إيناس ثابت - اليمن

على حافة الحرف

ألف

على الرصيف أنا وبؤسي، وجهي جميل غير أن الفقر أراد قُبحي، شعري تلون من لهيب الشمس، والثوب غطى بعض عظمي.

مر بي ثلاثة رجال. كتب الأول عني قصيدة أراقت دمع عينٍ جميلة تزينت بالكحل، وصفقتْ لأجلها يد تصبّغت بالشحم. والثاني حوّل وجهي لوحة، فطاف وجهي البائس الدنيا وما خطت قدماي خطوة. والثالث كتبني مقالاً أُقيمت من بعده ثورة.

ولم يعطني أي منهم كسرة خبز.

باء

من قال إن الروح في أرض الإله تغب؟

نبأتني الشمس: يوما سيرحل، فاغسليه بماء عينيك، دثريه بالقبل، واهديه نجما للسماء.

خبأتُ وجهك في التراب وللسماء وهبت روحك. قلتُ الوداع، أوجزته في أحرف الحنين ودعوة من سور القران، فنبتتْ من قلبك أوراق نخيل، رويتها من أدمعي لأستريح كل يومٍ تحت ظلك، ورأيتُ اسمك من شجرة في قلبي يتدلى، شكّلته كلؤلؤٍ فتان، ورميته بقوس في يداي حتى أراك كل صبح شهاباً في السماء.

تاء

هيكله بيت خراب وقلبه كهل مشيب لم يذق طعم النهار، وعلى شفاهه ضحكة طفلٍ ثمل من شهد الحياة.

ثاء

أرسلتُ لك: بعد السلام، اشتاق إليك حتى انتزاع الروح.

ولم أبالغ، مت بعد ساعتين.

الآن ستصل رسالة اشتياقي وأنا على الأكتاف اُحمل في كفن.

حروف عربيةجيم

أهداني يوماً عقداً من اللؤلؤ، خبأتُه في ظلماتٍ ثلاث، خبأتُ العقد في علبة ولففتُ العلبة بقطعة من مخملٍ أسود، وألقيته في البحر.

كما ألقيتني أنت في ظلمات ثلاث. الظلمة الأولى يوم بكيتك حدَّ الانتحاب بعد موتك غدرا، والثانية حين أدركتُ خيانتك لي بعد موتك، والآن ابكي غدرك أم فراقك؟ فكانت هذه ظلمتي الثالثة.

حاء

همستْ في أذنه باسمة: "لعينيكَ سرٌ، ماذا تخبئ؟"

"طير في صدري يخاف".

"ماذا يخيفه؟"

"ظلام المساء".

"هناك النجوم قناديل ليلٍ، ونور القمر يضيء السماء".

"وغيمٌ يغطي شعاع النجوم ونور القمر".

"وبعد المساء صباح يتنفس، يُعيد الضياء".

"يجهل طيري كيف الصباح، يعود لقفصه كل نهار".

"يخاف النهار؟"

"يخاف المساء، ويخجل من لمسة ضوء النهار، يبثُ سلامه لأهل الضياء ويترك طيراً غريق السهر".

خاء

كان هنا، موّجَ شعري، ورسم زهرا بكفي، وأضاف السلاسل لتُزين يديي، تدلّت منها قلوب صغيرة ووجه هلال. أضاء شمعة ومكث بقربي.

يمرُّ عمري ولا يزال قربي، وحدي وظلي. ظلي يموج شعري، ويرسم زهرا بكفي، ويضيف السلاسل لتُزين يديي.

دال

أيقظتني قطرة من ماء السماء، كانوا أمامي، سود الوجوه وبلا ملامح، رائحتهم مرّت بذاكرتي، ألقوا الحجارة في طريقي، غرسوا شوكا من حديد أكل معظمه الصديد، ورموا سهاما فوق ظهري، ومضوا بعيداً تاركين رائحتهم تسبح في الفضاء.

بنيتُ سلما من قاع نفسي بقطرات ماء السماء، صعدتُ درجتين، فكانوا هناك، وعلى رؤوسهم رمح ونار.

ذال

حفرَ قبراً في رأسه، دفنَ الجمل، البوح، الشعور، وصيحات الآه، وعاد وحده.

صلّت روحه لأجلهم صلاة الغائب. وهو لم يعد يكتب، لا يسأل ولا يجيب، ما عاد بداخله إلا مجموعة نقاط.

راء

مطرٌ، مطر.

شيء إليه يشدني، سحر أو لغز يكون؟ أو جنون أمس ظنته نفسي ضاع واندثر، بداخلي كالنهر يجري إن سمع وقع المطر.

كان المساء، وأصوات الأحبة لفّها صوت المطر، نظرتُ خلف النافذة، ثم ركضتُ خلف خطاهم، ودمع عيني يعانق قطر المطر.

كان المساء، وكان آخر ما سمعت، صوت يقهقه بعجب: طفلةٌ مجنونة تلهو على عزف المطر.

على حافة الحرف

ألف، باء، تاء، ثاء، جيم، حاء، خاء، دال، كل حروف الأبجدية قطرة من إحساس قلبك، ضوء عبور من عُمق قلبك للملا، مهما أتتك خاضعة لن تصف جُلّ شعور يسكنك.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3296033

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC