إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

ثلاثة رجال وامرأة

ملاحظة: الأسماء والشخصيات الواردة في النصوص أدناه لا وجود لها.

صالح مظلوم

"آل مظلوم" عائلة منتشرة ومعروفة في كل أرجاء البلاد. وصالح، الابن الأصغر لمدير المدرسة الرسمية في الحيّ، من هذه العائلة الموزعة على عدد من الطوائف والقرى والمدن في مختلف المحافظات. صالح المظلوم يستدعي الغيظ والغضب. ذلك هو الولد المنكود الذي لم يحظ يوما برضا أبيه.

الابن الأكبر للمدير تخرج من مدريد طبيبا متخصصا بأمراض الكلى والسكري. تزوج من فتاة إسبانيّة ونال جنسيّة البلاد، فاشترى بيتا في الريف حيث يعمل ويعيش بأمان وسلام ورخاء، إلى جانب ابنته وزوجته في تلك البلاد العامرة المتقدمة في الكثير من المجالات.

أوقاته شديدة التنظيم موزّعة ومحسوبة بالساعات والدقائق واللحظات. يقوم بإدارة عيادتين في مدينتين متجاورتين تستدعيان جهدا متواصلا. قلّما يهدأ أو يتوقف لكي يلتقط أنفاسه، ويوم آخر في الأسبوع خصّصه للعمل في أحد المشافي. تباعدت زياراته لأهله وغدت لا تزيد عن مرة واحدة كل عدّة سنوات.

والابن الأوسط نال منحة من الجزائر في وهران، مكافأة على تفوقه في البكالوريا، وتخرج من جامعاتها المزدهرة مهندسا مدنيّا بامتياز. أحب فتاة من أهل البلاد تخصّصت في الموارد البشرية والإدارة، فتزوجها وأنجب منها وأقام معها حيث يعملان في ذات المؤسسة جنبا إلى جنب. هو الآخر موفق في عمله؛ بار بأهله؛ يحمل إليهم هدايا وتمرا مميزا حينما يأتي لزيارتهم، ويرسل لهم نقودا كلما احتاجوا.

والابنة التي تكبر صالح مباشرة، تخرجت من الجامعة الوطنية وحصلت على إجازة في مادة الكيمياء. أحبّت زميلا لها في الجامعة ثم تزوجته ورزقا على التوالي بطفلين صبيين، وعاشت مع زوجها في أقصى شمال البلاد، حيث تمارس مهنة التعليم وتعيش حياة هانئة، خالية من التلوث ومتاعب الحياة المرهقة في المدن الكبرى.

وحده صالح، أصغر الأبناء، كان مقصّرا منذ نشأته. لم يتجاوز أولى مراحل الدراسة حتى عاف العلم، وتنكّر للمدرسة فتركها وهو يكاد لا يفكّ حروف الهجاء. لم يؤسس عملا يرعى مستقبله أو يؤهله للزواج، بسبب إحباطه وعجزه الفطري واليأس من قدرته على التحصيل. فشل أيضا في مزاولة بعض المهن والأعمال البسيطة، فاستقرّ به المقام في نهاية الأمر حارسا لعمارة في أحد الأحياء الراقية في بيروت.

يكوّر أبوه قبضة يده اليمنى بشكل غريزي، وهو يتحدث عن صالح كأنما يتحضر ليضرب أحدا. ويقول بقسمات متجهمة، وحسرة مليئة بالنقمة والمرارة والغضب: تخرّج من مدرستي أعداد لا تحصى من الطلاب ممن تفوقوا في دراساتهم وأسسوا لمستقبل ناجح. منهم المهندس والمصرفي والطبيب وحتى النائب في الندوة البرلمانيّة والوزير. لكنّ هذا الغلام أعياني وكدّر حياتي واستفزّ أبوّتي ونكّد عليّ هناء عيشي. يشهد الله أنني بذلت جهدي معه ولم أقصّر في حقّه يوما، فلم ينفع معه الترغيب والترهيب، ولا نفع معه الرفق والتأنيب. هذا جزاء من لم يفلح يوما في التّرفع من صفّ واحد في ثلاثة أعوام على التوالي.

والأب المدير بلغ سن التقاعد فترك وظيفته، وصار ينتظر معاشه آخر الشهر ويتسكع وحيدا في الطرق أو أمام المكتبات. ثمّ ماتت زوجته ونالت منه السنوات الطويلة التي عاشها، فتهالكت صحته وأصيب بداء السكري والشلل النصفي، وبات يخضع لغسل الكلى بانتظام، وإن أهمل فلن يقاوم كثيرا حتى يموت. لكنّ صالحا صار يحمل أباه في النزول على الدّرج إلى سيارة الإسعاف مرتين في الأسبوع، ويعيده على ظهره بعد الغسيل إلى الطبقة الخامسة عند الصعود.

أبو حسن

واذكروا محاسن موتاكم. الخميس الماضي الواقع في العاشر من نيسان لهذا العام، مات علي العطار، ملاّك المباني الميسور. رحل الرجل بعدما أدى واجباته في الدّين والدنيا، وحمل معه إلى الآخرة ذخيرة من البر والتقوى وزكاة الأموال والإنفاق على الأيتام، ما يكفي ليعفى من عذاب النار. هذا ما أشهد عليه أمام الله، وهذا ما يؤكده عارفوه من سائر الناس، فلم يكن الراحل قد ارتكب آثاما أو معصيات تستوجب جزاء الرمي إلى النار.

"اللهم إن عبدك هذا وابن أمتك احتاج إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه. إن كان محسنا، فزد في حسناته وإن كان مسيئا فتجاوز عنه. إنك أنت الغفور الرحيم".

انتهى الأمر ومات الرجل أخيرا، بعد عمر مديد عاشه في بحبوحة لا تخلو من الحرص وحسن التدبير، فسبحان من له ملك السَّماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كلِّ شيء قدير!

كنت أستأجر بيتا عند الرجل، حينما انتدبت في دورة دراسية خارج البلاد لعام وبعض العام، فلم أتخل عن المنزل، وآثرت حينها أن أدفع إيجار سنة أو أكثر دون الإفادة من السكن، لكي لا تتعثر أموري عندما أعود، فلا أجد لنفسي مكانا آوي إليه في مدينة تعاني في الأصل أزمة إسكان لم تنته حتى اليوم.

وكنت خلافا لأحوال اليوم، أحوّل للرجل بدل الإيجار الفصلي بواسطة البريد المضمون، مرفقا برسالة أعلمه فيها أن بدل الإيجار عن كامل الفصل في الطريق إليه، فأوجّه إليه رسالتي بالقول: "حضرة السيد أبو حسن علي العطار المحترم"، بالإضافة إلى البلد والمدينة والعنوان، ورسالة مختصرة مكتوبة بخط واضح داخل الغلاف، أحيّيه فيها وأذكر له ما أريد.

وكان رحمه الله يردّ على رسالتي برسالة مماثلة، يكتبها على ورقة لها هامش طوليّ بالخط الأحمر. ورقة منزوعة من دفاتر أبنائه. ينسخ عنواني بالحرف اللاتيني بخط متعثر، تاركا عنوانه بالعربي على الغلاف، مشيرا ببساطة وعفوية خالصة: أن المرسل هو "حضرة السيد أبو حسن علي العطار المحترم".

وكان يشكرني لأنني لم أتأخر يوما عن إداء الإيجار في الموعد المحدد من كل فصل، ويخبرني في متن الرسالة أنه تسلم المبلغ كاملا وأن براءة الذمة ربطا بالمكتوب. وكان ينهي رسالته بالسؤال عن صحتي، ويشكرني مرات ومرات، ويسألني همسا عن أحوال تلك البلاد، وما يتردد عنها من العري والخمر واستهتار النساء.

رحم الله الرجل. كان خدوما ومحبوبا وعفويا؛ وكان بسيطا طيب القلب. نال نصيبه من الدنيا، فأدى ما عليه وحج إلى بيت الله الحرام. ثم رحل إلى جوار الله مغسولا من الذنوب والآثام.

عودة المهاجر

خليل مفرّج سافر عبر البحر إلى الأرجنتين، وترك ولديه في رعاية زوجة شابة جميلة، ذات بشرة بيضاء وعينين خضراوين ما زالت في بداية عهدها بالحياة. في السنة الأولى على غيابه كتب لها بعض الرسائل. ثم بدأت رسائله تتباعد حتى توقفت نهائيا. طالت غيبة الرجل خمسين عاما. عمرا بحاله بأيامه ولياليه القاسية الطويلة.

ولمّا لم يعد، وانقطعت أخباره بعد سنوات على غيابه، نسيته زوجته، وتراءى لها أنه مات، فانتصرت على نفسها ونزواتها، ونجت بحالها من السقوط في متاهة اليأس والرغبات، فالمرأة كما الرجل من لحم ودم وصاحبة إرادة صلبة، وما يستطيع أن يفعله الرجل تفعله المرأة أيضا، وتستطيع قدما المرأة أن تقف حيثما يقف الرجل، ويداها تفعلان ما يفعله.

تبتّلت المرأة؛ وشمّرت عن ساعديها وقامت لأسرتها فأسعفتها. كدحت عمرها كلّه وأحسنت تربية الولدين. ركبت القارب بالمقلوب وبلغت بأسرتها برّ الأمان.

لكنّ "الشقيّ بقيّ" كما يقولون، فالمغترب الغائب لم يمت كما تصوّرت، بل عاد بعد غربة بعمر الزمن، عاشها على هواه فبدّد عمرها ونثره كالهباء. عاد فجأة بلا علم أو خبر ولا سابق إعلان. عاد وقد تولاها العجز والشيب وغزتها الهموم والأمراض، فارتجفت يداها وأصاب عظامها الترقق، وشارفت حياتها على الانتهاء.

عاد أبو العيال على حافة قبره؛ مهزوما ومنكوبا ومريضا ولا يساوي فلسا صدئا. حقّ للرجل أن يشعر بالخيانة والخجل، فلم يأت داره كما ينبغي له أن يفعل، لأنه لم يجد ما يقوله لزوجته، فأي بلاغة أو خطاب سيعيد لها حقها الضائع وعمرها المسلوب. وداره تغيّرت ولم يعد يعرفها أبدا، وولداه كبرا وتزوجا وأنجبا ولا يذكر عنهما شيئا.
أرشدوه إلى منزل شقيقته. وشقيقته خجلت من الناس فآوته في بيتها، لكنها تنكّرت لعودته ولم تغفر له على الإطلاق. قست عليه في محنته كل القلوب. صار عبرة للناس، وضربت فيه الحكم والعبر والأمثال، لتقصيره وجحوده وخيبته وخيانته لأسرته.

وحدها رحمة، حفيدته راهبة في دير "سيّدة المعونات" نذرت نفسها للعذراء، حضنته طويلا وسامحته وشعرت بمأساته وبكت لحاله، وتولت العناية به إلى أن تولّاه الله بواسع رحمته وغفرانه. ومات.

الآنسة صفاء

صفاء عبد الباقي، من "مشايخ" الجبل. تزوجت صبية صغيرة في سنّ المراهقة. كانت أصغر من العريس بعشر سنوات وربما أكثر بقليل. لم يكن زواجا بالإكراه، بل بتدبير من الأهل أصحاب الرأي وأولي الأمر والقرار. وحين مات زوجها بسبب مرض مفاجئ بعد زواج دام عقدين من الزمن، لم تكن قد رزقت بذرية وأولاد، وما زالت غضة الشباب جميلة الشكل، مرغوبة من الرجال.

تقدّم الكثيرون يطلبون يدها من جديد. هذه المرّة علّمتها التجربة، فحسمت أمرها وقررت أن تقبل أو ترفض وفق ما تقتنع وترغب، فرفضت طويلا. وحينما قبلت، كان كاتب المحكمة الشرعية يملأ مرة أخرى استمارة الزواج من الرجل الثاني بعد عشرين عاما على زواجها الأول، فكتب للمرة الثانية مقابل الاسم والشهرة: السيدة... وحينما سألها عن باقي اسمها وهويتها ليستكمل التدوين، قالت له: "صحّح أولا، وأكتب الآنسة. الآنسة صفاء عبد الباقي".

قالتها بخفر وارتباك وصوت خفيض.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3296033

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC