سعاد اشوخي - المغرب

الطمع ضر ما نفع


وكان المسمى قيد جهله "جَهْلَلُ" يحوم من دار لدار، ويأكل من لحوم الناس، فيسُب هذا ويطعن في ذاك. وحتى إذا ما عارضه أحد أو عاتبه، قال: إن هو إلا حق، وما جِئت بشيء من عندي، ثم يذْرفُ دموع التماسيح ويَصِيح مظلــــــوم يا ناس مظلوم يا ناس.

كان في ما مضى من زمنه شقيا، يدّعي النبل، لكنه كان عبدا بكل التفاصيل. لم يُشتر من سوق النِّخاسة ولم يُسْبَ، بل، هو من وَسم نفسه أمام الأسياد بصفة العبيد، فكان يَنحني طوعا أمام من هُم أعلى منه، ينافق هذا، ويقبل يد ذاك، ويرجو منهم فتات الكلام والبسمات. وإذا ما سمحت له الفرَص جالسهم على أنه منهم، وقبل أن يرتدوا إليه بالطرف عاد إلى دَوْرِ العبد.

لم تفارق النظرة الخبيثةُ عينيه ولا اللون الأصفر مُحياهُ؛ يقولون إن اللون الأصفر للغيرة فمِمَّن كان يغار ؟

جاء في كتاب "تحفة النظار في تاريخ الأنذال" (*) لصاحبه عكرمة اللغوي :

"كان شديد الحقد لدرجة أنه في يوم من الأيام قصد صاحب ديوان الإنشاء فقال له: كيف يا سيدي تعطي كل واحد من والي الشمال ووالي جنة الأدغال وأميرة البساتين أربع عشرة ناقة فيما تعطيني ثلاث عشر ة؟ ألستُ بها أولى؟ وأنا من أكون في الطاعة والولاء. فثار غضب الوزير وأمر بقطع رأسه لولا تدخل الأعيان وتوسل كبير من قاضي القضاة".

وذكر كَلْبويه في "تراجم الأعلام المنكوسة" (*) واقعة الإحدى عشرة نخلة يقول:

كان عفا الله عنه، شديد الطمع، يجمع حدَّ الشبع ولا يشبع، معروف بالكذب، ينقل أخبار الحاشية ويزيد عليها، ويُثِير الفتنة بينهم.

كان مقربا من قاضي القضاة يتمثّل فِعله وخُلُقه، لكن التَّصنُّع يا سادة لا يصنع الرجال، فنِعم الطبع الذي دلَّ عن طِيبِ خُلُق وبئس تطبُّع دل عن نذْلٍ، وساعةَ الجِدِّ فُضح.

وقد حدث ذات مرة أن طلب السلطان من ذي الريَّاسة توزيع بساتين نخل على الرّعية، فقام ذو الرياسة ووزعَّ على المستحقين ممن رآهم أحق، إلى أن وصل إلى صاحبنا فأعطاه إحدى عشرة نخلة، فثار الطَّماع وراح يغدو ويروح بين السلطان وأمير المال والوزير وَصْلاَن وقاضي القضاة إلى أن خرَّت قدماه وجلس حاسر الرأس يندب حظه العاثر، فلم يكن ذو الرياسة ممن يتراجع عن قرارٍ ولو بأمر من السلطان نفسه.

لم يكن محبوبا من أحد وحار الجميع في طبعه الشيطاني وهم يتساءلون: كيف يتقبله أهله ويصْبِرون على هذه الأخلاق؟

ظل بقية حياته يتتبع عورات الناس ويقذف في هذا ويطعن في آخر، ويشتهي ما في أيديهم كأن لم يُرزق يوما خيرا ، والطمع ضر ما نفع.

والعِبرة يا سادة يا كِرام ليست بما تملك، بل بما يوزن به عقلك من فِكْرٍ وفِكَر، ونفسك من أخلاق وقيم.

= = = = =

(*) أسماء الكتب والأعلام لا علاقة لها بأسماء في المكتبة العربية وهي من باب الخيال لا غير.

D 25 كانون الثاني (يناير) 2015     A سعاد أشوخي     C 0 تعليقات

سعاد أشوخي

موضوعاتي

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  ناجي العلي: 25 سنة على رحيل الجسد

2.  المسرح وموروثنا الشعبي

3.  صراع الموت والحياة في رواية "في البال" لغصون رحال

4.  امرأة لكل المناسبات

5.  بطاقة تعريفية


القائمة البريدية