د. يسري عبد الغني عبد الله - مصر

عندما تمتزج الفنون تتواصل الثقافات

يسري عبد الله
يسري عبد الله

امتزاج المغرب بحضارة الأندلس

نعرف أن الأندلس هي أسبانيا، وكان هذا الاسم يطلق على أسبانيا والبرتغال، ولكن الأندلس اليوم يطلق على الإقليم الجنوبي من أسبانيا، أما المغرب فكان يطلق على المنطقة التي تشمل تونس والجزائر والمملكة المغربية اليوم، والمؤرخون القدامى كانوا يطلقون تعبير المغرب على الأندلس أيضا حين يتحدثون عن أدب المشرق والمغرب، فيقولون، مثلا، ابن هانئ الأندلسي متنبي المغرب، وابن زيدون الأندلسي بحتري المغرب، وهكذا.

من الواجب علينا ونحن نقرأ أو ندرس حضارة المغرب الأقصى إبان العصر الوسيط أن نؤكد على ما تدين به العشائر المغربية بوجه عام لحضارة الأندلس العربية الإسلامية، والأصل فيها هو قيام الدولة التي أسسها عبد الرحمن بن معاوية الداخلي الأموي الملقب بصقر قريش، الشاب الأموي الذي هرب بعد سقوط الدولة الأموية إلى الأندلس، ودخلها، ولذلك لقب بالداخل. وأسس دولة بني أمية هناك التي لم تخضع للحكم العباسي وظلت نحو ثلاثة قرون.

عبد الرحمن الداخل أسس دولته في قرطبة الأندلسية مستوحيا حضارة أسرته الأموية في الشرق العربي الإسلامي، وإذا كان ملوك الطوائف قد انتهوا بالدولة الأموية الباهرة في الأندلس إلى التفكك والتمزق والفشل والتفسخ، حيث حكم كل منهم إقليما وأدى اختلافهم إلى ضعفهم وضياع الأندلس كلها، وكان آخرها غرناطة مملكة بني الأحمر.

الملك الذي ضاع

لقد فتحت بلاد شمال إفريقيا: ليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب من سنة 20هـ إلى سنة 90هـ، وذلك لأن امرأة متسلطة لها سيطرة على قومها عوقت فتح المغرب عشرات السنين بالهجوم على البطل فاتح إفريقيا عقبة بن نافع ومن معه من خيرة الرجال فاستشهد منهم مئات في تلمسان الجزائرية، وارتد بعض المغاربة عن الإسلام، إلى أن جاء البطل موسى بن نصير فأعاد فتحها، وقام القائد طارق بن زياد معه بفتح الأندلس والقضاء على الملك لذريق، وكان ذلك سنة 91 هـ، وظلت الأندلس نحو ثمانية قرون دولة إسلامية عربية راقية في العلوم والفنون والآداب، حتى اختلف أهلها وتفرقوا واستعانوا بحكام قشتالة وغيرهم ضد بعض، وانتهى أمرهم بالفشل، وكان آخرهم عبد الله بن الأحمر بغرناطة الذي بكى وهو يسلم المدينة، فقالت له أمه:

ابك مثل النساء ملكا مضاعا = = لم تحافظ عليه مثل الرجال

لقد تمكنت دولتا المرابطين والموحدين من حكام مراكش إيقاف الزحف القشتالي الأرجوني إلى مدى من الزمان والمكان، وعليه تم إخصاب المغرب بحضارة الأندلسيين، وأضحى الحكم الإسلامي، قبل جلائه نهائيا عن شبه الجزيرة الأندلسية كلا لا يتجزأ، يجمع بين الضفة (الشاطئ) الشمالية لبحر الزقاق (مضيق جبل طارق)، وضفته الجنوبية أي بين عدوة الأندلس (شاطئ الوادي) وعدوة المغرب.

تنوع الفنون والآداب بين المشرق والمغرب

ومع ما تدين به الدول الإسلامية في المغرب والأندلس لحضارة الشرق الإسلامي، وهو المنبع والأصل، فإن طبيعة الناس والأرض والسماء، وما تم من المزج أو الاختلاط الوثيق بين المسلمين عربا وبربرا وموالي، وبين الأسبان، قد طبعت المغرب وأدبه بخصائص مميزة وشخصية فريدة وسط الفنون الإسلامية الجميلة، وهي ظاهرة معروفة في تنوع الفنون الإسلامية ما بين أواسط آسيا وشمالي الهند وبلاد ما وراء النهر (بلاد الأفغان) وهضبة إيران ووادي دجلة والفرات وسوريا ومصر والمغرب والأندلس.

أمثلة من الحضارة الأندلسية المغربية

وسنحاول أن نقف معا أمام بعض الأمثلة من هذا التزاوج بين حضارة الأندلس وحضارة المغرب، ونعني بهذه الأمثلة تلك التي توصف في تاريخ الفنون بالفن الهسبانو/موريسكي، أي الفن الأندلسي المغربي إذا أردنا توخي الدقة التاريخية، وذلك على امتداد تاريخ الدول التي نشأت بالمغرب الأقصى، مع العلم بأن الفن المغربي قد واصل طريق أصالته وخصائصه حتى بعد انتهاء الحكم الإسلامي بالأندلس خاضعا لسنة التطوير ارتفاعا أو هبوطا.

وأمثلتنا المختارة من بين أهم منشآت الفن الإسلامي، وهي دور العبادة، مساجد وجوامع وزوايا وما يتبعها من معاهد العلم والمدارس لإقامة الطلاب، ثم عمارة التحصينات في أسوار المدن وأبوابها وما يعرف بالقصبة ونقصد بها مجموعة القلعة، والحصن، والمسجد، والقصر، وعمارة الرباطات (المعسكرات)، وأخيرا المنشآت الخاصة والعامة من قصور الخلفاء والسلاطين والأمراء والبيوت والحمامات العامة والأسواق والقيساريات (الأسواق). ولنترك جانبا فنون الزخرف في الصناعات والحرف المختلفة فهذا أمر يحتاج إلى المزيد والمزيد من معرفته وتذوقه والكتابة عنه.

تأثر الأندلسيين بموسيقا المشرق

يدين المغرب الإسلامي للمشارقة (بلاد الشرق) في فن الموسيقى حين خرج أبو الحسن علي بن نافع الذي نعرفه بزرياب، عن بغداد عاصمة الخلافة العباسية قاصدا قرطبة عاصمة الفن والثقافة في الأندلس منشقا على أستاذه إسحاق الموصلي، وقد تلقاه الخليفة الأموي عبد الرحمن الثاني بالترحاب وإغداق العطايا عليه، ولم يقف دور زرياب عند الموسيقى التي ازدهرت بفضله في بلاط (قصور) الأمويين بالأندلس فكان بمثابة مستشار للخليفة في شئون الفنون والأناقة.

مدرسة زرياب في الغناء

اجتمعت لزرياب ملكات الشعر والتأليف الموسيقي والعلم متبعا أثر أستاذه الفيلسوف الكندي، وزرياب هو الذي أضاف إلى آلة العود وترا خامسا، وهو صاحب مدرسة في الغناء يعتبرها الأوروبيون أساسا لتدريب الصوت بتمرينات على الارتقاء بالأداء الصوتي (الفوكاليز)، وهو واضع قالب التأليف الموسيقي الذي يبدأ بالنشيد في نوع من التلاوة المنغمة، ويتبع بالحركات ويختتم بالأهازيج (الأغاني).

اشبيلية مركز لصناعة الآلات الموسيقية

إلا أن الموسيقى في ممالك غرناطة وأشبيلية وبلنسية (كلها مدن أندلسية) قد تأثرت بالفن الأسباني، وعبرت عن جو الرفاهية وهناءة العيش وسط طبيعة جميلة ساحرة خلابة، وكانت أشبيلية مركزا متميزا لصناعات آلات العزف، مثل القانون والعود والرباب والسلامية والناي والبوق، وما زلنا نحفظ منذ أيام تلقي العلم ما يقال في المقارنة بين أشبيلية وقرطبة: إذا مات عالم بأشبيلية حملت كتبه إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإن مات مطرب بقرطبة وأريد بيع آلاته حملت إلى أشبيلية.

الموشحات الأندلسية

الموشحات كما نعرفها جمع موشحة، وهي القصيدة المزخرفة تشبيها لها بالمرأة التي ترتدي الوشاح للزينة، وهي قصائد متنوعة القوافي، ولكن لكل مقطوعة منها نهاية موحدة تسمى (القفل).

والأندلسيون هم مبدعو فن الموشحات الأندلسية، وهو نوع من الشعر المصنوع خصيصا للغناء المقطعي، ولا ننسى الأزجال الممتعة المعبرة رغم خروجها عن قواعد الفصحى إلى العامية الأندلسية حيث تختلط فيها العربية بالأسبانية والبربرية (نسبة إلى البربر وهم سكان المغرب الأصليون).

بين الموحدين وبني مرين

كان الموحدون بناة معاقل وحصون وبيوت عبادة، أما المريينيون (نسبة إلى مرين وهم ملوك غرناطة) فقد درجوا على الحياة في مظهرها الأندلسي: بيوتهم وقصورهم متعة للبصر، وكذلك مساكن الناس والحمامات الشعبية أو العامة، والوكالات (أسواق تجارة الجملة وكان بها أماكن لنوم التجار وراحتهم)، والمستشفيات، وأسوار العيون والحصون، أقيم كل ذلك بأيدي صناع مهرة في البناء والزخرفة قيل إنهم كانوا يعملون على أنغام الموسيقى الغرناطية العذبة.

روعة الآثار الإسلامية في فاس ومكناس

مشهد من المغربوسار من جاء بعد المرينيين على الطريق، وإن مالوا إلى الإغراق في الزينة والبرقشة (الزخرفة) والنقش. ومقابر المرينيين والسعديين والعلويين ومدافنهم نماذج جميلة للفن المغربي الأندلسي، وكذلك الأسوار والبوابات والقصبات تجذب الزائر بألوانها الخضراء الجميلة، وما أروعه مشهدا إذا وقف المسافر على مبعدة من فاس أو مكناسة (مكناس) التي هي من مدن المغرب ليتأمل هذه الجواهر تحميها الأسوار العتيقة والأبراج العالية وسط الهضاب، وترتفع في سمائها المآذن المربعة وليس المدورة والتي يطلق عليها الصوامع مما لم يتعود أهل الشرق الإسلامي على رؤيته في مآذن مساجدهم ولا في بوابات أسوارهم إلا فيما ندر.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3306552

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC