ملف ثقافة الصورة: عدلي الهواري

ثقافة الصورة: ما لها وما عليها

د. عدلي الهواري ناشر مجلة عود الندأيهما أشد تأثيرا: الكلمة أم الصورة؟ المفاضلة بين الكلمة والصورة قديمة، فأنصار الكلمة تمثلهم مقولة الإنجيل "في البدء كان الكلمة" (يوحنا 1:1) وفعل الأمر "اقرأ" في القرآن (سورة العلق؛ الآية 1). وأنصار الصورة تمثلهم مقولة شهيرة هي "الصورة تساوي ألف كلمة". ولكن الكلمة والصورة تواجدتا معا منذ القدم، وعلى مر العصور، ويشاهدان معا في المقابر الفرعونية والمعابد الإغريقية وغيرهما من آثار.

زاد انتشار ثقافة الصورة بعد ظهور السينما، وبعدها التلفزيون، الذي دخل كل البيوت. ونشأت علاقة تعاون بين الكلمة والصورة من خلال السينما والتلفزيون، فهذان يعتمدان على حكايات كتبت لتقرأ، ويتم اختيارها لاحقا لتصور، أو تكتب خصيصا لتصويرها كفيلم أو مسلسل تلفزيوني.

وكثيرا ما يقال إن بعض الروايات تكون أنسب من غيرها لتحكى بشكل مرئي من خلال فيلم. كما أنه كثيرا ما يقال إن الأفلام التي تعتمد على روايات لا تنقل إلا جزءا من الرواية، وقد يكون الشبه بين الرواية والفيلم محدودا.

ومع أن التليفزيون كان لديه ولا يزال ميزة الاستخدام كوسيلة تعليمية، إلا أنه تحول إلى وسيلة ترفيه وإعلان. وكغيره من وسائل الإعلام، يمكن أن يستخدم كوسيلة تضليل وتحريض في أوقات الأزمات التي تكون الحقيقة فيها من أوائل الضحايا.

وليس هناك خلاف على أن للتلفزيون آثارا سلبية على الذهن والجسد، فالكم الهائل من الترفيه أسهم في انتشار الكسل الفكري والجسدي، فالجلوس مقابل جهاز التلفزيون والتسلي بالطعام أثناء المشاهدة أسهم في انتشار ظاهرة البدانة وما يتبعها من أمراض.

ولكن ثقافة الصورة بدأت تحقق حضورا طاغيا مع بدء ظهور تكنولوجيا الحاسوب الصغير، وما تتوفر عليه من برامج لإعداد العروض المرئية، والرسم، والتلاعب بالصور لأغراض فنية أو غير فنية مشروعة وأخرى غير حميدة.

برامج الرسم التي تثبت على الحواسب، ومن اشهرها برنامج فوتوشوب، صارت قبلة هواة الرسم، المبتدئين والمحترفين، لرسم اللوحات دون استخدام الألوان الزيتية وغيرها والفراشي ذات الأحجام المختلفة. وبتدقيق النظر قليلا يمكن التمييز بين لوحة رسمت باستخدام الحاسوب وأخرى بالطرق المعتادة. ولن يختفي الجدل على القيمة الفنية الجمالية لما هو مرسوم بالحاسوب والفرشاة.

برامج الرسم يستخدمها أيضا رسامات ورسامو الكاريكاتير، ومصممو الغرافيك لإعداد صور توضيحية أو بوسترات وإعلانات. وفي مجال التعليم، صار معتادا أن يقدم الأستاذ الجامعي محاضرته باستخدام شرائح فيها المزيج من الكلمات والصور، وصار مطلوبا من الطلبة تقديم عروض في الصف كجزء من واجباتهم الدراسية.

المقدرة على التلاعب بالصور من خلال برنامج فوتوشوب أثارت مخاوف في الدول الغربية حيث يستخدم جسم المرأة للترويج، فلم تعد الصور التي تنشر على صفحات المجلات طبق الأصل لصاحبة الصورة، إذ يتم التلاعب بها لتصبح المرأة ذات جسم مثالي جذاب، لكنه غير موجود في الواقع. وخطر ذلك هو جعل النساء عموما، والشابات خصوصا، يعتقدن بأنه من الممكن أن يكون لهن مثل هذه الأجسام، وبالتالي إيذاء النفس من خلال نظم غذائية قاسية، أو اللجوء إلى عمليات تجميل.

وسهلت الإنترنت، التي ترافقت أيضا مع الحاسوب الصغير، انتشار ثقافة الصورة، فهناك مواقع شجعت على نشر الصور، مثل فليكر وانستغرام، وأخرى شجعت الفيديوهات مثل يوتيوب. ولذا لم يعد معد فيلم أو فيديو بحاجة إلى قناة تلفزيونية أو دار سينما لعرض إنتاجه، ولم يعد المصور بحاجة إلى مجلة أو جريدة أو وكالة متخصصة لتكون المنبر لنشر صوره.

وسهلت الإنترنت أيضا انتشار ثقافة الكلمة أيضا، وكشفت في الوقت نفسه الضعف في التمكن من اللغة العربية. ولكن فترة انتعاش ثقافة الكلمة من خلال المدونات لم تعمر طويلا، فقد أجهزت عليها تقريبا مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة فيسبوك الذي أفسح المجال لاستخدام الكلمة والصورة والفيديو.

قبل انتشار الحواسيب الصغيرة، كانت هناك مؤشرات على انحياز مؤسساتي لثقافة الصورة. وقد شهدت بريطانيا في التسعينيات جدلا نتيجة تقليل الاهتمام بالإذاعات بخفض الميزانيات المخصصة لها، وزيادة الاهتمام بالتلفزيون بتخصيص موارد أكثر للبرامج والقنوات التلفزيونية.

وقد دافع محبو الإذاعات دفاعا حسنا عنها، وبينوا أن لها ميزات غير متوفرة للتلفزيون، منها السرعة في نقل الخبر، فالإذاعة لا تحتاج إلى كاميرات وتصوير ومونتاج للصور قبل بثها. كذلك، كلفة تشغيل إذاعة أقل بكثير من كلفة تشغيل قناة تلفزيونية. والاستماع إلى الإذاعة لا يشغل كل حواسك، فيمكن أن تستمع وأنت في السيارة، أو في المطبخ، أو في السرير قبل النوم، بينما التلفزيون يحتاج إلى سمعك وبصرك، ويوقفك أو يجلسك في مكان للمتابعة.

إن المفاضلة بين الكلمة والصورة مفاضلة عقيمة، فلن تختفي واحدة نتيجة انتشار الأخرى مهما كان كاسحا. وما يمكن فعله هو الإشارة إلى المظاهر السلبية لثقافة الصورة لتفاديها، وتجنب الوقوع في فخ أهدافها الخبيثة، وفي الوقت نفسه الاستفادة من إيجابياتها.

فتاة تبيع وتكتب على الرصيفأحد المظاهر السلبية لثقافة الصورة استخدامها في غير سياقها وذلك لخداع الناس، كأن تستخدم صورة ضحايا زلزال في مكان ما في العالم لإيهام الناس بأنها صورة لضحايا نزاع مسلح في بلد آخر. وحتى قبل تفشي ظاهرة التضليل في حرب الفيديوهات بعد تفجر الأوضاع في بعض الدول العربية، كانت بعض الصور تنشر في سياق غير سياقها. إحدى هذه الصورة لفتاة تبيع شيئا على قارعة الطريق، ولكنها في الوقت نفسه تكتب. وقد تغيرت جنسية الفتاة حسب غاية من أعاد نشر الصورة.

والجانب المأساوي الصادم لثقافة الصورة استخدام الصور والفيديوهات التي تصور ذبح الرهائن والجنود والمقاتلين الأسرى، أو إعدامهم بإطلاق الرصاص على الرأس وهم معصوبو العينين ومربوطو اليدين وراء الظهر. الأدق في هذه السياق ألا تستخدم كلمتا ثقافة وصورة معا. هذه الصور والفيديوهات امتداد لممارسة الفظائع بغية الترويع. إلا أن أثرها على المدى القريب والبعيد هو إعلاء شأن القيم الإنسانية النبيلة، القائمة على احترام حياة الإنسان.

وعلى الجانب الإيجابي، كان لانتشار أجهزة الهاتف الجوالة، المزودة بكاميرات، دور كبير في تحدي هيمنة المؤسسات الإعلامية التي كانت تتحكم بما ينشر من صور ومعلومات. وقد اضطرت إلى استخدام صور وفيديوهات التقطها أشخاص من قلب حدث لم يكن بوسع المؤسسات الإعلامية أن تكون في قلبه، أو وصلت إليه كاميراتها متأخرة.

ولكي تكتمل الصورة في الإشارة إلى هذه النقطة، يجب أن اذكر أيضا أن نقاشا جرى حول هذه المسألة التي لم يواجهها العمل الصحفي من قبل، فتقليديا كان المراسل من يأتي بالأخبار الموثوقة للمؤسسة التي يعمل لها. والمتحمسون لاستخدام الصور والفيديوهات من المواطنين استحدثوا صفة "صحفي مواطن". في المقابل، شهد النقاش دفاعا عن الأساليب الصحفية المتعارف عليها، والتحذير من مخاطر استخدام مواد مجهولة المصدر.

واستكمالا للحديث عن الجانب الإيجابي لثقافة الصورة، تجب الإشارة إلى أن أحدث الأمثلة الإيجابية على كسر احتكار المؤسسات الإعلامية للصورة والمعلومات هو ما جرى أثناء العدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة في تموز/يوليو وآب/أغسطس 2014، فالصور والفيديوهات القادمة من غزة أفشلت محاولات وسائل الإعلام الغربية الترويج لخطاب إعلامي منحاز لإسرائيل، ويبرر لها ما تفعل، ويساوي بين الجلاد والضحية.

وكان للصور والفيديوهات القادمة من غزة دور في توسيع نطاق التضامن مع الشعب الفلسطيني عامة، وأهالي غزة خاصة، فعدد الضحايا من شهداء وجرحى، وعدد المشردين، وحجم الدمار، كل ذلك كان أكبر من أن يمكن تبريره بعد نشره، ولو بقي الأمر ضمن سيطرة المؤسسات الإعلامية الغربية لاكتفت بنشر القليل من الصور التي تظهر وحشية العدوان، وتحافظ بالتالي على صورة نظيفة للمعتدي.

تقتضي الموضوعية في عرض الأفكار ومناقشتها أن أذكر هنا أيضا أن هناك موقفين تجاه نشر الصور الصادمة، أحدهما يرى وجاهة في عدم نشرها إما كتعبير عن احترام للضحايا، أو لحماية المشاهدين من مشاهدة الأهوال. أما الموقف الأخر فيرى أن نشر الصور الصادمة ضروري ليعلم الناس مدى الفظائع الناتجة عن الحروب والقتل. هذا النقاش مشروع إذا لم يكن من قبيل كلام حق يراد به باطل، فحماية المشاهدين من صورة صادمة لا يجوز أن يستخدم كذريعة للتستر على أعمال المعتدي أو تبريرها، والمساواة بين الجلاد والضحية.

خلاصة ما سبق إذن هي أن هناك انتشارا كاسحا لثقافة الصورة، ولكن لا يمكن ولن يمكن القول إن ثقافة الكلمة انتهت. وظاهرة انتشار ثقافة الصورة يجب أن تخضع ككل الظواهر للتحليل والنقد، لا أن يتم الوقوف أمامها والإغراق في الإعجاب بها، أو معاداتها واعتبارها شرا لا بد من مقاومته. وسوف تتعايش ثقافتا الكلمة والصورة، مثلما تعايشت الصحف والإذاعات، والإذاعة والتلفزيون، ومثلما سيتعايش النشر الورقي والإلكتروني، وغير ذلك من ثنائيات.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3300479

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC