يوسف قرير - المغرب

عبد الكريم ثابت: شاعر الحياة والوجدان

يوسف قريريحمل ديوان "الحرية" للشاعر عبد الكريم بن ثابت بين دفتيه قصائد تعتبر من أرقى وأرق النماذج الشعرية في المغرب في منتصف القرن الماضي، ويتموضع شعره بين الاتجاهات المختلفة التي ميزت بين المدارس الشعرية فإنه ينضوي تحت راية الرومانسيين كما شخصتهم مدرسة أبولو بنوع خاص إذ يطبع شعر عبد الكريم بن ثابت أكثر ما غلب على رواد تلك المدرسة من أمثال إبراهيم ناجي و على محمود طه.

يمثل شاعرنا يمثل القصيدة المغربية في مرحلتها الرومانسية ويمثل الرومانسية المغربية بخصوصياتها التي تنفرد بها عن الغرب والمشرق، رغم تأثرها بهما، فهي ذات مسحة دينية وملامح وقورة، وهي رومانسية لا تحلق بعيدا جدا عن الواقع بل تظل تلامس الأرض فلا تحلم إلا بمقدار، والتي لم تكن تعبيرا عن الهموم الذاتية لهذا الشاعر أو ذاك، فقط، ولكنها بالإضافة إلى ذلك كانت تعبيرا عن الذات الجماعية الجريحة الباحثة عن معنى وجودها ومكانها في الماضي والحاضر والمستقبل، خصوصا في مرحلة غاية في التعقيد وهي مرحلة الحماية.

ينتمي عبد الكريم بن ثابت ينتمي إلى كوكبة من الشعراء الذين ملأوا خلال العقد الرابع من القرن الماضي الفضاء المغربي شعرا شفافا رائعا يعتمد الصياغة اللغوية المألوفة، ويجانب المجازات الغريبة، ويرشح بمعان إنسانية رفيعة، ويتأمل الذات المغربية وهي تصارع الآخر الغريب الوجه واليد واللسان، ويجتهد لتأكيد الشخصية المغربية بما تملك من إرث حضاري وتقاليد وقيم فنية تنتمي إلى منبعها الإسلامي الأصيل، وتمت بأواصر ثابتة إلى التراث الأندلسي ذوقا وإبداعا. لكنها في نفس الوقت تنشد تجديدا لا تقليدا وحركة لا جمودا تسم المعنى كما تتألق في المبنى متجاوزة الكلاسيكية بقيودها الصارمة وبقواعدها الجاهزة.

فإلى أي مدى استطاع عبد الكريم بن ثابت أن يتمثل التيار الرومانسي وأن يكسر القواعد الكلاسيكية سواء على مبنى القصيدة إيقاعيا أو على مستوى المعنى مضمونا؟ للإجابة على هذا التساؤل سأحاول رصد مظاهر هذا التجديد من خلال تحليل قصيدتي "حسبك أني" و"طيف" ولكن قبل ذلك لا بد من التعرف على الشاعر أولا والتعريف بديوانه ثانيا لوضع النصين في سياقهما والتاريخي وإطارهما الزماني والمكاني.

الشاعر وإنتاجه الأدبي

ولد عبدالكريم بن الحسين بن ثابت في مدينة فاس عام 1917 وتوفي في تونس عام 1961. تلقى تعليمه المبكر في الكتّاب ثم انتقل إلى المدرسة الابتدائية (1928) وحبب إليه معلموه الثقافة والأدب، فتمرد على المنهج النظامي المحكم في المدرسة، وآثر عليه حضور حلقات الدرس بالقرويين. ولم ينتظم في سلكها، كما أنه لم يواظب عليها، فأخذ يقتطف ما يناسب مزاجه من المعارف منصرفا عن حلقات الفقه والأصول واللغة بمناهجها القديمة التقليدية وقت ذاك، وأعانه على الانطلاق ما كانت عليه عائلته من ثراء، وأكب على ما حصل عليه من كتب وقوي عنده حب الآداب حتى تحول على هواية.

رحل بن ثابت إلى مصر شابا يحب الطبيعة والجمال والحرية. وأذكت الحرب العالمية الثانية إحساسه بالإنسانية، وقوت من عاطفة الانتماء عنده للوطن المغربي، واشترك في تحرير المذكرة التي أعدتها "رابطة الدفاع" عن مراكش بالقاهرة عام 1944، وقدمتها إلى سفارات الحلفاء مطالبة باستقلال المغرب استقلالا تاما، ورجع إلى أرض الوطن وعاد إلى المغرب فعمل في الصحافة محررًا في جريدة "العلم"، كما كتب في صحف أخرى، وعاش حياة غير مستقرة قبل الاستقلال، ثم عين ملحقا ثقافيا بسفارة المغرب في تونس وبقي فيها إلى أن توفي عام 1961[1].

جمع عبد الكريم غلاب صديق الشاعر عبد الكريم بن بجمع قصائد هذا الأخير وطبعها في ديوان أسماه "الحرية "[2] (سلسلة كتاب العلم، 1968). ولقد وفق في اختيار هذا العنوان كل التوفيق لأن مفهوم الحرية اتسع عند الرومانسيين حتى صار فلسفة في الحياة، عليها تقوم كل حركاتهم وكل سكناتهم وبالتالي كل ما ينتجونه من نتاج أدبي. وله قصائد مفردة نشرت في بعض صحف عصره، منها ثماني قصائد وطنية لم يشملها الديوان.

يضم ديوان "الحرية" ثلاثين قصيدة، لا تخلو واحدة منها من معنى من معاني الحب أو الحرية أو الموت، ويتسع معنى الحب في الديوان ليشمل حب الحياة والناس والوطن والجمال، ويشفُّ هذا الحب حتى يرقى إلى درجة التجرد الصوفي، ومدلول الحرية في الديوان لا يتقيد بحدودها السياسية والاجتماعية بل يسمو إلى الحرية بمعناها الوجودي الشامل، تلك الحرية المتمردة ضد كل أنواع القيود التي تحول بين الإنسان وحقه في تحقيق إنسانيته. ديوان "الحرية" مسكون بقلق شعري يسائل الحياة والموت والخلود والفناء بروح شفافة وإشراق صوفي.

قراءة في قصيدة "طيف"

تعتبر قصيدة "طيف" مثالا ونموذجا يمثل توجهات المدرسة الرومانسية على كل المستويات، من هنا تأتي ضرورة استنطاق النص وتفكيك جزئياته ومكوناته سواء تلك المرتبطة بالمضمون أو الصورة الشعرية أو البنية الإيقاعية، استمتاعا بها أولا، وثانيا للخروج بخلاصات تثبت أو تنفي مدى تمثل القصيدة للمنهج الرومانسي واستجلاء مظاهر التجديد التي طبعته.

فتـنتـي كيـف أتيـت — وتسربت لبيتـي

أنـا فيــه قابع كالهـــــــــــم حزنا منذ غبت

كـيف "يا نينتي" جئت غرفتي كيف حللت

خبريني يا ابنة النـور

أأنـت اليــوم أنــت؟

* * *

هـو هــذا حسنـك الحامـل محيـاي وموتــي

كــم تغـنيــت بـه دهرا إلى أن بـح صوتــي

يــوم إن كـنــت رجـــاء أتـرجـى فأبـــيــت

فـتنـتي كيـف حللت

مسكني اللـيل ولحت

* * *

طوقتني بذراعيها فأنستني نفسي

وزماني ومكاني وخيالاتي وحسي

كل ما أذكر أني كنت فوق الصدر رأسي

وأنا أسأل خوفا

أترى أنت ...أأنت؟

* * *

هو ذا قلبك الخافق بالخوف كأمس

آه منه وهو لا ينطق إلا مثل جرس

خافتا يشكو لي المجهول في رقة همس

خبريني يا ابنة النور

أأنت اليوم أنت؟

* * *

ثم مست شعر رأسي بيديها فانتشيت

وتمليت عبيرا فاح منها فسكرت

ثم قالت أيها الولهان ها أني أتيت

صحت آه خبريني

كيف بالله أتيت؟

ها هنا أني سجين حطمتني القيود

داخل المغرب ولهان معنى وعميد

هدني الشوق وأودت بأماني السدود

أترى كيف اقتحمت

باب سجني ودخلت؟

* * *

ثم صاحت أيها الولهان لا يوجد قيد

مانع لقيا الحبيبين ولا ينفع جند

إن ما بين فؤادينا عريض لا يحد

لا تسلني بعد هذا

كيف "نيني" أتيت؟

* * *

أنا لما عسعس الليل امتطيت القمرا

ثم سافرت لألقاك ولو على الكرى

وتسللت عبر الضوء كما أنت ترى

قلت طوبى لي ونعمى

أنت لي الفردوس أنت

* * *

يا ابنة النور تعالي حدثيني واسجعي

حدثيني عن جنان كان فيها مرتعي

واسمعي لي : إنما العالم ما دمت معي

فالمنى والسعد أنت

وجنان الخلد أنت

* * *

وتنبهت فما ألفيت إلا مضجعي

وأنا ملقي عليه غارقا في أدمعي

خلقتني وحيدا مثل رسم البلقع

أترى "يا نيني" أنت

أم خيال حين زرت؟ [3]

هذا النص نفثة إنسانية خالدة تتخطى الحدود الجغرافية وتتمرد على النوى والبعد، العاطفة فيه قوية تنساب منها الرقة، وشفافة تتبدى من خلال هيامه بالمجهول البعيد الذي يعشقه ولا يحققه، ويتمناه ولا يدركه والذي يلمحه قريباً، وبعيداً في نفس الآن، كما تتجلى هذه الشفافية في التطلع إلى الحرية، والتخلص من قيد البعد، ومن قيد الأمكنة، ومن قيد القصور الإنساني التي تحول بينه وبين ما يحب.

تشي القصيدة تشي بروح الشاعر وموسيقاه العذبة وقدرته على التعبير بالكلمة المتألقة، إن هذا التألق مرده إلى الحضور الطاغي للمرأة: المرأة/الجمال الأنثوي والمرأة/الحضور الإنساني والمرأة/الجمال الروحي الباذخ. القصيدة في مضمونها العام مناجاة الشاعر لحبيبته "نيني/الطيف" تلك الحبيبة المشرقية التي تسكر برؤاها الأفئدة ويعربد في وجنتيها القمر، لقد هام بها الشاعر ابن ثابت حبا، لكن الأيام والمسافات طوت بينهما، هي في المشرق كالطيف يقبع وهو في المغرب كئيب مثل رسم البلقع، هي التي ذكرها أكثر من مرة، ففي قصيدة "رسالة" يتردد صداها في شعره كما يعبث حبها بأوتار قلبه.

يا صديقي، قل لفينوس: لقد كان وكنـت

كان يشقى بـــك حباً ويرى العالم أنــــت

ويــرى فيــك خلوداً للمعـــاني كل وقــت

يعــرف الجنة والخــلد إذا أنـت ابتسمـت

ويرى الغيهب والسحر عميقاً إن عبست

وتكبـــرت عليـــه فتمـــنعـــت وجـــــرت

ثـــم أوقدت لهيـب النــار فيـه وسخــرت

كان يدعــوك إلى الوحدة روحاً فأبيــــت [4]

الصورة الشعرية

إن الصورة الشعرية عند هذا الرائد الرومانسي تحولت في هذه القصيدة إلى قصة أو ما يشبه القصة تتسم بحكي الأحداث وبرحلة التداعي، لأنه لا يكتفي بالجمود والثبات في الصورة، ولكنه ينشد الحركة في أكثر الأحيان، وهذا الاتجاه جعل الصورة القصصية تلتزم سياقا يتألف من المقدمة التي يستهلها بالتساؤل عن كيفية وصول الحبيبة إليه، وكيف جاءت وهي البعيدة في مشرق الأرض وهو في مغربها واصفا لنا ذكرياتهما معا، ثم يدفعنا إلى الذروة حين نحس بأن الطيف صار ملموسا وبأن الحبيبة حاضرة جسديا ويعطينا تفاصيل للقائهما الحميمي، ثم ينزلق بنا إلى الخاتمة إذ يستيقظ الشاعر من حلمه ليجد نفسه ممسكا بالسراب؛ طيف يراه ولا يلمسه، إنها قصة تملأها الحركة وتتلون بتلاوين المشاعر بين حزن وفرح ويأس وأمل وبين الفعل ورد الفعل صد ورد وهجر وتمنع وبعد وجفاء.

إن القصيدة قصة مشجية عاشها ويعيشها الشاعر جراء حب أدمى قلبه وجعله كسير الفؤاد يتجرع ألم البعد، لذلك حسب ما يبدو يتجاذبها حقلان دلاليان هما : حقل الذات وتتأطر داخله جل معاني القصيدة وهو الموجه الأساسي لفهمها والإمساك بوحداتها، والثاني هو حقل الحبيبة التي تحضره وإن غابت جسديا، وحضورها في النص مشابه لحضورها في حياته، فإن كان الأول هو المهيمن باعتبار الذات هي مصدر الإبداع وموطن الألم ومركز التساؤلات التي تتناسل من بداية القصيدة وتزداد إلحاحا وشدا للقارئ، فإن الحبيبة حاضرة دوما يصف حركاتها سكناتها، إذ يتساوق المعجمان معا لإنتاج بنية دلالية ذات تكثيف إيحائي عاطفي، تغلب عليها صور شعرية في مقدمتها الاستعارة التي حضرت بشكل قوي وملحوظ، وشكلت أرضية لبناء القصائد ونَسْجِها، مثل قوله:

"ها هنا اني سجين حطمتني القيود؛ هدني الشوق وأودت بأماني السدود؛ تمليت عبيرا منها فسكرت؛ غارقا في أدمعي".

وتتكرر الصورة نفسها، ولكن باستعارة أكثر قدرة على تحريك الخيال، قال الشاعر في آخر قصيدة : أنا لما عسعس الليل امتطيت القمرا؛ وهذا توظيف جميل للقمر كوسيلة للتنقل والجمع بين الحبيبين.

إن النص يمتزج فيه الحاضر بالماضي ويشرئب إلى المستقبل لهذا كان استعمال الشاعر للأفعال طاغيا وإن كانت في غالبها أسيرة الزمن الماضي: "أتيت؛ تسربت؛ تغنيت؛ أنستني..." لكنها ترصد في حركتها الحنين إلى الذكريات الماضية التي يفتقدها ويتوق إليها، وأحيانا يستعين بالفعل الأمر ليدفع حلمه إلى أقصاه بين طلب ورجاء من المحبوبة أن تقترب وتؤنس وحدته: "تعالي؛ حدثيني؛ اسمعي"، هذا أيضا ما يبرره كون النص ينضح بالأساليب الإنشائية التي تمنح النص توهجا رغم المرارة التي يحس بها الشاعر، فطيف المحبوبة يحمل له بعض السلوى وينتشله من الضياع.

إضافة إلى أفعال الأمر التي ذكرت سابقا، هناك الاستفهام الذي تكرر على طول القصيدة لعشر مرات وأحيانا يرد متواليا "كيـف أتيـت؟ وتسربت لبيتـي؟ كـيف يا نينتي جئت؟ غرفتي كيف حللت؟ خبريني يا ابنة النـور: أأنـت اليــوم أنــت؟"

أيضا النداء كان حاضرا عند مخاطبته للحبيبة الطيف الحاضرة الغائبة "يا نينتي؛ يا ابنة النور"، ولقد كان ضمير المتكلم هو المتحكم بزمام النص "بيتي؛ أنا؛ تغنيتُ؛ سكرتُ؛ محياي؛ موتي ..." ويليه ضمير المخاطبة: "حللتِ؛ غبتِ؛ أبيتٍ؛ قلبكِ ..." وفي المقطعين السابع والثامن يمنح الحبيبة الطيف زمام البوح فاستعمل ضمير المتكلمة "امتطيت؛ سافرت؛ تسللت ...".

يبدو من خلال تتبع أساليب النص سواء الخبرية أو الإنشائية وكذلك الضمائر، أنها تظهر ذات الشاعر وتبرزها وتبين أن الشاعر جعل ذاته بؤرة قصيدته، فهو يعبر عنها حينا، ويتساءل عن الوهم الذي يحيط به وعن الطيف الذي يتسلل إليه ويفقده صوابه حينا آخر، وصورت هذه الأساليب الصراع النفسي الذي يعيشه الشاعر مع ذاته.

البنية الإيـقاعية

إن الإيقاع هو ما يمنح القصيدة ألقها وبريقها، فكل الصور والتخييلات لا بد وأن تنصهر في بَوْتَقَتِه، فهو ما يُلْجِمُ النص ويقيه السقوط في النثرية، والملاحظ أن الديوان احتفى بالإيقاع بشتى تلويناته، ونحن نتحدث عن الإيقاع بالمعنى الأعم والأشمل من الوزن، المعنى الذي يجعل الوزن وتفعيلاته مجرد ملمح تقني، يختفي عندما تهيمن الموازنات الصوتية بكل تجلياتها، وهي التي تحقق شعرية النص الإيقاعية في المقام الأول، وقد حرص الشاعر على الإنصات الجيد لنبض إيقاعاته.

الإيقاع الخارجي

إن النظرة الأولى لجسد القصيدة الممتدة على ثلاث صفحات من الديوان تكفي لملاحظة أنها متوازنة التقاسيم، إذ تتكون من عشر مقطوعات متساوية ذات قافية مطلقة مختلفة الروي تضم كل مقطوعة ثلاثة أبيات تفصل ببنها لازمة موحدة القافية والروي الذي هو التاء ، فالقافية في اللازمة يمكن اعتبارها بمثابة قفل كما هو الشأن في الموشحات، ولها دور مركزي وأساسي في تحديد إيقاع القصيدة خصوصا في علاقتها بالمقاطع ككل والتأليف بينها موسيقيا، لتعطي دَفْقاً شعوريا مرتبطا بذات الشاعر.

فتـنتـي كيـف أتيـت - - وتسربت لبيتـي

أنـا فيــه قابع كالهـم حزنا منذ غبت

كـيف "يا نينتي" جئت - - غرفتي كيف حللت

خبريني يا ابنة النـور

أأنـت اليــوم أنــت؟

إن القصيدة تعزف على إيقاع بحر ذي تفعيلة واحدة هو بحر الرمل استعمله الشاعر مجزوءا حيث تتكرر تفعيلة "فاعلاتن؛ فاعلاتن؛ فاعلاتن؛ فاعلاتن" أربع مرات. ولكي يتجنب الرتابة الذي قد يحدثها الإيقاع الموحد للتفعيلة المتكررة، لجأ إلى تنويع القوافي، ونفس الشيء يبرر استعماله اللازمة ذات روي مختلف من أجل خلخلة الإيقاع الرتيب الصادر عن البحر العروضي المتشابه الأجزاء فقد حافظ في هذه اللازمة على نفس البحر: بحر الرمل، لكنه ورد مشطورا "فاعلاتن؛ فاعلاتن " مرتين.

الإيقاع الداخلي

فور الدخول من أول مداخل القصيدة نحس بخفقان طائر الحب، ونسمع رفرفة جناحيه الناعمتين بين كل أغصانها الغناء، حب أمسك بتلابيب الشاعر وتجلى في نصه إذ أمسك بدوره بأدوات ضبط إيقاع قصيدته منذ بداية النص فأول بيت جاء موشى بالتصريع :

فتـنتـي كيـف أتيـت — وتســـربت لبـيـتـي

وكذلك البيت الثالث :

كـيف "يا نينتي" جئــت غرفتي كيف حللت

ولعبت اللازمة أو القفل دورا مركزيا في توجيه الإيقاع، انتهت كلها بحرف "التاء" والتي تكررت عشر مرات متحكمة في نغمة النص ككل مثل :"أنتِ؛ حللتِ؛ لحتِ؛ أتيتِ؛ اقتحمتِ؛ دخلتِ؛ زرتِ"، فهي تضبط إيقاع المقاطع الصغرى "اللازمة" في هذا المقطع الكبير "القصيدة".

إنه البحث عن إيقاع القلب المفقود، فإذا كان الشاعر قد أمسك بأدوات ضبط إيقاع شعره بطريقة لا اهتزاز فيها، فإن إيقاع قلبه منفلت يحتاج إلى تماسك، وهل يدرك قلب مهجور متألم تماسكه إلا في لحظة شعرية تجسد الصفاء الذهني والروحي والعاطفي؟

ومن صور الإيقاع نجد التجنيس المكثف المبني على تكرار حرف التاء في حيز فضائي ضيق، كما هو في المقطوعة الأولى والثانية وفي اللازمة، فنغمة التاء تضبط إيقاع البيت وتقع على بعض فواصله الداخلية مشكلة جرسا موسيقيا داخليا للصورة الشعرية وحدة تقوم على مسار متواصل تتابع فيه الوحدات وكأنها المراحل، وهناك فكرة فلسفية تطرح السؤال الأبدي وتنتظر الجواب.

أما الموسيقى فهي واضحة في الإيقاع الذي له قدر من التنظيم، ومن تكرار الفقرات وفي الفواصل التي يظهر فيها تكرار الجرس بين حين وآخر حتى يكاد يقترب من القافية ومن أشكال الإيقاع الحاضرة التكرار "أأنت اليوم أنت؛ يا نينتي؛ حللت ... ". كما منح توازي بعض الأبيات جرسا موسيقيا مثل :"وزماني ومكاني وخيالاتي وحسي"، فهذا المقطع استكان إلى الوزن المتعاقب ليحقق إيقاعا ينسجم وتوتر الذات التي تعاني.

الخاتمة

استطاع الشاعر المتميز عبد الكريم بن ثابت الاستجابة إلى نداء الرومانسية، الذي حركت إنسانيته وأبرزت فلسفته في الحياة المبنية على الحرية، وليس أقوى في الدلالة على هذه الاستجابة؛ حيث برزت في حاجته إلى تطويع موسيقى الشعر لمقتضيات التعبير الوجداني، في الخروج على عمود الشعر، ومع ذلك فالمتذوق أو الناقد، يجد نفسه بأنه كان في مفترق الطرق، ويحس بالإيقاع وبعض الرنين في هذه التجربة. وهذه محاولة جريئة لشاعر عمودي ومن جيل الرواد في المغرب، وهذا يرجع إلى إدراكه أن الموسيقى أعمق من أن تكون في الشعر إيقاعا رتيبا وجرسا مكررا، واستغل ما عرفه الشعر العربي وما توسع فيه الرومانسيون من تنويع في الأوزان وتقسيم للقصيدة إلى مقطوعات تقوم كل واحدة منها بقافية، وتختتم بقفل يجمع بينها.

= = = = =

الهوامش

[1] في الأدب المغربي المعاصر، عبد الحميد يونس وفتحي حسن المصري، دار المعارف، ص ص 69-70.

[2] ديوان "الحرية "، عبد الكريم بن ثابت، جمع وتقديم: عبد الكريم غلاب، سلسلة كتاب العلم، 1968.

[3] ديوان الحرية ، ص ص 50-52.

[4] ديوان الحرية، قصيدة "رسالة" ص ص 69-70.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3106965

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC