مختارات: مقتطف من رواية الصندوق الأسود

أدناه مقتطف من راوية "الصندوق الأسود" للروائية العراقية كُلیزار أنور. الناشر: المؤسسة العربية للدراسات (2010).

كليزار أنورست عشرة امرأة متفاوتات الأعمار. سوریات وعراقیات. مخطوفات النظرة، والخوف من أن تفشل العملیة. جاءوا بقلوب ملؤھا الرجاء في أن تتكور بطونھن حالمات بشيء یكبر بین أحشائھن. ویبقى الأمل قارة نتمنى أن تطأھا أقدامنا.

ست عشرة امرأة توزعن بین غرف المشفى الأنیق. في صالتنا ثمانیة أسرّة، على كل سریر تقطن حكایة امرأة كل حلمھا أن تكون أُما ذات یوم، فیھنّ من تزوجنّ قبل خمسة عشر عاما أو أكثر أو أقل، وما لجأنّ لآخر مرحلة إلاّ بعد أن نفدت كل سبل العلاج الطبیعي.

صباحا أمطرت. بدأ رذاذا متقطعا، ثم انھمر وابلا وبوشوشة ملأت زوایا المكان والقلوب. استبشرن خیرا، فالمطر خیر. نقر قطرات المطر وقّع نغما جمیلا على زجاج النوافذ. بین برھة وأخرى تفتح إحداھن الحاجز الزجاجي وتتنفس بعمق ملء نفسھا الھواء العذب وكأنھنّ یملأن صدرھن به، فللأرض عطر خاص ینبثق لحظة استحمامھا بالمطر.

الانتظار ممل قضینا علیه بالأحادیث الجانبیة، وربما التافھة. وبعضھن سردن حكایاتھن منذ لیلة زفافھن إلى ما وصلت إلیه الیوم في ھذه الصالة:

إسراء امرأة متزوجة منذ تسع سنین ترتدي العباءة المحلیة، ولم تخلعھا رغم أننا كلنا نساء من حولھا. جاءت من مدینة الكوت وسط العراق بصحبة زوجھا الذي ھددھا إن لم تحمل بعد ھذه العملیة، فسیتزوج علیھا بامرأة أخرى. تعیش مع أھل زوجھا. تسع سنوات من القھر والذل والمھانة.

قالت لنا: "كل یوم یذكروني بجدبي، وكأنه فیتامین أتناوله مع طعام الفطور والغداء والعشاء. لا أعرف كیف یفكر الناس، فالعقم قدر من الله لم یستثن حتى الأنبیاء منه. یھب لمن یشاء ذكورا، ویھب لمن یشاء إناثا، ویجعل من یشاء عقیما".

المھم أن إسراء استدانت ثمن الرحلة من أھلھا وصدیقاتھا القریبات، لأن زوجھا رفض أن یشاركھا ولو بجزء قلیل من التكلفة. حزنت من كل قلبي على مأساتھا ودعوت ربي أن یعطیھا ما جاءت من أجله لتستمر –على الأقل– حیاتھا الزوجیة.

أما سوسن فجاءت من مدینة الأنبار. تزوجت مرة ورُزقت بطفلة وطُلقت، وتزوجت للمرة الثانیة، لكنھا لم تُنجب منه، رغم زواجھا قبل سبع سنوات. زوجھا یرید طفلا، وشرطه أن یكون ولدا ولیس بنتا.

وماري امرأة سوریة من دمشق. بیضاء البشرة في الثلاثین من عمرھا. یسترسل شعرھا الأسود الصقیل، الناعم على كتفیھا. أنیقة جدا ومرحة وطیبة القلب وحادة المزاج، وجھھا كتشرین یتغیر في ثوان . تزوجت قبل ثماني سنوات. حملت سبع مرات، وكل مرة یسقط جنینھا في الشھر الثاني من الحمل.

عملیات الإجھاض المتكررة أثرت على نفسیتھا، فلجأت لھذا المشفى. وتبین أن ھناك صبغة في البویضة تقتل الجنین، ومھمة الطبیب ھنا سحب البویضات ونزع ھذه الصبغة قبل تلقیحھا. إنھا ترید ثلاثة توائم.

مازحتھا: "كیف ستربیھم لوحدك؟"

فأجابت: "بالببرونات" (أي قناني الحلیب).

وعالیة من حوران. ھذه ھي العملیة الثامنة لھا. سبع مرات فشلت وما زالت متعلقة بالأمل.

وسیماء من مدینة بعقوبة. لدیھا إبنة واحدة في العاشرة من عمرھا، لكنھا ترید طفلا ذكرا لیرث أملاك جده. منطق غریب أم ھي سوء عدالة في المیراث، فالبنت ترث الثلث بینما الولد یرث الكل.

وغادة الزوجة الثانیة، فالأولى أنجبت درزینة من الأطفال، بینما بقیت ھي تراقبھم بحسرة، رغم حب زوجھا لھا، تشعر بأنه منھم ویشكلون حلقة منسجمة الدوران، تنظر بعین الأسى إلى أولاد الأولى متمنیة أن یرزقھا الله بیوسف.

ولمیس متزوجة منذ ثمانیة عشر عاما. تزوجت في الثالثة عشرة من عمرھا. سنة تلتھا أخرى. تل یكبر. یصبح جبلا تسحبه السنون. بینھا وبین زوجھا حب جارف لم یُنقصه الجدب یوما. لدیھما بیت جمیل وسیارة حدیثة، وكل ما تحلم به أن یرزقھما الله بطفل أو طفلة یبدد وحشة بیتھما الدافئ.

بعد الثانیة عشرة ظھرا أخطرونا بالاستعداد وتھیئة أنفسنا. وزعوا علینا حقائب زرقاء اللون علیھا شعار المشفى. تحتوي بداخلھا على منادیل ورقیة وصوابین ومعقمات جیلیة، ووزعوا علینا أثوابا وردیة. على كل واحدة أن تبدل ملابسھا بھذا الثوب.

قبل أن أرتدي ثوبي الوردي توضأت وصلیت –في الشرفة– صلاة الظھر وركعتین نافلة داعیة منه أن یكون معي ومع أیة امرأة حرمھا من نعمة الأمومة.

وبالتسلسل ركبنا كراسي متحركة مغطین أكتافنا بشراشف صفر. كنتُ السابعة من بینھن. جاءت الممرضة وساعدتني في الجلوس على العربة.

عندما دفعتني للخروج من باب الصالة بحثت عیناي عن زوجي. رأیته واقفا أمام كاونتر الاستعلامات الداخلیة. لوحتُ له بیدي مودعة، فقد لا أعود.

أنزلتني بالمصعد إلى الطابق الأرضي. تحت المشفى عالم آخر. عالم یتقرر المصیر فیه. ھنا تُسحب البویضات وتُخصّب. تحیا ویحیا معھا الأمل وتخضرّ البطون بعد جدبھا، أو ربما تموت لتتحول النفس إلى صحراء.

أخرجوا التي قبلي من غرفة العملیات. كانت فاقدة الوعي ممددة على سدیة تجرھا إحدى المعینات. أدخلتھا المصعد لتأخذھا إلى فوق.

سألتني الطبیبة التي یسترسل شعرھا الذھبي كحقل سنابل على أكتافھا: "بماذا تشعرین؟"

أجبتھا بخوف حقیقي: "قلبي یدق بقوة".

فردت بابتسامة لطیفة: "وھو المطلوب. وھل تریدینه أن یتوقف؟"

ھي لا تعرف كم ھذه النقطة فاصلة في حیاتي.

كنتُ أرتجف من البرد. ھل ھو القلق؟ لا أدري. قرأتُ في سري كل ما أحفظه من آیات قرآنیة وأدعیة.

جاءت الممرضة ووضعت (كانولة) في یدي الیسرى مع دعاء تسمعه من كل من یقابلك في ھذا المشفى: "الله یجبر بخاطرك". دعاء جمیل، فعلا الله یُجبر بخاطرنا. وسحبت العربة أمام الغرفة رقم (١).

خرج الدكتور الذي یعالجني. سلم عليّ بلطف شدید –وھو یفعلھا مع الكل– وقال: "الله یطعمیكي صبي". فرددت: "إن شاء الله".

الیوم یوم السحب. سحبوا قبل قلیل الحیامن من زوجي. والآن سیسحبون البیویضات الناضجة مني. أدخلتني المعینة غرفة العملیات وساعدتني بالاستلقاء على طاولة العملیات. وضعت ذراعيّ على ذراعي السریر وساقيّ على سواعد مرفوعة. ووضعت ماسكة في سبابتي الیسرى. ھذه الماسكة متصلة عبر سلك كھربائي بجھاز أسود له شاشة مستطیلة تمر علیھا إشارات.

نظرتُ إلى الساعة –المعلقة على الجدار مرسوم علیھا شعار المشفى: أُم تحتضن طفلھا، جسدان لنصفین علویین تشكلان كرة متصلة من الأسفل. معنى مجازي رائع. إنه الفن. عقرباھا یشیران إلى الثانیة ظھرا. وتركتني وحدي.

تأملتُ ما حولي بشيء من الخوف، أو ربما الذعر، فھذه المرة الأولى في حیاتي التي أُمدد على طاولة العملیات. غرفة جدرانھا مطلیة بالبیاض، كل ما فیھا أجھزة طبیة ودوارق ملیئة بالمعقمات، غرفة مكیفة، ھواؤھا منعش بمعطرات طبیة لھا رائحة اللیمون.

على الجدار الذي على یمیني نافذة صغیرة مربعة الشكل مغلقة بباب من الألمنیوم. لم یدق قلبي مثلما یدق الیوم، ما باله یسرع بالدقات؟

في الحلم؛ في الواقع، وجدتني أُما. طفل جمیل یحبو نحوي لأكون ملاذه. اخترت –ومنذ زمن بعید، حتى قبل أن أتزوج– لإبني اسما سریا سیكون تاریخي الذي سأبني علیه میلادي الجدید. اخترت اسم (مروان) دون الأسماء كلھا. لماذا؟ لا أدري.

وبدأت أسترسل في التفكیر. كیف سأكون أُما؟ أحشاء تمتلئ أولا بالنبض والحیویة. أحشاء تجول بھا روح صغیرة، وستكبر إلى أن تتحول جسدا ینبلج عنه الضوء إلى الوجود. أظن سیكون له إرث جدید في حیاة ملیئة بالوعد.

ھل حقا سأكون أُما؟ بدأتُ أُفكر في كیفیة انفراجھا عن مكنوناتي لأكون أُما بین الأمھات. ھل یحق لي ذلك الحلم الطبیعي جد ا. قررت لحظتھا أن أكتب عن معاناتي ھذه حالما أعود لبیتي. أُسردھا كما ھي لتُدوّن بدایة الكتابة عن حلم سینبض –ربما– بالوجود.

غلاف رواية صندوق أسود


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3256044

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC