها لأبنائها وهي تهدهد لهم للنوم. والأسرة هي الجهة الأولى (بما فيها الأم) المسؤولة عن توصيل الموروث الشعبي للطفل نتيجة تواجده فيها لفترات طويلة ليتلقاه من أكثر من فرد من أفراد الأسرة. على عكس الشكل الدارج للأسرة اليوم، فقد تلاشت فكرة الأسرة الممتدة وبذلك ضعفت فرصة نقل الموروث بنفس الدرجة التي تميزت بها في الفترات السابقة.

السيرة الشعبية: وهي من مصادر أدب الطفل الغنية. وإذا كانت السيرة الشعبية تمثل جانبا مهما من ملامح الثقافة العربية ورافدا كبيرا من الموروث الشعبي لهذه الأمة العريقة، فيمكننا أن نقول إن هذه السيرة هي حكاية شعبية طويلة ذات حلقات وفصول، وهي تشمل حقائق لا سبل إلى نكرانها، وتشمل كذلك خرافات أو خيالا محضا لا سبيل إلى إثباته، إلا أن الكتّاب أقبلوا عليها يقدمونها في أشكال مختلفة من التبسيط والقيم القديمة.

صندوق الدنيا: وهو صندوق خشبي مفرغ وفي مقدمته عدد من العدسات تصل إلى خمسه وبداخله بكرة يلف عليها مجموعة من الصور الملونة تتصل بمقبض باليد وتقوم العدسات بتكبيرها ويقوم الحاكي أو صاحب الصندوق بالشرح والتعليق على القصص ويجلس الأطفال على خشبة مصاحبة للصندوق تتسع لمجموعة من الأطفال فيضعون رأسهم داخل الستارة السوداء التي تحجب الضوء ويتفرجون على قصص مثل الشاطر حسن و قصص البطولات مثل عنترة بن شداد وحكايات الأطفال وتبث فيهم قيم عظيمة وتحثهم على تمجيد البطولات، وطاعة الوالدين. وللأسف الشديد اختفى هذا الصندوق من المجتمع بالرغم من أهميته.

خيال الظل: هذا الفن الشعبي يرجع إلى بداية القرن الماضي وكان يعرض في حفلات العرس والموالد ويحتاج هذا الفن إلى مكان محكم ومظلم لاستخدامه الصورة والضوء معا، حيث تتحرك الشخوص المصنوعة من مواد مختلفة خلف ستارة بيضاء وشفافة بواسطة لاعبين ويقوم بإظهارهم مصباح قوى مسلط عليهم من الخلف، وقد ساهم هذا الفن في تقديم العديد من العروض للصغار والكبار معا وكان دوره عظيم في الحياة الاجتماعية وكما اختفي صندوق الدنيا للأسف اختفى هذا الفن الشعبي أيضا.

الأرجوز: فن شعبي أصيل جمهوره من الأطفال ويعتمد على العرائس التي يحركها اللاعب من الخلف، وشخصية الأرجوز ساخرة وذكية لا يستطيع أحد أن يخدعه ودائما ينتصر في النهاية، وكان يقدم فنونه في المواسم والأعياد والموالد وأخيرا في المدارس، والأرجوز وسيلة اتصال بين عالم الطفل الداخلي وعالمه الخارجي و يعمل على إشباع غريزة التقمص عند الطفل، وفن الأرجوز سهل التعامل لمن اعتاد عليه ولا يحتاج إلا لشخص واحد يحرك العرايس بيديه بحيث يجعل لكل عروسة صوت يميزها ويعطيها شخصية كشخصية شكوكو والطرطور.

السامر: حفل مسرحي يقام في المناسبات الخاصة مثل الأفراح والموالد وليالي الحصاد وليالي السمر في الصيف، وتذهب الفرقة إلى المناسبة وتعرض فقراتها في مكان مناسب، في القرية مثلا. ويجلس أهل القرية في نصف دائرة ويظل السامر منصوبا حتى الفجر. والسامر فن ارتجالي، والحكايات فيه من الحياة اليومية وتجسيد بعض الشخصيات العامة التي تسيطر على تلك.

الحاوي: وسيلة تسلية للصغار والكبار ويعتمد على ألعاب الحواة من خلف اليد واللعب مع الثعابين والقيد بالسلاسل والقيام بفكها بقوته، والحاوي كان يزور المدن والقرى في الأعياد والموالد الشعبية لعرض فنه أمام الصغار والكبار من القفز خلال حلقة يحيطها النار أو اللعب بورق الكوتشينة، واليوم تطور اسمه حيث أصبح الساحر وهو اليوم فقط يزور المدارس بعد أن أنحصر دوره فيها بالإضافة لوجوده كفقرة رئيسية من فقرات السيرك أينما كان.

القرداتي: فرجة شعبية: ما يقدمه القرداتي بالأمس هو أقرب إلى السيرك اليوم، وهو النشأة الأولى له، حيث يعرض شخص فقرة مع بعض الحيوانات التي استطاع أن يروضها ويقدم من خلالها عرضا لطيفا. ويلاحظ في تلك الفرجة أن الأطفال الذين كانوا يحضرونها هم من الطبقات الدنيا في المجتمع وكانت هذه تعتبر تسليتهم المميزة لما يقدمه القرداتي من ألعاب مضحكة مع القرد.

المدّاحين والحكواتيه: وهي نصوص شفهية تلقى في حلقة يتم روي بعض السير والملاحم وقصص البطولات فيها من قبل الحكواتي وهذا الفن بدع فيه أهل الشام ومصر حيث كان من الموروث الشعبي لديهم والذي أحبه الأطفال كثيرا وكانوا يتسابقون إليه مع الكبار، لسماع القصص والبطولات ويتعلمون كل ما ينمي شخصيتهم ويعزز هويتهم العربية.

والمداحين والحكواتية كانوا يؤدون الملاحم والقصص الدينية في قالب موسيقى لتعزيز الاحتفال بالأعياد الدينية وموالد أولياء الله الصالحين وينشدون ملاحم الملك سيف بن ذي يزن وعنترة وخلافه من الملاحم. العربية الأصيلة وهذا الفن أصبح مهدد بالاندثار وفرقة المداحين تقلصت إلى ثلاثة أو أربع مداحين وعازفين على أقصى حد.

حلقات الذكر: عبارة عن تجمع من الدراويش يجلسون وأمامهم المنشد ينشد لهم قصص دينية مثل سارة وهاجر أو قصة النبي موسى ورميه في اليم وعند لحظة معينة يقفون في صف و المنشد أمامهم ويأخذون في الميل بجذعهم يسارا ويمينا في اندماج مع القصة التي غالبا ما تكون مؤثرة فيحدث البكاء من بعضهم كنوع من التقرب إلى الله.

موروث الطفل الشعبي في الألفية الثالثة:

ذكرنا الموروث الشعبي القديم وكيف كان يتم نقله للأطفال، ولكن ماذا عن الموروث الشعبي في الألفية الثالثة، في عصر التكنلوجيا الحديثة: عصر العولمة وعصر الانفتاح والاستنساخ؛ هذا العصر بكل ما فيه من انفتاح غير معقول على العالم الخارجي وما تحويه من اختلافات في الثقافات الأجنبية والعربية مما جعل إمكانية المحافظة على مخزون الموروث الشعبي بشكل عام والموروث الشعبي للطفل بشكل خاص من الأمور الصعبة جدا في مثل هذه الظروف وسنذكر اليوم بعض هذه الوسائل الحديثة وأهمها:

الأسرة/الأم : اليوم يقتصر دور الأسرة على ما قبل السنوات الأربعة الأولى من عمر الطفل بالمشاركة مع دور الحضانة المبكرة في بعض الأحيان للأطفال اللواتي تعمل والدتهن خارج البيت، حيث يكون الطفل لا يزال مرتبطا ارتباطا تاما بوالدته، وهي المصدر الوحيد لتعليمه وتثقيفه بكل شيء.

التلفاز: هذا الجهاز الصغير الذي يكاد لا يخلو منه أي بيت في العالم بات اليوم ملاذنا الأكبر للحفاظ على الموروث الشعبي للطفل، والعصر الحديث أصبح عصر التلفاز خاصة بعد مشاركة المرأة للرجل وخروجها من البيت إلى العمل فترة ليست قصيرة وبقاء الطفل فيها أمام التلفاز لساعات طويلة، كنوع من التسلية الفاعلة لحين عودة الأم، فالتلفاز هو الوسيلة الأكثر رغبة لدى الأطفال.

بناء على ذلك، يمكن الاعتماد على هذا الجهاز الصغير للحفاظ على الموروث الشعبي وذلك من خلال تقديم برامج تخدم هذا الموضوع وقد حظيت الكتابة للأطفال عبر الوسائط الثقافية والإعلامية بالاهتمام الأكبر، ولا سيما الكتابة للتلفزيون، إدراكا منهم أن التلفزيون، مع ثورة المعلومات والاتصالات، غدت الوسيط الثقافي الأهم في مخاطبة الراشدين والأطفال في آن واحد. علينا قبول كل جديد وتحويره بطريقة فعالة تخدم مصالحنا وأهدافنا بشكل عام. ويمكن نقل الموروث الشعبي لحكايات الأطفال عن طريق برامج القصص والسير الشعبية التي يمكن نقلها إلى الأجيال المتتالية.

الإنترنت: ثالث أقوى وسيلة لنقل الموروث الشعبي فالطفل اليوم خبير في التعامل مع الإنترنت وقد أضحى في المرتبة الأولى بالنسبة للطفل من حيث اعتباره التغذية الراجعة له للحصول على كل ما يجول في خاطره. بالإضافة لكونه يعتبر كل ما يقرأه فيه أو يشاهده أنما هو نبع صاف للخبرة وللتراث ويمكنه تناقله من موقع لآخر واعتباره يضاهي الموروث الشعبي الذي يسمع عنه من الكبار فهو يغذي نفسه بهذا الإرث اليوم عبر الوسائط الحديثة لنقل الموروث الشعبي لأطفالنا اليوم؛ وهو سلاح ذو حدين، إذا تمكنا من السيطرة عليه وتوجيهه الوجهة التي نريدها نحن الكبار كان أداة فعالة وقوية ومؤثرة في الطفل العربي، وإذا تركناه عائما هائما على وجهه كان له أثار سلبية لا نحمد عقباها.

الوسائل المقروءة: وهي وسائل تقليدية متجددة، قديمة حديثة، وهي ضرورية ولابد لأي طفل أن يمر بها ويستفيد منها ويستسقي أخباره ومعارفه وخبراته في الحياة منها وقد يعتمد عليها ليكوّن منها مخزون في العقل والذاكرة فتستقر لديه في المستقبل وتترك بصماتها فيه عن موروثه الذي أنتقل إليه من الآباء للأجداد عبر الأوراق المدونة.

الطفل والمناهج المدرسية، فهي تقوي الروابط بين الطفل وموروثه الشعبي الذي يعرضه عليه بصورة مبسطة تناسب صفه وعمره المدرسي من خلال منهاجه في المدرسة. وهذا ما استفادت منه الأردن في تجربتها مع المناهج الحديثة حيث اشتملت مناهجها على وحدات دراسية لكل صف تقريبا تحتوي قصص لمؤلفين أردنيين وعرب لتحقيق الهدف البعيد من ورائها وتجنب الأدب الغربي في مناهجنا لدعم الموروث الشعبي فلا يتخلى عن أصله وعما نشأ عليه أهله ومجتمعه.

مسرح الدمى: اعتمد عليه أهالينا في السابق في مصر والسودان وكان له إسهام كبير في نقل الموروث الشعبي للطفل من خلال الدمى واليوم أصبح التعلم بالمحاكاة والدراما أو التعلم بالتمثيل. والتعلم بالمناقشة والتعلم بالحوار وجميعها استراتيجيات وضعت لتقوي شخصية الطفل وتدعيم الموروث الشعبي لديه بالعمل على خشبة المسرح المدرسي كمرحلة أولى، ويمكن توصيل الموروث للأطفال من خلال ترغيبهم بالتمثيل على خشبة المسرح المدرسي ثم مسرح أوسع كمسرح محلي على مستوى الوطن.

الأغاني الشعبية وألعاب الأطفال: وتعتبر بابا مهما من أبواب التراث الشعبي العربي، وتشكل مدخلا مهما إلى عالم الطفل وبخاصة أولئك الذين يكتبون أشعارا للأطفال، ويمكن العودة إلى ألوان هذه الأغاني والاستفادة منها. وتشترك بعض الأغاني مع الألعاب الشعبية ببعض الرموز وإلا شارات التاريخية.

أساليب جذب الطفل لموروثه الشعبي

من الواضح أن أغلب نصوص التراث في الوطن العربي لم تكتب لتخاطب الطفل على الرغم من أن الطفل يستحق من أمته الإعداد له ولمستقبله ولماضيه من خلال نصوص كتبت خصيصا له على أسس يحبذ اعتمادها لتتم الاستفادة، ومن هذه الأساليب:

الإعداد أو الاقتباس: ونقصد به إعادة عمل فني كي يتفق مع وسط فني آخر مثل كتابة سيرة تاريخية في ثوب قصصي‏ أو أغاني الأطفال.

دعوة المبدعين من كتاب الأطفال والفنانين سواء في مجال القصة أو المسرح أو الرسوم المتحركة أو الأناشيد وغيرها لدراسة أفضل الأساليب لديمومة التراث وأغاني الوطن السليب وتوظيفه التوظيف السليم في إبداعاتهم.

توصيات للحفاظ على الموروث الشعبي للطفل

دعم أدب الطفل وإنتاجيته من قبل المؤسسات التعليمية والإعلامية من خلال تشجيع الكتاب لحفزهم على الاستمرار بالكتابة وتحديدا السير الشعبية وتوجيهها نحو الطفل من خلال مسابقات وحوافز مادية تخرجهم من إطار جمود العمل ورتابته للتفكير والإبداع.

دعم وتبنّي المؤلف والكاتب العربي من قبل المؤسسات ودور النشر المتخصصة لكُتّاب أدب الطفل، والعمل على إبراز الدور المؤسسي لا الفردي بما يساعده على الإبداع والكتابة ليرى كتابه النور ويصل إلى كل طفل عربي قد يستفيد منه.

إن أعباء التفكير بالطباعة والنشر والمتطلبات المادية المترتبة عليه يعتبر أكبر عائقا في حياة الكاتب لان المبالغ الباهظة المدفوعة لا تقارن بعائدات الكتابة.

تحفيز الطلبة الموهوبين في الجامعات من خلال إجراء مسابقات للكتابة للأطفال والإبداع واستخراج ما بداخلهم من طاقات كامنة قد تجعل منهم كتـّابا مميزين بالمستقبل ومحافظين على كل ما يمت بصلة لموروثهم العربي الجميل حتى يكون لدينا أدب طفل ضمن الإطار التعليمي على المستوى المطلوب.

فتح مراكز ثقافية مختصة بعالم الطفل وكل ما يمت بصلة للطفل وموروثه الشعبي كمتحف الأطفال الذي يعرض كل ما يتعلق بالطفل في كل الفترات الزمنية الماضية وإقامة مسابقات متعددة تكون بين طلاب المدارس ابتداء بوزارات التربية والتعليم امتدادا لوزارات الثقافة المعنية بهذه الأمور.

دعم الكتاب العربي المحلي من خلال معارض يقدم فيها الكتاب بسعر زهيد جدا تشجيعا للكتاب وتحفيزا بالقراءة مما يجعل أثمانها في متناول الجميع.

الحد من الغزو الثقافي ومحاولة نقل ثقافات خارجية وطرحها في الأسواق العربية بصور جذابة وملفتة لانتباه الطفل مما تدعوه لاقتنائها وترك النسخة العربية الأصيلة وذلك يؤدي لاستبدالها.

مراقبة الألعاب الإلكترونية الحديثة ومعالجتها: وهي العاب لم يتسنَ للعرب ابتكار شبيهات لها فهي ذات تقنية عالية وأسعار مرتفعة وتحوي ألعابا للأطفال مسلية جدا مثل لعبة البليستيشن أو الإكس بوكس ولكنها آلات تدمير لموروثه القديم حيث باتت الشركات الأجنبية المصنّعة لهذه الألعاب تسوّق ثقافتها وأفكارها.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3203641

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC