هدى أبو غنيمة - الأردن

قراءة في رواية مولانا

رواية "مولانا" لإبراهيم عيسى وغواية الضوء الأحمر

هدى أبو غنيمةترصد هذه الرواية التحولات في المجتمع المصري خاصة والعربي عامة، تلك التحولات التي أحدثتها العولمة وثورة الاتصالات ونتائجها على المجتمعات العربية المأزومة حضاريا، بتأثير تداعياتها وأبرزها ظهور الإسلام السياسي والنزاعات العرقية والطائفية في العالم كله، مما جعل من الخطاب الديني في المجتمعات العربية سلعة تجارية إعلامية سياسية استحوذت على مساحة كبيرة من الإعلام المرئي المؤثر في توجيه الرأي العام .

كما أن نزعات العولمة في تناول المقدس ونقده بوجهات نظر مادية قد ظهر أثرها في الفنون السردية في الغرب والشرق مثل رواية "شيفرة دافنشي" لدان براون الأمر الذي يضع الكاتب العربي في مواجهة تحديات البحث عن طريق التنوع الثقافي للخروج من بين شقي الرحى العولمة المتوحشة، والأصوليات المناقضة لها.

وصلت الرواية عام 2013 إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية ولم تفز بالجائزة، لكنها تلقى رواجا جماهيريا واسعا رغم ضخامتها البالغة 582 صفحة، ولعل مرد ذلك إلى كونها بثا إعلاميا مباشرا أكثر من كونها فنا سرديا يكلف القارئ جهدا فكريا أو لغويا، وكأنها مسلسل تلفزيوني ممتع يسجل ما يجري في كواليس عالم الأضواء، عالم الميديا، فقد استثمر المؤلف إبراهيم عيسى قدراته الإعلامية وخبراته في تقديم شخصية الشيخ حاتم الشناوي كرمز لشيوخ الفضائيات.

من هو الشيخ حاتم؟ هو رجل دين عالم نشأ في أسرة متواضعة الحال، وعمل خطيبا في الأوقاف تميز بشخصية جذابة خفيفة الظل قربته من الجمهور، ونجح في لفت انتباه الناس إلى حلاوة خطبه الدينية واستحوذ على حواسهم بصوته المؤثر وهو يقرأ آيات القرآن الكريم في المساجد والاحتفالات الدينية ومجالس العزاء أو مجالس كبار رجال الدولة أو المرشحين للانتخابات من ذوي النفوذ والمال لإضفاء هالة دينية مقنعة للعامة على مجالسهم، الأمر الذي يؤهله ليصبح نجما إعلاميا يقبل على برامجه، التي تدر أموالا طائلة على منتجيها جمهور عريض من الناس، بل يرى بعض العامة البسطاء أنه صاحب كرامات، فيتبركون به لعله ينقذهم من فقرهم وعوزهم وهامشيتهم، بما يملك من مكانة اجتماعية، وعلاقات مع كبار رجال الدولة والأمن الذين يستثمرون الدين حسب مصالحهم.

في بداية بزوغه الإعلامي الأولى، وهو في حيرة المسافة بين الروح وغواية الضوء الأحمر، يدور الحوار التالي بين الشيخ حاتم وأبيه:

"وهوّ أنا شيخ يا بابا؟"

"إذن أنت إيه؟ إذا لم تكن شيخا فماذا تكون؟ أنت تحفظ القرآن، وتتلوه، وتؤم الصلاة، وتخطب في الناس، وتحفظ الفتاوى، وتفتي، وتملك ذخيرة من قصص السيرة تضعك في مصاف الشيوخ ولا شك، بل نجاحك مع الناس يضعك في مقدمتهم".
وتنهد وهو يبوح بما لم يبح به حتى لنفسه صراحة وراحة:

"وهل هذا يبقى شيخا؟ هذا موظف بدرجة شيخ . عارف أنا إيه يا بابا؟ أنا تاجر علم" (الرواية ص11).

كان الشيخ حاتم في لحظات الصدق مع نفسه، يود لو تعود إليه ذاته وكثيرا ما ضبط نفسه محدقا في سقف غرفة نومه، منتظرا بروق الضوء الأحمر كي يلبس نفسه المستعرضة وكأنما تاهت نفسه الحقيقية، وتاه عن ملامحها.

غلاف رواية مولانا"عندما يتأمل هذا الضوء الأحمر، الذي ينير مستطيلا فوق الكاميرا، يدرك تأهب المستعرضين للاستعراض. هو الضوء الذي حين يظهر، يفجر تلك القدرة الكامنة على التلون. الكل يتحول بهذا اللون الأحمر القاني فيحمر، بين كونك كائنا بشريا، وبين تبدلك كائنا استعراضيا تلفزيونيا [...] لم يكن يعاني منذ جلس أمام هذا الضوء من أي من معوقات الجلوس الأولى. كثيرون يعوزهم وقت حتى يتكيفوا مع اللون الأحمر، حتى يتحولوا، فيتحركوا بالضوء الأحمر، كائنات تنتظر هذا الضوء فوق الكاميرا، تعلن أننا في بث مباشر حتى تلبس نفسا غير نفسها، أو صوتا أو روحا غيرها، فتتمكن من الجلسة وتستكمل العبودية الآسرة للضوء السحري، لكنه هو الشيخ حاتم.. كان من اللحظة الأولى كائنا مدربا [...] فهو يتابع هذا الضوء كعباد شمس" (الرواية ص 12، 13، 14).

كان مدركا أن العلم يصدم العامة والساسة، فهو يقدم قشوره مستثمرا خفة ظله، وقدرته على تقديم ما يطلبه الجمهور والمنتج وسياسة الفضائية، وما يريده هو من مكسب مادي ليصبح ناقلا لإسلام الهوى والسياسة لا إسلام الحق والحقيقة.

لكن "مولانا" رغم إمساكه بخيوط العامة والساسة والمتنفذين من رجال أمن الدولة، يفشل في إحداث تغيير في المجتمع، والدعوة إلى مشترك إنساني بين الطوائف في المجتمع، ويفشل في إقناع الشاب حسن أو بطرس أخ زوجة ابن الرئيس بعدم التحول عن دينه نتيجة الاضطراب النفسي والاحتجاج على استبداد التقاليد الأسرية والاجتماعية وفسادها.

نكتشف في نهاية الرواية أن الشاب حسن كان منتميا إلى جماعة إرهابية ويناقض كل أفكار التسامح التي بثها فيه الشيخ حاتم مخدوعا بحقيقة اتجاهاته بعد أن حاوره طويلا. ومن خلال الحوار قدم الكاتب وجهات نظر على لسان الشيخ عن تطور الفكر والمذاهب الإسلامية التي نشأت تحت قصف السياسة في ظل الدولتين الأموية والعباسية مظهرا ميله إلى فكر المعتزلة.

كذلك يعجز "مولانا" عن علاج تعاسة حياته الخاصة الزوجية، نتيجة فقدان ابنه الوحيد لذاكرته إثر حادثة غرق. ويزداد وضعه سوءا حين يكتشف خيانة زوجته له، نتيجة إهمالها وتخبطه في شرك ثالوث السلطة والمال وتسييس الدين .

ليست هذه الرواية من روائع الأدب كما قيل عنها، بأنها عمل ملحمي في مصاف "قصة مدينتين" لتشارلز ديكنزأو "الحرب والسلام" لتولستوي أو "دكتور زيفاجو" لباسترناك، لكنها رواية تقتحم الخطوط الحمراء، وتكشف بجرأة المسكوت عنه في السياسة والمجتمع والإعلام وردة فعل السلطات تجاه من يخالف جزءا من القوانين، التي تتحكم في تسيير المجتمع وتثير قضايا خطرة في الموروث الديني والسيرة النبوية. وهي رغم بثها قضايا جدلية، لكنها لا تكلف القارئ أعباء فكرية فلسفية أو كثافة لغوية شعرية أو تعمق في النوازع البشرية.

ولعل وصولها إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر قد ارتبط بالهاجس السياسي المؤثر في كل الجوائز حتى جائزة نوبل، وهذا لا ينفي الدوافع الخيرة لدى مؤسسي جائزة البوكر أو جوائز الدولة في العالم، وكذلك لا ينفي قدرة الكاتب على تقديم شهادة دامغة على العصر بأسلوب إعلامي ممتع.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2904189

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC