د. رانيا كمال علي عبد العال - مصر

المولوية: بين الماضي والحاضر

رانيا كمالما بين الماضي والحاضر رحله شاقة وتاريخ طويل لأن التاريخ يبدأ ولا ينتهى، فالحاضر جزء من الماضي. وما بين هوى الحاضر وحب التاريخ ينبض القلب عشقا ليكتب عن المولوية التي ربما لعبت الصدفة دورا في أن اكتب في هذا الموضوع، فعلى الرغم من أني أراها على التلفاز، إلا أن حضوري إحدى حفلات الزفاف، وبعد رؤيتها عن قرب وبعدما أخبرتني أختي أن اسمها المولوية، بدأ عندي الفضول الذي دفعني عند عودتي إلى المنزل للبحث والتعرف أكثر لمعرفة سبب التسمية والتعرف على ما يخص هذا الموضوع.

أول ما يتبادر للذهن ما هو سبب تسميتها المولوية، فهناك من يرى أن المولوية في الأصل هي إحدى الطرق الصوفية، وسميت بذلك اشتقاقا من كلمة المولى أو مولانا. وهي من أولى الطرق التي أدخلت الموسيقى والرقص بالدوران في حلقات الذكر.

يرى الصوفي أن القلب مركز الحب الإلهي، وهذا ما أوحى بالرقصة الصوفية إلى مولانا جلال الدين الرومي عندما خرج لصلاة الفجر، فرأى الورد والزهور والربيع والندى والجمال والنقاء، وسمع زقزقة العصافير، ففتح قلبه للدنيا وراح يدور، قائلاً: "مجرات النجوم تدور، وجميع الكواكب تدور، والدورة الدموية في الجسم تدور، وحجاج بيت الله الحرام حول الكعبة يدورون، وقطرات الماء في الدنيا من البحار إلى السماء فالأرض عائدة إلى البحار، إنها تدور"(1).

وهناك من يرى أن مفهوم المولوي جاء من أن الحركة في الكون تبدأ من نقطة وتنتهي عند ذات النقطة، وأن الحركة لذلك تكون دائرية. وعندما يدور راقص اللفيف حول نفسه، فكأنه الشمس، يلتف حوله الراقصون الحناتيه وكأنهم الكواكب. أما الغناء المصاحب فهو الدعاء إلى الله ومديح النبي محمد صلى الله عليه وسلم والأولياء الصالحين. وبعض الأغاني والمواويل عن موضوعات شعبية تدور حول الصداقة والسلام والكرم والمحبة والحكمة بين الناس(2).

ولد مؤسسها هو جلال الدِين، محمّد بن محمّد البلخيّ، في السادس من ربيع الأوّل سنة 604ه‍/ أيلول 1207م في بلخ. فهو إذاً فارسي الأصل، لكنه هاجر وهو صغير مع والده. عاش جلال الدين عهد اضطرابات وحروب من فتنة جنكيز خان حتى الحروب الصليبية، وما صاحب ذلك من مظاهر القتل والتخريب. ومن جانب آخر ظهرت عدة فرق ومذاهب مختلفة مثل الخوارج والمعتزلة والمشتبهة والمرجئة، فرأى الرومي ضرورة ظهور دعوة تهدف إلى الحفاظ على الإسلام في النفوس، وحث المسلمين على التماسك والحفاظ على وحدتهم، ومن هنا ظهرت الطريقة المولوية(3).

يؤمن المولويون بالتسامح غير المحدود مع أهل الذمة ومع غير المسلمين أيّاً كان معتقدهم وعرقهم، وبتقبل الآخرين والتعقل الإيجابي، الخير، الإحسان والإدراك بواسطة المحبة. ويقومون بالذكر عن طريق رقص دوراني تصاحبه موسيقى وتسمى السمع والتي تعتبر رحلة روحية تسمو فيها النفس إلى أعماق العقل والحب لترقى إلى الكمال. وبالدوران نحو الحق، ينمو المزيد في الحب، فيتخلى الإنسان عن أنانيته ليجد الحقيقة فيصل إلى الكمال. ثم يعود من هذه الرحلة الروحية إلى عالم الوجود بنمو ونضج بحيث يستطيع أن يحب كل الخليقة ويكون في خدمتها(4).

وعندما يحدثنا التاريخ عن جلال الدين فإنه يرى أنه شاعر، اختار حياة التصوّف سبيلاً للوصول إلى الله. فكان تصوّفه مزيجاً من الحِكمة والروحانيَّة، والغوص في أعماق الإنسان. وبشعره الذي فاض حُبّاً وحِكمة، بلغ أسمى درجات العبقريَّة الشعريَّة(5).

من شاعر صوفيّ غاص في أعماق النَفْس البَشَريَّة، أو ألهب قلوب العشّاق، كما فعل وألهبها جلال الدين الرومي، فلقد رحل في رحلة عشق لخالق الكون، فالعشق الإلهيّ هو أساس التصوّف، وبه يبلغ المتصوّف درجات الكمال(6).

بدأ جلال الدين مدّرساً للفقه، وتحول بعد ذلك إلى التصوف على يد شمس الدين التبريزي، الذي سأله: لماذا تأخذ نفسك بدراسة الفقه؟ فأجاب المولوي: لأعرف الشرع، فقال التبريزي: أليس الأجدى أن تعرف صاحب الشرع؟ وبهذا المنطق الغريب صرف التبريزي المولوي عن دراسة وتدريس العلوم الشرعية، إلى براثن التصوف بحجة أن الأجدى هو معرفة الله سبحانه وتعالى لا معرفة الشريعة. ويعلق الدكتور عبد المنعم الحفني على هذا الفهم فيقول: "وهذه مغالطة، إذ كيف أعرف صاحب الشرع إن لم أعرف لأي شيء يشرّع، ولماذا يشرع، وما الذي يشرّع له(7).

تعلق جلال الدين بأستاذه التبريزي تعلقاً كبيراً إلى الدرجة التي جعلته يحبس نفسه معه في حجرة واحدة أربعين يوماً يتناجيان ويتبادلان الأسرار. وصار شمس الدين التبريزي الأستاذ الروحي للرومي، الذي ظل يحتفظ لأستاذه طوال حياته بحب وعرفان للجميل.

بعد اختفاء شمس الدين التبريزي، أنشأ جلال الدين الرومي الحفل الموسيقي الروحي، المعروف بالسماع، ثم نظم في ذكرى شيخه وأستاذه الروحي مجموعة من الأناشيد حملت اسمه " ديوان شمس تبريزي"(8)، وهي مجموعة أناشيد وقصائد تمثل الحب والأسى، وإن كانت في جوهرها تنشد الحب الإلهي المقدس. وقد استمر حال الرومي على ذلك إلى أن وافته المنية سنة 672 هـ‍(9).

زار جلال الدين المولوي دمشق، واتصل بشيخ الصوفية الأكبر محيي الدين بن عربي (560ـ 638هـ) وتلاميذه، ومنهم سعد الدين الحموي، وصدر الدين القونوي. وقد عاصر المولوي عدداً من شيوخ الصوفية أبرزهم أبو الحسن الشاذلي، مؤسس الطريقة الشاذلية، إلا أن جلال ‌الدين لم يسلم بشطحيّات الصوفية، كما انه لم يقبل الاتجاه للفقر، والعزلة، والرهبانية. إنه يری أن الإنسان الكامل هو الذي يجمع بين الصورة والمعنى (10).

وقد كانت مدينة قونية في تركية المقّر الأول للطريقة المولوية، ومنها انبثقت التكايا (الزوايا) التي هي بمثابة فروع للمركز. وصار السلاطين والأمراء هم الذين يبنون التكايا منذ القرن العاشر الهجري. وفي عهد السلطان سليم الثالث شهدت الطريقة أوج مجدها وانتشارها(11).

لم تكن الطريقة في بداية حياة الرومي مركزية تماماً، فهنالك المقر في قونية وله فروع من التكايا في المناطق الأخرى. وكانت بطانة الرومي تتألف من الفنانين والحرفيين والصناع المهرة الذين كانوا يقومون بكل الأعمال. ولم تميز الطريقة المولوية بين الأديان والطوائف، بل ترفض التعصب وتنبذه. وكان أعضاؤها ينطلقون في جماعات إلى القرى لمساعدة الفقراء، وإقامة حفلات السماع التي تعزي القلوب الحزينة. وبدءاً من القرن العاشر الهجري، السادس عشر للميلاد، تغيرت الطريقة فأصبح التنظيم مركزياً، وتولت الأوقاف تنظيمه، والإشراف عليه وضبط الهبات والأعطيات لـه، مما أفقده طابعه الشعبي، وصار أرستقراطياً، يبتعد شيئاً فشيئاً عن روح مؤسسه جلال الدين الرومي،.‏ويبدو أن خوف السلاطين العثمانيين من مواقف بعض الفرق الصوفية جعلهم يدعمون الطريقة المولوية في مواجهة الحركات والفرق الأخرى، ومن هنا أصبحت هذه الطريقة في القرن الثامن عشر جزءاً من مؤسسات الدولة العثمانية(12).

وفي سنة 1925م قمع أتاتورك كل الطرق في تركية، فأصبحت تكية حلب مركزاً للتكايا الأخرى بعد قونية، ثم استولت الأوقاف التركية على ممتلكاتها، وتحولت أكثر التكايا إلى متاحف، ورغم ذلك فما زال هنالك مراكز للطريقة المولوية في مصر، وقبرص وليبيا وغيرها(13).

وتقوم الطريقة المولوية على عناصر ثلاثة أساسية هي الموسيقي والرّقص وإنشاد الشعر، وتحديداً شعر مؤسّسها مولانا جلال الدين. أما حلقات السماع، بما فيها من رقص، فهي تجربة كونية، وطريقة للوصول إلى الحقيقة أي الله. وهو ما عبّر عنه جلال الدين الرومي نفسه عندما قال: «هناك طرق عديدة تؤدّي إلى الله وقد اخترت طريق الرقّص والموسيقى». ومن أقواله الأخرى المأثورة عن الموسيقى قوله: «في توقيعات الموسيقي يختبئ سرّ لو كشفت عنه لتزعزع العالم»، ويضيف متحدثّا عن الرّباب: «إنّها ليست سوى وتر يابس وخشب يابس وجلد يابس لكن منها يخرج صوت المحبوب»(14).

وترمز الرّقصة الدائريّة التي يؤديها الدراويش إلى دورة المجرات في الفضاء الشاسع، وإلى كل ما يتحرك في الطبيعة من كائنات. أما حفل السماع فيجري على النحو التالي: يدخل الرّاقصون إلى الحلبة مرتدين ثنايا بيضاء هي رمز للكفن وقد تجلببوا بمعطف أسود يمثل القبر، وعلى رؤوسهم قلنسوة طويلة من اللّبد هي صورة لشاهدة القبر. ثم يدخل بعدهم الشيخ الذي يمثّل الوسيط بين الأرض والسماء، فيحييّ ويجلس على السجادة الحمراء التي يذكّرنا لونها بلون الشمس الغاربة وهي تنشر آخر أشعتها على مدينة قونية يوم وفاة مولانا. ثمّ يشرع المغنون في ترديد مدائح وأذكار منتقاة من أشعار جلال الدين الرومي. عندها يتقدّم الدراويش ببطء ويطوفون ثلاث مرّات حول السجادة الحمراء ويرمز عدد الدورات إلى المراحل الثلاث التي تقرّب السالك من الله وهي: طريق العلم أو الشريعة، وطريق الرّؤية أي علم الباطن وطريق المعرفة الحقيقيّة والاتحاد مع الله(15).

في نهاية الدورة الثالثة يتّخذ الشيخ مكانه على السجادة، فيتخلى الدراويش عن جلبابهم الأسود ليظهروا بلباسهم الأبيض وكأنهم تحرّروا من جسدهم المادي من أجل ولادة جديدة، في تلك اللحظة يأذن لهم الشيخ بالرقّص فيطفقون يدورون ببطء، وقد مدّوا أذرعهم كالأجنحة: اليد اليمنى وكفها إلى السماء واليسرى وكفها إلى الأرض. وهذه الحركة هي كناية عن أن الدرويش يتلقّى الطاقة الحيوية من السماء ليمنحها إلى الأرض في عملية خيميائيّة يملك وحده أسرارها.

وعند بدء الدورة الثالثة يدخل الشيخ الحلقة لأداء رقصته، فيتسارع إيقاع الآلات، ثم يبدأ الدوران في مركز الدائرة فيكون بمثابة الشمس وإشعاعها، وهذه اللحظة هي لحظة التحقق القصوى والاتحاد مع المطلق. وعندما ينتهي الشيخ من الرقص ويعود إلى مكانه تتوقف الآلات عن العزف ويشرع المنشدون في ترتيل القرآن إيذاناً باختتام مجلس السماع. والرّقص في حلقات السماع هو، أوّلا وأخيراً، تحرير للجسد وانفلات من قيود المادة بحيث يصبح الرّاقص، وهو يدور حول نفسه، هو النقطة والدائرة معاً ـ أي محور العالم، ومن خلاله تلتقي السماء بالأرض(16).

وقد ترك المولوي عدداً من المؤلفات أشهرها: (1) "المثنوي": ويضم أكثر من 25 ألف بين من الشعر، تم جمعها في ستة مجلدات ضخمة، وهو ذو مكانة خاصة عند الصوفية. (2) ديوان شمس تبريز: ويحتوي على آلاف الأبيات الشعرية، والرباعيات في الغزل الصوفي. (3) كتاب "فيه ما فيه": وهو كتاب قصص وأمثال ومواعظ وذكريات. (4) المجالس السبعة: ويشمل سبع مواعظ دينية وخطب ألقاها أثناء اشتغاله بالتدريس.

يعد كتاب "المثنوي" أثراً من الآثار الأدبية الخالدة، حيث يرتفع فيه الشعر إلی مستوي عالمي، وقد نال شهره في شرق العالم الإسلاميّ، وانتشرت تعاليمه، وظهرت له شروح وترجمات.

يقال إنّ حسام الدِين جلبي، تلميذ جلال الدِين الروميّ، كان وراء فكرة كتابه "المثنوي" ذلك أنّه طلب من أستاذه أن يقوم بنظم كتاب لأتباع طريقته يكون على غرار كتاب "حديقة الحقيقة" للشاعر سنائي، أو "منطق الطير" للشاعر فريد الدِين العطّار. فبدأ جلال الدِين الروميّ ينظم الشعر حوالي السنة 657ه‍/1262م. لكنّه توقّف عن الكتابة سنة 660ه‍/1265م. ليستأنفها بعد عامين (17).

تدور موضوعات "المثنوي" في مجالات متنوّعة، وطرق الروميّ موضوعات عديدة في هذا الكتاب: الطبّ، الفلسفة، عِلم الكلام والفلك. حتّى إنّ لعبة الشطرنج وجدت طريقها إلى هذا المؤلّف العظيم. والقرآن وقصص الأنبياء حاضرة فيه إلى جانب الحديث والقصص الشعبيَّة(18).

وفى الختام، فإن المولوية في الوقت الحاضر لم يتبق منها غير الرقص الصوفي الذى يعتبر من الطقوس الفريدة في العالم التي تستقطب الوفود السياحية والحضور المحلي. وفى اعتقادي أننا الآن في حاجه إلى استرجاع قيم المولوية وخصوصا التسامح وتقبل الآخر، وذلك بعد انتشار العنف بين فئات المجتمع، والا يقتصر دورها على الجذب السياحي أو على اعتبارها نوعا من الفلكلور الشعبي، بل أن يعود تأثيرها كما كان في السابق ليشمل فنونا أخرى كالأدب والرّسم والخط.

= = =

الهوامش:

(1) عبد المنعم الحفني، الموسوعة الصوفيَّة، (مكتبة مدبولي)، الطبعة الأُولى، القاهرة - مصر 2003.

(2) عبد المنعم الحفني، الموسوعة الصوفيَّة، مرجع سابق.

(3) عبد المنعم الحفني، نفس المرجع السابق.

(4) هدى درويش، مولانا جلال الدين الرومي والطريقة المولوية، مجلة التصوف الإسلامي، عدد 276، مارس 2002م.

(5) هدى درويش، مولانا جلال الدين الرومي والطريقة المولوية، مرجع سابق.

(6) عبد المنعم الحفني، الموسوعة الصوفيَّة، مرجع سابق.

(7) عبد المنعم الحفني، نفس المرجع السابق.

(8) السعيد جمال الدين، قصائد مختارة من ديوان شمس تبريز لجلال الدين الرومي، مكتبه الشروق الدولية، 2005.

(9) السعيد جمال الدين، قصائد مختارة من ديوان شمس تبريز لجلال الدين الرومي، مرجع سابق.

(10) عبد المنعم الحفني، الموسوعة الصوفيَّة، مرجع سابق.

(11) هدى درويش، دور الطرق الصوفية في نشر الإسلام في آسيا الوسطى ، مجلة التصوف الإسلامي، عدد 275،
فبراير 2002م.

(12) هدى درويش، دور الطرق الصوفية في نشر الإسلام في آسيا الوسطى، مرجع سابق.

(13) هدى درويش، دور الطرق الصوفية في نشر الإسلام في آسيا الوسطى، نفس المرجع السابق.

(14) هدى درويش، مولانا جلال الدين الرومي والطريقة المولوية، مرجع سابق.

(15) عبد المنعم الحفني، الموسوعة الصوفيَّة، مرجع سابق.

(16) عبد المنعم الحفني، نفس المرجع السابق.

(17) المثنوي جلال الدين الرومي، ترجمة د. محمد عبد السلام كفافي، دار المكتبة العصرية، بيروت - صيدا، 1967.

(18) محمد عبد السلام كفافي، الرّومي، جلال الدّين، المثنوي، المرجع السابق.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3153629

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC