ملف ثقافة الصورة: زهرة زيراوي - المغرب

جدارية جرنيكا لبيكاسو

ثقافة الصورة ودورها: جدارية جرنيكا لبيكاسو نموذجا

زهرة زيراويتعريف الصورة

الصورة هي الشكل والمثال، كصورة الشخص في المرآة، أو الصورة بآلة التصوير. والصورة عند أرسطو هي الشكل الذي يكون عليه الشيء، وعند أفلاطون هي المثال الأصلي للشيء في نظرية الصور عنده. والصورة من الرسالة أو المكتوب هي النسخة طبق الأصل. والصورة هي الطريقة، ويقال كان على صورة كيماوية، ويقال كان هذا بصورة خاصة، وأعطي فلان هذا الحق بصورة خاصة، ويعتبر هذا القول بصورة عامة. والجمع صور. والتصوير هو إيجاد مثال للشيء مطابق له، إما بالرسم وإما بالعدسات الضوئية وإما بالألوان (1).

اللغة والصورة

يحيلك اللفظ القوي على استحضار الشكل، فعندما نقرأ مثلا في القرآن الكريم "أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا" (سورة الكهف؛ الآية 9)، فلفظ صورة الكهف يحيلك على شكل الكهف. ولكن لفظ الرقيم يحدد لك شكل التصور: إنه الكهف المحفور في الصخر.

إذن اللغة تحفز العين أن تتصور الشكل اللغوي، والعين بدورها تقوم بدور الكتابة المرئية أو الكتابة البصرية. بمعنى من المعاني، للعين لغة، فإذ كانت لغة الكتابة تشتغل على ما يلفظه اللسان فالعين تشتغل على التركيب الضوئي، إذ تتكون الصورة الحقيقية من الأشعة الضوئية التي تأتي من الجسم ولها دورها في التواصل. فماذا عن لغة الصورة؟ وهل تتقاطع مع اللغة الطبيعية التي تشتغل على اللسانيات ؟ أليس هناك قاسم مشترك بين اللغة والصورة خاصة في مفاهيم مثل العلاقة بين الدال والمدلول؟ ألا تتشكل في الأخير عناصر مشتركة بين أنظمة التواصل؟

ما يحدث اليوم من الصور والإشارات والنصوص المرئية على الشاشات الإلكترونية الدائمة البث، وأثر الصورة الإشهارية على قيم المتلقي وثقافته بات يشكل تهديدا لمنظومات القيم والرموز وتغييرا في المرجعيات الوجودية وأنماط الحياة. العالم اليوم يجتاحه طوفان من الصور. لقد باتت كثير من الثقافات والشعوب عارية أمام تدفق الرسائل والعلامات التي تحمل معها أبطالا ورموزا جديدة تمتلئ بها مخيلة المشاهد.

الناس يجتمعون اليوم حول الفضائيات وشبكات التواصل ليتلقوا أنماطا أخرى من الحياة على غير تاريخ حضارتهم. إنه إنتاج لحيوات أخرى بعيدة كل البعد عن أسلوب حياتهم الذي ينتمون إليه. وهذا ما حذر من مغباته الكاتب أنطونيو غالا: كان في العالم سيدة وخادمتان، السيدة هي الثقافة والخادمتان هما السياسة والاقتصاد، وقد استولت الخادمتان اليوم على مكان السيدة الثقافة.

إن ثقافة الصورة اليوم تدفع إلى صياغة لبشر جدد انسلخوا عنما كانوه ليكونوا وفق ما أريد لهم أن يصبحوا عليه. صياغة أخرى تدفع نحو لهجات بدل اللغة الأم تطالعنا عبر الإشهارات في أهم شوارع المدن العربية متحدية اللغة الأم والمشاعر الخاصة للأفراد. إنها سيادة العولمة، والرأسمال، وأسواق أخرى يراد من ورائها، إضافة لتغيير الهوية، الربح الاقتصادي وبرمجة فكر الأفراد والمجتمعات.

يداهمنا الجنون فيما نؤول إليه، فيما يحيط بنا من صور وما يحاصرنا من أخبار وأسواق: ما الحقيقي فيه وما غير الحقيقي؟ نعم علينا أن نرى العالم، أن نلجه وألا نذوب فيه، أن نرى ما ينز من أطرافه المترامية ، ثم نمضي نحو سؤال الذات وليس سؤال الصورة ، تتسع حلبة الصورة في العالم العربي، ونظل شاهدين على زمن يمشي ولا يمشي، زمن يتحرك ولا يتحرك فاتحين في هذا الفراغ المتسع فمنا على مصراعيه.

إن عملية الجذب في مشهد الصورة الثقافي اليوم هو الاكتفاء بالتقليعات والاحتفاء بالمصطلحات الغربية وفق تطلعاتهم. كل هذا لا يعني التصحر، بل القتل. يقول الدكتور بركات محمد مراد، الأستاذ بجامعة عين شمس، في إطار العولمة والصورة وتعزيز الهوية والاستلاب:

"فما يحدث اليوم من الصور والإشارات والنصوص المرئية على الشاشات الإلكترونية الدائمة البث، بات يشكل تهديدا لمنظومات القيم والرموز وتغييرا في المرجعيات الوجودية وأنماط الحياة، فباتت كثير من الثقافات والشعوب عارية أمام تدفق الرسائل والعلامات التي تحمل معها أبطالا ورموزا جديدة تمتلئ بها مخيلة المشاهد"(2).

كم نحِـنّ إلى ثقافة الصورة القادمة من الفكر الحر، الفكر الذي لا يغيب عنه ما يحل بالعالم اليوم من خراب، فيرصده صباغيا أو إشهاريا أو إعلاميا، تحيلنا ثقافة الصورة على جدارية جيرنيكا (guernica) لبيكاسو وعلى دورها في المقاومة، لقد حل العمل الصباغي محل المقاومة، يقول عنها الكاتب فواز طرابلسي:

"فرضت الجدارية نفسها لا على وسط فني محدود فقط، ولكن على الرأي العام العالمي كذلك، وسرعان ما تحولت إلى علامة بارزة من علامات ثقافة بيكاسو، ولم تكتف بمواصلة النضال ضد الفاشية والحرب، بل أسهمت إلى ذلك في مهمة أشمل وأكثر طموحا، إنها مهمة تكوين وبلورة رأي عشرات الملايين من البشر عن أنفسهم، وعن عصرهم، وعن المصير الإنساني المشترك، وظلت الجرنيكا في الوقت ذاته عصية على القوننة والتكريس، ولم تتخل عن دورها كعنصر إثارة للحماسة والسجالات التي لا تنتهي"(3).

نعم لقد كانت قصة الجرنيكا أبلغ شهادة معاصرة على بلاغة الفن وقوة لغته أيضا. لكن لا نقف عند جرنيكا الغرب فهناك ملصقات النضال العربي خاصة الفلسطيني نراها لا تقل عنها أهمية وقيمة.

لوحة غرنيكا لبيكاسو

= = = = =

الهوامش

(1) حسن سعيد الكرمي. الهادي إلى لغة العرب. الجزء الثالث. بيروت: دار لبنان، 1991.

(2) بركات محمد مراد. آليات العولمة وأقنعتها الثقافية: مجلة الوعي المعاصر، العددان10/11 لبنان شتاء 2003.

(3) فواز طرابلسي. 1987. غيرنيكا-بيروت. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1987.

مراجع

بلند الحيدري. 1981. زمن لكل الأزمنة: نظرات و آراء في الفن. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

تيموثي هيلتون. 1998. بيكاسو: أشهر فناني القرن العشرين. ترجمة كوليت قرة وعادل العالم. دمشق: دار المعرفة.

فواز طرابلسي. 1987. غيرنيكا-بيروت، الفن والحياة بين جدارية لبيكاسو وعاصمة عربية في الحرب. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

فوزي القش. 1968. مشاكل الفن الحديث. بيروت: دار الكتاب اللبناني.

محسن محمد عطية. 1900.غاية الفن: دراسة فلسفية ونقدية. القاهرة: المكتبة الأنجلو-مصرية.

هربرت ريد. 1945. الفن والمجتمع. ترجمة فارس متري ضاهر. بيروت: دار القلم.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2971604

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC