إيمان يونس - مصر

الحصاد

إيمان يونس(1)

بعد عدة سنوات من تنقل قضيتها من قاض إلى قاض ومن محكمة إلى محكمة، نُطق بالحكم النهائي بأحقيتها في حضانة وحيدها مع إلزام طليقها بكافة نفقات القضية وأتعاب المحاماة مع تخصيص نفقة شهرية للأبن ولها.

(2)

كرست كل وقتها وجهدها لأبنها، ولازمته عند ذهابه للمدرسة وإيابه. أمسى عالمها الذي تدور في فلكه وتعيش لأجله، تناست أنوثتها التي أهينت وهي في أوج عنفوانها، رفضت كل الرجال وأكتفت به رجل اليوم والغد.

(3)

حرصت على أن يشب رجلا بمعنى الكلمة، دائما ما تكرر على سمعه إياك والدموع يا ولدي إنها لغة الضعفاء، كن قويا مع الحياة وامش فيها واثق الخُطى، ولا تنحن لكائن من كان إلا رب العباد.

(4)

بعد نجاحه المبهر في الثانوية العامة، وفي غمرة فرحتها بتحقيق أول أحلامها بوضع قدميه على أول عتبات الحياة، تلعثمت كلماته وهو يصرح لها أنه يرغب في الالتحاق بإحدى الكليات العسكرية ولكن يصعب عليه أن يتركها وحيدة خاصة فترة الاختبار الأولى والتي تمتد لأكثر من خمسة وأربعين يوما في شبه معسكر لمزيد من التدريب. قلبها يعتصر وينقبض لفكرة غيابه. ووسط دموعها المنهمرة تحفزه وتحمسه: أنت الآن ابني الذي ربيته ليصبح رجلا ينفع نفسه وينفعني ويصون وطنه. إنهال عليها بالقبلات وأختلط ضحكهما بالبكاء

(5)

مرت سنوات الدراسة، والتفوق كان حليفه، مما جعله محط أنظار واهتمام أساتذته، وعقب تخرجه تم ترشيحه للعمل بجهة سيادية وجاءها بالبشارة وأول نجمة معلقة على كتفه. حلقت معها في السماء وأخذت بين أحضانها القمر أبن عمرها زهرة شبابها وكل دنيتها.

(6)

سنين عزلته داخل أسوار كليته جعلته غضا غريرا، حسن النية بريء المشاعر. ورغم حرصه على تأدية فرائض ربه وسنن رسوله الكريم منذ صغره إلا إنها خافت عليه من زلات الشباب، وملاحقة بنات هذه الأيام، بمشاعر زائفة وجريئة. وإمعانا في حمايته من حبائل هوى كاذبة بحثت له عن بنت الحلال وأُعلنت خطبته عليها ومشت مزهوة والكل يشير عليها ويناديها بلقب أم العريس.

(7)

كانت الحياة تسير بروتينها المعتاد، ويتخللها غيابه في مهمات خاصة يسحب روحها معه وقلبها ينبض بجهدِ حتى يعود فتعود لها الحياة. يصبرها أن كل مهمة تضاف إلى ملف خدمته كنقطة مضيئة تساعده على سرعة الترقي، وزاد على هذه المهام انشغاله في تحضير شقة الزوجية وحجز قاعة الأفراح لزفافه وتقول في سرها إنها سنة الحياة.

(8)

ومع بداية الحرب على الإرهاب ازدادت مهامه وطالت أيام الغياب. لا يحق لها الاستفسار. إنها أسرار عسكرية. إنه أمن الوطن بالداخل والخارج.

وأمام كلمة وطن تصمت والأمن والأمان لا يتحقق إلا بثمن باهظ، ولا تملك له إلا الدعاء والعودة سالما غانما.
كانت تودعه وهواجسها تحاصرها، والوساوس تداعبها، وحنجرتها تجف من كثرة الدعاء، قلبها مقبوض ولا تعرف له عنوانا.

فتحت التليفزيون. مشاهد قتلى وجرحى على إحدى القنوات، تنتقل إلى أخرى تتصدر شاشتها مواكب وداع، تشعر بالغثيان. تفرغ ما في جوفها وما هو إلا ماء مر.

يرن جرس الباب. دوت معه أجراس إنذار لكل حواسها. علت دقات قلبها، فتحت الباب بيد مرتعشة، بعض رفاقه وقائده يقدمون اعتذارهم قبل خطواتهم.

هرب الدم من عروقها، وسقط القلب من بين ضلوعها. وبكلمات مخنوقة في حلوقهم أضرموا حريقا بقلبها لن يطفئ لهيبه ألقاب من نوعية أم البطل ولا أم الشهيد.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3200404

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC