رحيل رضوى عاشور

رضوى عاشورانتقلت إلى رحمته تعالى الروائية والناقدة المصرية رضوى عاشور يوم الاثنين، 2014/12/1، عن عمر يناهز 68 عاما. من مؤلفاتها الروائية: ثلاثية "غرناطة"، و"الطنطورية". ومن مؤلفاتها النقدية: "الطريق إلى الخيمة الأخرى: دراسة في أعمال غسان كنفانى". وصدرت لها مذكرات عام 2013 تحت عنوان "أثقل من رضوى".

أدناه قراءة في المذكرات من إعداد الناقدة هدى أبو غنيمة، ونشرت في العدد 96 (حزيران/يونيو 2014)، ومقتطف من ثلاثية "غرناطة" نشرت في العدد الثاني (تموز/يوليو 2007).

.

هدى أبو غنيمة - الأردن

أثقل من رضوى

أن يكتب الإنسان سيرته الذاتية أمر مألوف، وهو يتأمل تيارها المتدفق. ولكن الكتابة عن الحياة، وهو يخوض غمارها ويصارع لججها مسجلا اللحظات المصيرية: مواجهة المرض ومواجهة الخيبات والطغيان والفساد، آنفا أن يموت جبانا، نص له وهج الجذوة المتوقدة في الروح المبدعة؛ نقرأ في ضوئه تجليات النفس الإنسانية في طبقاتها المتعددة وتتراءى لنا أطيافها، فإذا نحن نفس واحدة.

"قد تفلت السنوات من حدودها، لأن أعمارنا كما هو معروف تفيض عن أعمارنا، وتقفز بلا استئذان إلى ما قبلها أو ما حولها، وتمتد متشعبة في التاريخ والجغرافيا".

بأسلوب التداعي الذي ذكرني بـ"بحثا عن الزمن الضائع" لمارسيل بروست، تكتب رضوى عاشور سيرتها الذاتية "أثقل من رضوى". ودلالة العنوان تحيل إلى سبب التسمية، فقد كانت تظن أن الذي اختار اسمها وأسماء إخوتها، هو جدها لأمها الدكتور عبد الوهاب، الذي كان المحامي الشاب، والد رضوى، قد كتب بحجر جيري على أحد الجدران "سأسمي ابني طارق"، وهو في طريقه إلى بيت الدكتور عبد الوهاب، ليفاتحه في رغبته بالزواج من إحدى بناته، مية، العام 1941 أو مطلع العام الذي يليه.

سمى الولد طارق مستبشرا بأول الذكور في ذريته المكونة من ست بنات وحفيدتين من كبرى بناته.

اختار الدكتور لحفيده اسم طارق ليكون سميا لفاتح الأندلس، فلما جاءت البنت بعد سنتين وتسعة أشهر، اختار لها اسم جبل يقع بالقرب من المدينة المنورة، تضرب به العرب المثل في الرسوخ فتقول: "أثقل من رضوى"، لأن الجبل سلسلة من الجبال الممتدة إلى الشرق من ينبع بها جداول ماء وشعاب وأودية، ووعول وغزلان، وتحلق في أرجائها النسور والصقور والقطا والحمام.

ولما أكرم الله المحامي بولدين آخرين من زوجته مية، سمى أكبرهما حاتم، والأصغر وائل، وهما اسمان اقترحهما الدكتور عبد الوهاب، وراقا المحامي المغرم باللغة العربية وآدابها.

تمزج الكاتبة في مقاطع من سيرتها بين مشاهد الثورة المصرية، وتجربتها في مواجهة الورم في الدماغ، بين الدراما في رأسها وبين الدراما في ميدان التحرير طوال السنوات الثلاث الأخيرة، وتربطها بسنوات سابقة.

تكتب رضوى عاشور بلغة حية عن الجامعة والتحرير والشهداء وعن ذاتها، وتتأمل فعل الكتابة:

"أعتقد أن إبداع نص فني، من أعقد اختراعات البشر وأكثرها عجبا، لا بسبب ذلك المزج الغريب بين الذاتي والمشترك، والمعرفة الموعي بها وغير الموعي بها والآني والممتد، والمجرد والمجسد، بل لأنها تنقل أحمالا متراكمة على بساط هش من الحروف والكلمات، والجمل المفيدة. ربما لا تفي الصورة بالغرض، لأن الكلمات الحاملة لها من المغناطيس طاقة الجذب، ومن الرادار قدرة الالتقاط، ومن الشجر الجذور المغمورة في طين الأرض، ومن العمائر التركيب، ومن الأحلام الالتباس والغموض، تحمل الكلمات تاريخا وجغرافيا وطيات متراكبة من طبقات الأرض، ودخائل البشر وتجاربهم ومصائرهم وأحلامهم، وتهويمات خيالاتهم" (السيرة، ص 250-251).

وثقت الكاتبة لأحداث الثورة بمشاهد حية نكاد نلمح فيها أطياف الشهداء الذين يعودون إلى الميدان بعد سقوطهم، ويتدفق السرد ويتماوج تدفق النيل الذي وعت رضوى دروسه.

هل كانت تكتب سيرتها أم الحياة الثرية فكريا ووجدانيا هي التي تكتب رضوى؟ وهي واحدة من عائلة ممتدة من الشغيلة والثوار والحالمين الذين يناطحون زمانهم، ويمقتون الهزيمة ولا يقبلون بها، فإن قضت عليهم يموتون كالشجر واقفين، ينجزون أمرين كلاهما جميل: شرف المحاولة، وخبرات ثمينة، تركة يخلفونها بحرص إلى القادمين. (أليس هناك احتمال آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة؟ ما دمنا قررنا أننا لن نموت قبل أن نحاول أن نحيا).

= = = = =

رضوى عاشور: روائية وناقدة وأستاذة جامعية مصرية. ولدت عام . 1946من أعمالها: سراج؛ ثلاثية غرناطة؛ أطياف؛ قطعة من أوروبا؛ فرج؛ الطنطورية.

المرجع: "أثقل من رضوى" مقاطع من سيرة ذاتية. الناشر: دار الشروق، مصر، 2013.

http://www.oudnad.net/spip.php?article1104

= = = =

مقتطف من ثلاثية "غرناطة"

رضوى عاشور - مصر

الــــــرحــــــيــل

قام الحاج وتغيب لحظات، ثم عاد حاملا منديلا مصرورا وضعه أمامهم. فتحه وأمسك بخمس زجاجات صغيرة بها سائل رائق شفاف. قال: هذه من ماء زمزم، وتلك،" أشار إلى أخرى السائل فيها أقل شفافية ويميل إلى الاصفرار، "تلك بها عطور من زهور رشيد." وهذه الخواتم والمسابح من الحجاز، أما تلك فمن مصر. وهذا اللوح الصغير من خشب الزيتون، اشتريته من القدس. تذكارات صغيرة. تفضلوا ليأخذ كل ما يشاء."

أربعة اختاروا ماء زمزم، وواحد أخذ مسبحة، والآخر خاتما فضيا. أما علي فمد يده إلى اللوح الخشبي الصغير، وسأل الحاج على استحياء: "هل تسمح؟"

ودعوا الحاج وقفلوا عائدين. لم يقطع الصوت سوى سؤال:

"كم سنة قضى الصليبيون في القدس؟"

أجاب عمر الشاطبي: "تقريبا مائتي عام."

***
واصلت البغال طريقها في الشعاب وواصلوا شرودهم حتى دخلوا القرية.

لم يتح لعلي أن يتأمل اللوح إلا بعد عودته إلى داره. ميزته عيناه واستوقفه الشكل المنقوش عليه ما أن وضعه الحاج أمامهم تلك التذكارات. ولما اختلى بنفسه أمسكه وأمعن النظر فيه. كان لوحا مستطيلا في حجم كفين مبسوطتين، خشبيا أملس نقشت عليه قباب القدس ومآذنها. الأقصى والصخرة يعلو كل منهما هلال، وفي الخلفية كنيسة فوق برجها الوحيد الصليب. أطال النظر في اللوح، ثم فكر في صنع لوح مماثل عليه رسم غرناطة: أبراج الحمراء وأسوارها المشرفة على مجرى حدره تقطعه القناطر، أو عليه رسم البيازين.

خرج إلى الحقل في الصباح. عمل في الأرض طوال النهار. ثم عاد إلى داره يحمل قطعة من خشب الزيتون. أعمل المنشار والإزميل فيها. سواها، وشذبها ونعم خشونتها حتى صارت لوحا مستطيلا اكبر قليلا من لوحة القدس. قلبه بين يديه وتحسس سطحه. كان أملس تماما ومناسبا ليبدأ.

لم ينقش رسم غرناطة ولا البيازين. مالت السكين في يده تحز خطا مقوسا ثم خطا مقوسا غيره. كان ينقل الصورة التي أمامه ويقلدها. ضغط أكثر فتعمق الحز حفرا وتحددت القبتان. لماذا ينقش المكان البعيد؟ ما الذي تعنيه له القدس؟ نجمة مضيئة في السماء أم يجرب يده لتدريبها قبل أن تشرع في تصوير غرناطة؟ جاءهم الروم وغزوا أرضهم تماما كما حدث لنا، ولكنهم طردوا الصليبيين، فلماذا استطاعوا ما لم نستطعه؟ وكيف استطاعوا؟ هل كانون يفوقوننا عزما أم أن الجواب في سؤال يختلف؟ ترى ما الذي حدث بالتفصيل هناك؟ لن يجد من يحكي له الحكاية كلها من البداية للختام. وهو لا يعرف سوى أن صلاح الدين طردهم من القدس مرة. ولكن للحكاية بقية، فمن يحكيها له؟ لماذا رجحت الكفة في المشرق وهنا خفت الموازين؟ هل بنا عيب ليس فيهم أم أن مصيبتنا أننا مقطوعون بالبحر، لا مصر جارتنا، ولا حولنا عراق وشام؟

قال الحاج إن في القدس نصارى من أهل البلاد، فلماذا يفرضون علينا التنصير هنا؟ ولماذا يزدروننا ولم يكن سيدهم روميا ولا كان له عينان زرقاوان؟ كان السكين في يده يحز خطا رأسيا ثم يقطعه بخط أفقي أقصر، يحفر في الصليب. بعث الله في عباده عيسى المسيح. حدق في الصليب على اللوح. بدا أليفا ووديعا والهلال يجاوره. ما علاقة هذا الصليب بجيوش خوان دي استوريا وذبح أهالي البشرات؟ ما العلاقة بين الوجه الشاحب والرأس المائل بتاج الشوك وما نحن فيه من عذاب؟ وأي رابطة تربط الجسد العاري النحيل لمسيح تبكيه أمه، بالأسياد وملاك الأرض والضرائب والمكوس والملك وديوان التحقيق؟

= = = = =

مقطع من رواية "الرحيل" لرضوى عاشور. منشورة ضمن ثلاثية "غرناطة" الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر: لبنان. الطبعة الثانية 1998.

= =

غلاف كتاب أثقل من رضوى


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3253806

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC