لطفي بنصر - تونس

وركب البحر


لطفي بنصرحدثتنا جدتي قالت:

كان ذلك ذات عصر، كان الجو غائما باردا، ينذر بعاصفة هوجاء. عاد البحارة على غير عادة، لن يخرجوا إلى البحر هذه الليلة، فلقد ظلت مراكبهم في الميناء تـتـقاذفها الأمواج العاتية.

خرج السلطان إلى المدينة متنكرا حافي القدمين. سار في أزقتها المتعرجة الضيقة. داهم الظلام المدينة. مصابيحها معطلة هذه الليلة عدا البعض منها. تجمدت قدماه من الصقيع.
لن يخرج أحد الليلة فدفء البيوت يجذب النفوس. لم يعترض السلطان أحد غير القطط والكلاب السائبة، كانت تتوجس منه خيفة فلا تسمع غير عوائها و هي تقفز بين الانهج والسطوح.
تسرب البرد الى عظام السلطان ولكنه ظل يتقدم غير آبه بشدة الريح برودتها.

جالت بخاطره أسئلة كثيرة لكنه لم يجد لها جوابا. تذكر أن في القصر آرائك وأسرة وثيرة وموائد منضودة وعسلا وشرابا وصخبا ورقص.

أحس ببعض دفء لم يعرفه البتة، يلتفت خلفه وإذا به شيخ شارف الثمانين من عمره فيسأله: "ماذا تفعل في هذا الجو البارد؟ تفضل أدخل فأنت ضيفي الليلة."

لا ترفض له طلبا، فأنت لم تعرف هذا الدفء طيلة حياتك.

تبسم السلطان ودخل بيت العجوز. لقد كان متواضعا. بعض أمتعة بالية، وسراج وهاج في سقف البيت.

دعا العجوز ضيفه الى العشاء، لقد كان ثريدا بالمرق وزيت زيتون.

لم يخف العجوز أسفه عن العشاء الذي لا يملك غيره، ولكن السلطان تلذذ و طلب المزيد منه. تسرب الدفء الى عظام السلطان.

تجاذب أطراف الحديث طويلا حتى ساعة متأخرة من الليل.

دعا العجوز الضيف ليبيت في فراشه المتواضع. أطفئ السراج، و دعا كل منهما بنوم هنيء.

لم يغمض للسلطان جفن، عيناه سافرتا الى القصر، وتذكر أن في المدينة أناسا يبحثون و لا يملكون من الدنيا غير راحة البال ولقمة من الثريد.

اعتصر قلبه على تلك الايام التي عاشها في القصر. تسلل فجرا، وترك العجوز يغط في نومه.

سار في المدينة حثيث الخطى. العاصفة لا تزال على أشدها. ولكن الى أين سيذهب؟ اتجه صوب الميناء و ركب البحر.

D 25 تموز (يوليو) 2011     A لطفي بنصر     C 1 تعليقات

1 مشاركة منتدى

  • لو أن كل سلطان/ملك/رئيس/أمير/وزير/مسؤول تفقد رعيته وتجول في الأزرقة والحارات لركب الجميع البحر وضاق بهم البحر على سعته، ولكنهم يخافون أن يقوموا بمهامهم الحقيقية وأوكلوها إلى غيرهم ممن تفنن في الزيف والخداع والنفاق، فبقي السلطان، وركب الشعب البحر حيث تتلقفه الأمواج الهائجة وسمك القرش، ومن نجا عاش على هامش الحياة.
    جميل ما كتبت أخي لطفي.


في العدد نفسه

فريدة بن موسى: ماجستير

تأنيث السرد: حوار ناقدين

عن مبدعة الغلاف

كلمة العدد 62: أدوار الصحافة: الحاجة إلى اليقظة

كهنة الشعر : عبد القادر الجنابي