أوس حسن - العراق

الشعراء الجدد: ظاهرة إعلامية وصوتية؟

أوس حسنعندما يقدم لك شاعرٌ أو أديب كتابه في أحد المهرجانات، أو الملتقيات الأدبية، خصوصا إذا كان شاعرا من حقبة زمنية معينة، كأن يكون شاعر ثمانيني أو تسعيني، وله مؤلفات عدة وكتبت عنه دراسات عديدة، حتما ستشعر بالفرح والغبطة، أنت الشاعر الشاب ذو المشوار الطويل الذي ينتظرك، والتجربة الحياتية والأدبية، التي ستتعتق بها مسيرتك فيما بعد. صوت غامض سيناديك من الأعماق، أن هذا الشاعر يريدك أن تكون شريكا له في الألم والمعاناة والهم الوجودي، وهو في نفس الوقت دفعة إلى الأمام نحو مشروع أفضل وفكر أعمق.

إن ما دفعني لكتابة هذا المقال، ليس الإشادة بشاعر ما، ولا التصفيق له ولتجربته الشعرية، كما أوردت ذلك في المقدمة، بل على العكس تماما، هو طرح قد يبغضه الكثيرون وينفرون منه، لأنني سأكشف الكثير من مضامينهم الداخلية، وسأجردهم من اللغة والبرمجة التي اعتادوا عليها طيلة سنواتهم المحقونة بالوهم والسراب. سأفعل ذلك لأكشف مدى الخواء والفراغ الروحي في دواخلهم.

منذ مدة طويلة تزيد على ثلاثة عقود ونحن نعاني من خراب ثقافي على مستوى الشعر والأدب، وحتى الفن أيضا. نحن أمام كارثة تتهددنا بين فترة وأخرى، وهي سقوط إمبراطورية الشعر وانهيارها، هذه الأزمة لها جذورها العميقة في عصرنا الحديث، ومرتبطة ارتباطا وثيقا بانحطاطنا السياسي والأخلاقي والفكري، ولها صناعها المتخفون بوجوههم القبيحة خلف أقنعة ملونة هشة.

قبل مدة ليست بالقليلة سألت أحد الأصدقاء المثقفين: "ألا تتابع ما تنشره الصفحات الثقافية في الجرائد؟ ألا تتابع المجلات والدوريات المختصة بالأدب؟ فأجابني ممتعضا بالنفي القاطع، وأردف قائلا:

"إن كل شيء قد قيل وقد كتب، وما نراه الآن هو استهلاك لماكينة الثقافة الغربية، فلم يعد للشعر ذلك المذاق الممسوس بالتحليق على أجنحة الحلم، بل أصبح كائنا مشوها مبتور الأطراف، عبارة عن مجموعة من الجمل المقطعة المبهمة والغامضة، لا تعرف من خلالها متى تبدأ القصيدة، ومتى تنتهي، جمل ركيكة تخلو من الأسلوب والقوة اللغوية والبلاغية ووحدة الموضوع. أنا شخص باحث عن الجمال وعن الفكرة التي تدفعني لتساؤلات عميقة".

جواب صديقي وتجربتي فيما بعد دفعاني لهاوية من الأسئلة الحادة، تبلورت في البحث والتنقيب، واقتناص الأسرار الدفينة لطرح الإشكالية والمعضلة أولا، ومن ثم البحث عن المعالجات ضمن أطر معينة ومدروسة فيما بعد.

مما لا شك فيه أننا تأثرنا كثيرا بتيارات الفكر الغربي الفلسفية والأدبية، وأخذنا عنهم المدارس الشعرية باستهلاك محض، وأخضعناها لقواعد وأصول الشعر العربي، دون أن تكون هناك محاولة جادة منا لعملية خلق أو ابتكار في النص العربي، آخذين بعين الاعتبار البيئة المكانية، والثيمة الفكرية التي ينطلق منها النص العربي إلى المتلقي القارئ، وهو بدوره أيضا، سيكون مبدعا آخر في إعادة إنتاجه، وإحيائه على المدى البعيد.

الرمزية، والسوريالية، والدادائية، والمدارس الشعرية الأخرى، ليست بعيدة تماما ً عن ذاكرة الموروث الشعري عند العرب قديما، وقد تناول هذا الموضوع عدد كبير من الباحثين والدارسين، والشاعر الحاذق هو من استطاع توظيف هذه المدارس في النص، دون أن يفقد كينونته وميزته العربية، ودون أن يفقد هويته الإنسانية الشاملة، ليكون النص متماهيا مع جميع الفنون، وله ميزة تؤرخ لذاكرة المكان والشعوب، والإيقاع الموسيقي المتفرد بها.

غلاف دواوين نازك الملائكةوقد استطاع شعراء كبار وأذكياء أن يوظفوا هذه المدارس، وهذه الفنون لينتجوا لنا نصوصا عالمية ما زالت حية ومستمرة في ذاكرة الأجيال، نصوصاً عابرة للأزمنة، و تحيا حيوات متجددة على يد القراء. من أمثال هؤلاء الشعراء في عصرنا الحديث: بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، ونازك الملائكة، ومحمود درويش، و أدونيس، وصلاح عبد الصبور، وأمل دنقل وسميح القاسم، وغيرهم.

إن دخول المدارس العدمية والعبثية على الشعر العربي الحديث، وما رافقها من غرائبية مفرطة وتشظيات، أقلقت مخيلة القارئ، وأصابتها بالعقم والفوضى، وخصوصا أن مفهوم الحداثة، وما بعدها، أصبح مرتبكا وغير واضح المعالم.

ترجع الأسباب الجوهرية في ذلك إلى أن الشعراء أنصاف الموهوبين، أو أنصاف المثقفين، استسهلوا الكتابة واستساغوا الجنس الأدبي لقصيدة النثر الأوروبية، وراحوا ينسجون كلماتهم على طريقة القصائد الأوروبية المترجمة؛ لذلك أصبحت الدواوين الشعرية تتشابه في عناوينها وأحجامها ومضمونها ولغتها المكررة، وأصبح الشعر من بعدهم سمة للملعونين والمتسولين والصعاليك، وفقد وهجه وبريقه الإنساني، لا بوصفه فنا يفسر الكون فقط، بل بوصفه نبوءة تعيد خلق كون جديد

أما في عصر السرعة، عصر الإنترنت وأجهزة الاتصال الحديثة، فقد اختلط الصالح بالطالح، وخبا نور المواهب الحقيقة في ظلمة المدعين والمتطفلين، ونأت النفس بحملها الثقيل، وهي تلج متاهة عمياء لا تفضي إلى طريق أبدا.

هو عصر السقوط والانهيار بامتياز، ليس على المستوى الأدبي والفكري فقط، بل على المستوى الأخلاقي والإنساني، والشعر هو مقياس حقيقي لهذا الانحطاط والخراب. فمثلا على الصفحات الثقافية للجرائد والملاحق الثقافية والدوريات، ستجد إن هناك لغة صحفية متبعة في كتابة الشعر والنص الأدبي.

هناك معيارية صحفية وأسلوبية منتقاة من قبل المحرر، وتخضع أحيانا ً لمزاجيته، وانتمائاته العقائدية والسياسية، وأية لغة أخرى، أو صيغة تخالف السائد، مرفوضة وغير صالحة للنشر؛ لذا فإن أغلب الشعراء والأدباء صاروا يكتبون القصيدة أو النص الأدبي، مثلما يحررون خبرا صحفيا ًأو يكتبون تحقيقا؛ اللغة نفسها مكررة و هابطة، والعناوين تتشابه.

غلاف دواوين أمل دنقلوحتى الدراسات النقدية صارت تشابه هذه النصوص في طلاسمها وغموضها الممج، ومن المفارقات المضحكة أنهم يسرقون من بعضهم دون أن يشعروا، فالشعر بالنسبة لهم هو عمل صحفي محض. على سبيل المثال، إذا أراد أحد الشعراء، كتابة قصيدة تناسب النشر، وتخضع لهيمنة مدرسة استهلاكية في النقد، يقوم بترتيب مجموعة من الجمل المنتقاة من عدة كتب، أو مجلات، ويبدأ برصفها على طريقته الخاصة ، ويختار عنوانا ً يلائم اللغة الدارجة في الصحافة الثقافية، كأن يكون مثلا : ذاكرة مهترئة، عطر الغيم وأجنحة الحقائب، فيل طائر، بعير وصحراء مثقوبة، إلى آخره.

أما المهرجانات والملتقيات الأدبية، فهي لا تقدم مشروعا ً ثقافيا حقيقيا ً، بقدر ما تروج لثقافة الاستعراض والبهلوانيات الفارغة، فالمتن الثقافي منخور ومصاب بالصدع والتشقق، والشاعر الذي يملك مشروعا ً حقيقيا ًوأفقا ً معرفيا ً بعيداً، يعيش في الهامش، وكذلك الناقد والباحث الحقيقي، الذي لم تفرزه المؤسسات والأيدولوجيات والسلطات السياسية.

إن أغلب هؤلاء الشعراء والنقاد هم ظاهرة إعلامية أفرزتها شاشات التلفاز والصحف والعلاقات الإخوانية، هم في الأصل يعانون من خواء روحي مرعب وضآلة بالمعرفة والعمق الوجودي.

في هذه المهرجانات الاستعراضية، هناك أزمات تهدد الثقافة الجادة والرصينة: وهي شاعر أمي، ناقد لا يقرأ، وشاعرة أو كاتبة افرزها الفساد الثقافي، فلم تعد تفرق بين منصة الشعر ومنصة عرض الأزياء.

والأنكى من ذلك كله، أنهم يمارسون عليك دور الأستاذ أو الواعظ والمرشد الثقافي؛ مستعرضين عضلاتهم الثقافية وخطاباتهم السلطوية، التي لم تشف منها عقولهم المصابة بالفراغ والوهم الهستيري.

لست بصدد التعميم هنا، ولا إطلاق الأحكام جزافا، لكن البوح المختمر في زوايا النفس، وفر لي عدسة خفية، تلتقط المشهد اليومي، وتحلل البنية الخاطئة التي تكونت منها بعض الأنساق الثقافية؛ كما أنني لست بصدد التنظير، أو إعادة قراءة للمشهد الثقافي، بقدر ما وضعت يدي على مكامن الخلل الرئيس.

كل فكرة بحد ذاتها لكي يكتب لها التطور والاستمرارية، عليها أن تخضع لجانبي الخطأ والصواب، وأن تبقى في دوامة جدلية مع فكرة أخرى. هكذا وكلما ألح عليك التساؤل العميق المصحوب بالوعي المتكرر، سيتوهج القلم بأولى كلماته المضيئة.

لقد آن الأوان لهذا المتن الثقافي أن يندحر ويسقط إلى الأبد، وأن يتقدم الهامش من الدروب والأزقة المعتمة، من عمق الجرح الإنساني، من أحلام البسطاء والفقراء، من صرخات المظلومين.

آن الأوان أن يتقدم الهامش الذي ظل مغيباً وغائبا ً طوال هذه السنوات، من قبل السلطات والأنظمة السياسية المتعاقبة، ليعلن أن للثقافة هوية وجمهور.

آن الأوان أن يتقدم الهامش بمشروعه التأسيسي الخلاق لصناعة مجتمع ثقافي، سيخرج منه أفراد استثنائيون ربما، سيكونون قادرين على إثارة الوعي والتغيير على مدى الأيام البعيدة القادمة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3306552

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC