محمد جودي - الجزائر

المواطنة بين الدين والعلمانية: لبنان نموذجا

المواطنة في مجتمع متعدد القوميات والأديان والطوائف وإمكانية المعالجة بين الدين والعلمانية: لبنان نموذجا

يعتبر علماء الاجتماع المواطنة علاقة اجتماعية تقوم بين الأفراد والمجتمع السياسي (الدولة)، حيث تقدّم الدولة الحماية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للمجتمع عن طريق القانون والدستور الذي يساوي بين الأفراد ككيانات بشرية طبيعية. ويقدّم الأفراد الولاء (السياسي والعقدي) للدولة شريطة الحصول على حقوقهم(1).

ولتحقيق المواطنة (سلوكا حضاريا وإنسانيا)، على القانون أن يُعامل ويعزز معاملة كل الذين يُعتبرون بحكم الواقع أعضاء في المجتمع على قدم المساواة، بصرف النظر عن انتمائهم القومي أو طبقتهم أو جنسهم أو عرقهم أو ثقافتهم أو أي وجه من أوجه التنوّع بين الأفراد والجماعات.

وعلى القانون أن يحمي ويعزز كرامة واستقلال واحترام الأفراد، وأن يقدّم الضمانات القانونية لمنع أي تعديات على الحقوق المدنية والسياسية، إضافة إلى ضمان الشروط الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق الإنصاف.

كما أن القانون يمكّن الأفراد من أن يشاركوا بفاعلية في اتخاذ القرارات التي تؤثّر على حياتهم، ويجب أن يمكّنهم من المشاركة الفعّالة في عمليات اتخاذ القرارات الفعّالة في المجتمعات التي ينتسبون إليها(2).

مفهوم المواطنة بين الفكرين الإسلامي والعلماني

يعتمد الفكر الإسلامي في بناء مفهوم المواطنة على تبنيّ الروح الجماعية داخل جسم الأمة (الدولة) الاجتماعي والثقافي والديني، من خلال احتواء الروابط والعلاقات بصرف النظر عن نوعيتها تحت مصطلح جامع هو لفظ (الأمة) بعيدا عن التعصب لطائفة أو جماعة أو فرد معين.

ولذا ينتقد الفكر الإسلامي المعاصر الفردانية المفرطة التي تدعو إليها فلسفة ما بعد الحداثة، والتي تتضمن الذهاب بالحرية الفردية إلى أقصى مداها، ما تجعل الفرد يتحول من كائن اجتماعي إلى كائن بيولوجي يسهل إخضاعه والسيطرة عليه. وتُحوّل المجتمع إلى كيان ذري تتلاشى فيه ثقافة الجماعة، ويفقد فيه الاجتماع الإنساني في النهاية بعده الأخلاقي(3).

ويرى عبد الوهاب الأفندي أن مصطلح مواطن يرد للدلالة على الفرد الكامل العضوية في المجتمع السياسي، له حقوق وواجبات، وله ما يعادله في المصطلح الإسلامي التقليدي وهو كلمة "مسلم". ويرجع ذلك إلى أن هوية المجتمع الديني والسياسي في بدايات المجتمع الإسلامي كانت من المسلمات، حيث يتمتع الفرد بحكم كونه مسلما بعضوية فورية وكاملة في المجتمع السياسي وبالمعنى الإيجابي للمواطنة النشطة(4).

تمثل المواطنة في العالم العربي مشكلة حقيقية، جعلته يعيش حروبا أهلية وصراعات طويلة بسبب تعدد دياناته وتنوّع طوائفه وطبيعة خطابات الهوية والانتماءات/الولاءات المتداخلة فيه، ما جعل مبدأ المواطنة مُغيّبا؛ فبدل أن تقود الهوية إلى الدولة، تسعى الدولة لخلق الهوية. وبدل أن تغدو الدولة عامل توحيد للمجتمع، تتحوّل إلى عامل تفتيت له(5)، باستغلال المأزق الاجتماعي والثقافي للمجتمع، من خلال اعتماد خطابات تحريضية بين الطوائف والمذاهب والثقافات المختلفة، لإضعاف المواطنة وتكريس الولاءات العدوانية والانتقامية داخل كيان الدولة.

وعليه نعتبر غياب المواطنة في العالم العربي رغم استيراده للرؤية العلمانية (تمجيدا للحريات) أمرا حتميا في ظل تعدد مستويات الهوية (العقدية والطائفية والثقافية)، ما جعل قيام الدولة المدنية في العالم العربي فكرة يصعب تحقيقها في ظل استيراد فكرة المواطنة التي لا تنتمي للفكر العربي الإسلامي، حيث يرى محمد أركون أن مفهوم الجماعة السياسية في الإسلام يخلو من أي محاولة لتطوير "سياق المواطنة كشرط ضروري ليس لنشوء حكم القانون فحسب، بل لظهور المجتمع المدني الذي يستطيع السيطرة على الدولة". ولهذا جاء الإسلام تأكيدا على أن أهم أسس المواطنة وحقوق الإنسان هي المساواة نابذا كل أشكال التمييز على أساس الجنس أو اللون أو العرق أو الثقافة أو الفكر، مؤكّدا على أنه متى توفرت الجماعية في المواطنة (الروح الإسلامية) يصبح المجتمع مجموعة من المؤسسات أو الإنجازات التي يأخذها المواطنون من أجل أن يعملوا بطرق جماعية وليس فردية لتأدية بعض الأغراض الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية في إطار القانون وبكامل الاستقلالية في القرار، وهذه تسمح للمواطنين أن يبرزوا ويُنفّذوا أفكارهم في صالح المجتمع وفي صالح الأفراد(6).

ويذكر الباحثون أن أوروبا قبلت فكرة المواطنة منتصف القرن السابع عشر درءا للفتن بسبب تنوّع الشيع الدينية، بعد أن تقوّضت سلطة الكنيسة الكاثوليكية، واستمرت الفتن حتى بلغت حدا من الشدة حمل الناس على أن يقبلوا، ولو ببطء وتردد، أن يتجاوزوا الاعتقاد الديني إلى مبدأ المواطنة، وأن يسلموا بمبدأ آخر، هو الاختلاف في العقيدة الدينية أو غيرها من الاختلافات التي لا تحول دون الانتساب إلى مواطنة مشتركة، ليمثّل مبدأ المواطنة أساس عملية الاندماج الوطني في الدولة الحديثة، كما كان المدخل إلى إرساء أسس النظام الديمقراطي بفتح مجال للحريات الفردية (الثقافية الدينية)(6).

ارتبطت الرؤية الغربية لمفهوم المواطنة الديمقراطية على النزعة الفردية ضد الكنيسة وحكم الملوك الأخلاقي، من أجل تقييد سلطانهما وردهما إلى الشعب، أي تحوّل موازين القوى (القوة، السيطرة، الثروة) في الغرب تحت مظلة الإيمان بالإنسان فردا مكرّما إلى الجماعة قيمة مصدرية للحقوق والحريات، وحتى في الوقت الذي تبنى فيه الغرب موقع الريادة لنشر حقوق الإنسان والدفاع عنه بعقد المجالس والهيئات القضائية والإدارية والإعلامية والاقتصادية لصيانتها والترويج لها في العالم(7).

ولذا قامت العلمانية برفض سيطرة الجماعة على حساب الحريات الفردية باسم الدين أو مصلحة الأمة (في المفهوم الديمقراطي لصياغة نموذج الدولة الحديثة)، لأنها ترى فيها مصدرا لمصادرة الحقوق والحريات وفرض الأنظمة الديكتاتورية، الأمر الذي جعل روّاد المواطنة ينزعون إلى تبني النزعة الفردية لتجاوز العلاقات والروابط والهويات الاجتماعية كالقومية والدينية والعشائرية والمذهبة والإثنية، ولا يعني إنكارها بقدر ما يعني إعادة ترتيبها في الحس العام، ليكون الانتماء الوطني مُتقدّما على الانتماءات الهامشية الأخرى.

إن سيادة هوية اجتماعية أو ثقافية أو دينية في الفكر العلماني ضمن تعدد لمستويات الهوية (مثل النموذج اللبناني) هو إحدى المشكلات الكبرى التي لا تؤدي إلى غياب مبدأ المواطنة فحسب، بل وتقوّض بناء الدولة أيا كان شكلها.

وتبدو هذه المشكلة متجلية في العالم العربي لدى أبرز تيارين في الفكر العربي الإسلامي الحديث والمعاصر؛ وهما "التيار القومي" و"التيار الإسلامي".

المواطنة اللبنانية بين الآمال والواقع

يمثّل لبنان نموذجا لمواطنة (علاقة اجتماعية) تجمع بين أطياف مجتمع متعدد ضمن نطاق الدولة الواحدة، رغم الأزمات والنزاعات المتلاحقة في تاريخه، لأنه بلد يتمتع بخصوصية اجتماعية وثقافية ودينية؛ إذ يضم ثماني عشرة طائفة ضمن ثلاثة أديان سماوية، لها خصوصياتها التاريخية والاجتماعية والثقافية. الأمر الذي جعل هوية المجتمع تتجمع تحت مظلة العيش الواحد والانفتاح على الآخر عبر قراءة واستيراد تجارب ديمقراطية غربية لوأد الفتن والاحتقان.

إلا أن إشكاليته تكمن في تداخل مرجعيات مختلفة في رؤيتها لمفهوم المواطنة بسبب التنوّع الديني والطائفي والقومي والثقافي، حيث تُوظَف فيه المرجعية الدينية والرؤية الغربية (ممثلة في الفكر العلماني) لصياغة نموذج الوحدة في وقت متزامن، ما أدى إلى انقسام المجتمع ودخوله في صراع كلّفه ضياع اللحمة الوطنية، ورغم أن فكرة التعايش قديمة داخل بنيته الدينية والاجتماعية، إلا أن الرؤية العلمانية الحديثة تناسبه في تحقيق مجال واسع للحريات والطوائف والقوميات الثقافية والفكرية، التي لا يعارضها الفكر الديني في لبنان (خاصة الإسلامي المنفتح على الآخر).

إلا أن تميّز المجتمع اللبناني بتكوينه الاجتماعي الحضاري والإنساني جعله ضحية أدخلته في صراع وأجندات تنافسية بين قوى داخلية وخارجية، لأن "الفروق بين الحضارات ليست فروقا حقيقية فحسب بل هي فروق أساسية، فالحضارات تتمايز الواحدة عن الأخرى بالتاريخ واللغة والثقافة والتقاليد والأهم الدين. وللناس في الحضارات المختلفة آراء متباينة عن العلاقات بين الله والإنسان، والفرد والمجموعة، والمواطن والدولة، والآباء والأبناء، والزوج والزوجة. وآراء مختلفة عن الأهمية النسبية للحقوق والمسؤوليات، والحرية والسلطة، والمساواة والتسلسل الهرمي. وهذه الفروق نتاج قرون ولن تختفي سريعا، إنها فروق أساسية بدرجة أكبر من الاختلاف بين العقائد والنظم السياسية. وتلك الاختلافات لا تعني النزاع والعنف بالضرورة"(8).

وإذا كان لبنان نموذجا للتعدد الديني والطائفي والقومي، فإن فكرة المواطنة والانتماء للوطن الواحد شكّلت تحديا لقيادته السياسية في تنبني فكرة التعايش تحت حكم سياسي موحّد، مع احتفاظ كل مجموعة بهويتها وتقاليدها وقيمها وأنماط عيشها وعاداتها وأعرافها الخاصة(9)، حيث يحمل هذا التنوّع احتمالين: إما الوفاق أو الصدام بين هذه المجموعات(10) في ظل تزاحم الرؤية الدينية والعلمانية في بلد جمع بين التناقض في الرؤية والصراع والمعالجة والحلول.

ومما سبق ذكره يمكن أن نستشهد على تأكيدنا بالوقوف على عدد سكان لبنان، حيث بلغ عدد المسلمين سنة 2011 ما يفوق 1.951.669 بنسبة 65.47%، في حين بلغ المسيحيون 1.024.038 أي 34.35% من إجمالي السكان، موزعين على طوائف وفرق مختلفة (11). وتدل هذه الأرقام على وضعية غير مستقرة، جعلته في حالة انشطار وانقسام في صياغة تاريخ عام وموحّد، الأمر الذي جعل التاريخ الوطني مغيّبا بتواريخ تبريرية وطائفية وعائلية، لإبراز موقع الجزء من الكل "الوطني"، ما أوصل البلد إلى أتون فتن طائفية ومذهبية وحروب أهلية مثل حرب 1975، خدمة لفلسفات طائفية-سياسية(12).

لقد جعل التعدد الديني والثقافي لبنان بلدا مفتوحا على النزاعات الداخلية والتدخلات الخارجية والحروب الأهلية التي لم تنته فصولها. ويرى كريم مروة أن زعامات الطوائف لجأت إلى "قوى خارجية لكي تُثبت مواقعها وتُؤمّن مصالحها باسم طائفتها وباسم المنتمين إليها دون استشارتهم، ما أدى إلى تشويه المنتمين لتلك الطوائف بعد الاستقواء عليها بقوى خارجية، ما جعل لبنان عصيا أن يكون وطنا واحدا، رغم أن الدساتير الثلاثة (دستور الانتداب 1926، ودستور الاستقلال 1943، ودستور الطائف 1989) أكّدت جميعها على ضرورة الخروج من أسر النظام الطائفي.

ورغم ذلك ازدادت، بدل أن تضعف، الاصطفافات والاستنفارات الطائفية وبلغت ذروتها. وفي الوقت ذاته عجزت القوى الديمقراطية العلمانية (الشيوعي والاشتراكي والبعثي والقومي العربي والقومي السوري) عن لعب دورها في توحيد الشعب وفق مشاريعها العلمانية، رغم نضالاتها على امتداد أكثر من نصف قرن. ولم تفلح في إيقاف المد الطائفي بهرميته من الأعلى (الزعامات) إلى الأدنى (جماهير الطوائف)، ولم تلفح في الحد من التدخلات الخارجية التي كانت وما زلت تعزز هذا الانقسام في المجتمع اللبناني، ويستخدمه كل من المُتدخلين الخارجيين المعلنة منها والمضمرة. بل إن هذه القوى العلمانية ذاتها قد وقعت في الخطيئة الأصلية؛ خطيئة الحرب الأهلية، ومارست مثل القوى الطائفية الأساليب والسياسات ذاتها والاستقواء بالخارج، كل منها وفق ما تراه بالمفرد والجمع متطابقا مع مواقفها ومع سياساتها"(13).

لقد أنهى اتفاق الطائف عام 1989 الحرب الأهلية في لبنان وأذاب ببنوده الطائفية السياسية، من خلال انتخاب مجلس للنواب على أساس وطني (لتمثيل ديمقراطي غير طائفي). وبنده السابع يقول: "مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي يستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية". وقد أعلن قادة من مختلف الأطياف الفكرية والمذهبية دعمهم لهذه المقترح، والالتفاف عل حلول تناقش مسائل إصلاح المؤسسات وإلغاء الطائفية السياسية.

ولذا تبدو الخارطة السياسية في لبنان موزعة على ثلاثة مناصب تنفيذية هي رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس النوّاب، وتكون محجوزة للمسيحيين الموارنة والمسلمين السنة والمسلمين الشيعة على التوالي، حتى يتم تحقيق حلم الجمهورية الثالثة، من أجل حكم مجتمع يتألف من ثمانية عشر طائفة بطريقة تحمي حقوق الأقليات والتعددية الدينية وفق الجدول الآتي (14):

جدول أعضاء مجلس النواب اللبناني

يقول كريم مروة إن اتفاق الطائف شكّل نقطة عبور في تاريخ لبنان بعد الحرب الأهلية الطائفية، ونقله إلى نظام ديمقراطي حديث، استنادا إلى ما عُرف في تاريخ لبنان من تقاليد ديمقراطية أهمها الحرية بكل جوانبها، وتداول السلطة في ظل الحرب الأهلية، وهي تقاليد انفرد بها لبنان رغم أزماتها، متميزا بذلك عن كل البلدان العربية.

لكن ما عطّل هذا هو الوصاية السورية على لبنان، ودخول حزب الله عام 1985 اللعبة السياسية والمقاومة في الجنوب، فتنامي الدور السوري والإيراني في لبنان(15). وهو ما جعل لبنان بلدا مفتتا ومواطنته تضيع بين الولاء للطائفة والعقيدة على حساب الوطن، فأضاع مواصفات المواطنة الحقيقية في الدولة اللبنانية التي يترتب عليها الالتزام بالأنظمة والقوانين واحترامها من جهة، وممارسة العمل السياسي والمدني من ناحية أخرى.

إن فشل الحل التوافقي في لبنان بين الرؤية الإسلامية (تمكين الجماعة) والتصور العلماني (تمجيد الفردية) جعل المواطنة مفتتة وغير مستقرة، لأن الرؤية الدينية السليمة تم تغييبها لصالح الولاءات الطائفية والمذهبية، بينما الرؤية العلمانية المستوردة أكّدت على ترسيخ الديكتاتورية والعنصرية وخدمة مصالح طبقات معينة على حساب المصلحة الوطنية.

إن السبب الذي جعل المواطنة العلمانية (الاستعمارية) في لبنان غير متحققة وفعلية هو خصوصية المجتمع من ناحية الدين والثقافة النفسية والاجتماعية. ولذلك فشل روّاد العلمانية في إذابة الخصوصيات والفوارق الاجتماعية في بناء المواطنة وفق نسق قيمي كوني، لأن القسم الأكبر من الثقافة (التكوين الثقافي) إنما هو مقومات جوهرية من العسير تغييرها سواء كان ذلك بفعل الصراع أم بفعل التلاقح الذي تفرزه العولمة(16).

معالجة المواطنة في لبنان

يمكن معالجة فكرة المواطنة في لبنان (تربية المواطنة والهوية) بالجمع بين الدين والعلمانية (الجمع بين التوجه الجماعي والحرية الفردية) ضمن نسق مناسب للخصوصية اللبنانية المنفتحة في مشروع نادت به "مؤسسة أديان" في أوساط المجتمع (وهو رؤية علمية تربوية أخلاقية)، حيث جاء في كلمة وزير التربية والتعليم حسان دياب:

"أن التربية على المواطنة تسهم في الوقاية من انتهاكات حقوق الإنسان، فهي استثمار في اتجاه إقامة مجتمع عادل يحظى فيه الأفراد بالتقدير والاحترام. وهي استجابة لأسلوب تربوي حديث، يتعلق بالدعوة إلى انفتاح المؤسسة التربوية التعليمية على محيط الشباب وما يتضمنه هذا المحيط من قيم وسلوك"(17).

يهدف برنامج "أديان" إلى تطوير السياسات التربوية إلى تعزيز اللُحمة الاجتماعية، فضلا عن تطوير مفهوم المواطنة ما بين الثقافات (الديانات والمذاهب)، وتعزيز المعرفة حول التنوّع الديني، واكتساب منهجية للمقاربة الإيجابية والموضوعية، ما يحمل ذلك من غنى وتحديات لدى الشباب في لبنان، مما يمكّنهم من مقاربة الهوية اللبنانية الجامعة والمحافظة عليها والاعتزاز بها، شرط أن تخضع لمبادئ مهمة ضمن هذا النطاق، وهي: التدريس المبكّر للمبادئ التي ترتكز عليها هذه التربية؛ وتطوير مشاريع اجتماعية واقتصادية في البنية المحلية وتشجيع المُتعلّمين على المشاركة فيها، لأهمية ذلك في صقل مهارات العيش المشترك وتثبيت القيم في النفوس(18).

أطلقت مؤسسة "أديان" مشروعها الجديد خلال عام 2104، وكان ضمن برنامجها الجديد تأليف موارد تربوية، تعزز التلاقي في شكل كتب وبرامج للهواتف الذكية، تستند إلى المسيحية والإسلام، ما يؤمّن الخروج من الثنائيات المتعارضة في الذهنية العامة؛ مثل المواطنة والدين، أو المسيحية والإسلام، أو الغرب والشرق. فالبرنامج من ناحية المضمون يعمل على بناء قاعدة دينية لمفهوم المواطنة والشراكة مع الآخرين في الحياة العامة (باعتماد فكرة التنوّع في الفكر الديني إلى جانب الحرية الفردية والثقافة والدينية والاجتماعية في الفكر العلماني في شكل حل توافقي بين النموذج الإسلامي والديمقراطية الحديثة)، ليظهر بأن الفهم الصحيح للدين لا يتعارض مع قيام مجتمعات متعددة ثقافيا ودينيا وموحدة وطنيا، ما يضمن رعاية تربية سليمة للمواطنة في لبنان في ظل تداخل المرجعيات الدينية والمفاهيم العلمانية الديمقراطية خدمة لتماسك الوطن وعدم انهياره اجتماعيا وثقافيا وأخلاقيا(19).

وبناء على ما سبق، يمكن القول إن المواطنة سلوك حضاري اجتماعي، يمكن تطبيقه والعمل به ضمن نطاق المجتمع (الدولة/الأمة)، للتمكّن من صياغة قانون للحقوق والواجبات. وإن صعوبة الجمع بين الفكر الإسلامي والفكر العلماني والفشل في وأد الطائفية بلبنان ليست متأتية من تعارض التيارين، لأن كليهما يؤكّد على ضرورة احترام التعددية الدينية والمذهبية والثقافية في المجتمعات، وهو ما ينعش مبدأ التعايش. إلا أن المشكل الذي يعترضهما هو تسريب فكرة عدم تواءم الفكر الإسلامي مع النموذج الديمقراطي العلماني لاختلاف الرؤية بينهما، غير أن الرأي الصحيح في تمجيد الحريات ضمن نسق الجماعة لا يلغيهما، ولا يفكك خصوصية المجتمع اللبناني.

ويمكن الخروج من الهواجس الطائفية والمذهبية في الوطن اللبناني عبر اعتماد مشروع "مؤسسة أديان" تأكيدا على فكرة الجمع بين الفكر الإسلامي والفكر العلماني، حيث تسعى إلى انتهاج أسلوب تربوي تعليمي أخلاقي في الجمع بين أطياف المجتمع اللبناني برؤية عصرية، تهتم بمعاينة إيجابيات التنوّع عبر سنِّ مبادئ واضحة في هذا المجال، خدمة للتلاقي الديني والثقافي داخل لبنان وخارجه، مما يعزّز مفهوم المواطنة والشراكة بين المواطنين.

= = = = =

الهوامش

1= مجموعة مؤلفين، السلوك الحضاري والمواطنة، تحرير إدوارد يس، ترجمة سمير عزت نصّار، دار النشر والتوزيع، عمان، 1995، ص 90.

2= علي خليفة الكواري، مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية (الاجتماع السنوي العاشر لمشروع دراسات الديمقراطية)، أكسفورد، إنجلترا، 26/08/2000.

3= قاسم شعيب، فراغات ما بعد الحداثة ومحنة الإنسانية المعاصرة، مجلة إنسان، العدد 6، ص 40.

4= عبد الوهاب الأفندي، المفهوم التقليدي للجماعة الإسلامية في الإسلام، المستقبل العربي، ع2، 2001، ص 148.

5= أحمد البرقاوي، العرب والعلمانية، مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان، فلسطين، ص 65.

6= مجموعة مؤلفين، المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، ط4، بيروت، ص 159.

7= عثمان العامر، المواطنة في الفكر الغربي المعاصر (دراسة نقدية من منظور إسلامي)، مجلة جامعة دمشق، مجلد 19، عدد 1، 2003، ص 259.

8= صامويل هنتجنتون، صدام الحضارات، مركز الدراسات الإستراتيجية والبحوث، بيروت، 1995، ص 20.

9= أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، ط2، 1982، ص 68.

10= حليم بركات، المجتمع العربي المعاصر (بحث استطلاعي اجتماعي)، ط4، بيروت، 1991، ص 15.

11= الواقع الديمغرافي في لبنان، المركز اللبناني للمعلومات، لبنان، 14 كانون الثاني 2013.

12= عبد الرؤوف سنو، لبنان حتى مطلع القرن الحادي والعشرين (قراءة في تطور ومقومات التعايش الطائفي وممارساته)، الجامعة اللبنانية، ص 23.

13= إسحاق الشيخ يعقوب، لبنان سيخرج من النفق المظلم، حوار مع الكاتب والمفكّر اللبناني كريم مروة، جريدة الأيام البحرينية، نوفمبر 2009.

14= إلياس مهنا، إنشاء مجلس شيوخ لبناني (الثنائية البرلمانية والجمهورية الثالثة)، جامعة بروان، أوت 2012، ص 2.

15= إسحاق الشيخ يعقوب، الحوار نفسه.

16= عثمان العامر، المرجع نفسه، ص 225.

17= مؤسسة أديان، الشرعية الوطنية للتربية على العيش معا في لبنان في ظل المواطنة الحاضنة للتنوّع الديني، 13/03/2013.

18= مؤسسة أديان.

19= جريدة المستقبل، التغطية الصحفية لمشروع مؤسسة أديان، 27/05/2013.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3306552

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC