محسن الغالبي - السويد

خمسون


محسن الغالبيكنت مستلقيا على الأرض وحيدا كعادتي، أقرأ في كتاب، حين حلقت روحي مبتعدة عني كأنها تبحث عن أمر ما، أو أمريء ما. لم أعترض طريقها ولوحت لها بأطراف أصابعي أني في الانتظار.

جرجرت جسدي نحو أوراقي المتناثرة هنا وهناك. جررت ورقة وقلما، وشرعت في التدوين، هذه الرغبة التي افتقدتها منذ شهور، عادت إليّ الآن وكأن روحي هي التي كانت تكتم روحي ورغباتي... لا أظن.

قضيت الليل بطوله أدوّن ما خطر ببالي في عفوية أقرب إلى السذاجة منها إلى الفطرة. كنت حريصا على أن أكون منظما في تدويني ومرتبا. وظللت أدوّن دون كلل حتى انقضى من الليل شطراه أو أكثر. وحينما سمعت همهمات وهمسات أدركت أنها عادت. لم أبال كثيرا لعودتها، فقد اعتدت وإيّاها لعبة الهجران والعودة.

أشحت ببصري إليها وقابلتها بابتسامة شبه ساخرة. قلت لها: هل بلغت مبتغاك إذا؟ قالت لي اجمع ابتسامتك الساخرة كي أجيبك. وأنت؟ كيف هدرت وقتك؟ ألا ترى الفجر على النوافذ؟ قلت لا أبالي فقد أقلعت عن الصلاة منذ زمن إذا ما كنت تقصدين ذلك. قالت أنا لا أبحث عن القشور، قل لي ماذا فعلت؟

أسرعت في نشر أوراقي وتدويني. خمسون ورقة غطت أرضية غرفتي ولم تدع لي حيزا للاستلقاء. قلت اقرأي أن شئت، لقد دونت كل شيء. كل شيء.

تسلل بيننا صمت رهيب أشبه بالموت، أو لعله أشبه بالحياة بلا عشق. شعرت بأن ابتسامة السخرية قد قفزت إلى شفتيها، أرادت أن تتحول إلى قهقهة صاخبة، كبتتها فتحولت إلى حشرجة أشاعت الرعدة في كل جوارحها. كانت شاحبة وشفافة إلى حد رأيت معه كيف تتفتق الجروح فيها وتنتشر.

رأيتها تحدّق في أوراقي الخمسين، تمعن النظر. لململت أجزائي وحاولت النهوض، تركت الاستلقاء وانتصبت واقفا قبالتها. أدهشني ما رأيت، كان كافيا كي أتقيأ لوعة وحسرة. كان كل ما دوّنت في أوراقي الخمسين ... مجرد خربشات.

تسمرت ُ واقفا، وتسمّرت عيناي في أوراقي ... في خربشاتي. لم أقو على الكلام وكأن الخرس قد عقد لساني.

هممت برفع عيني ّ فسبقتني دمعتان قد انطلقتا صوب الورقة الخمسين محدثتان فيها ثقبين غائرين.

قالت، وأنت؛ أردت أن تعرف إن أنا بلغت مبتغاي أم لا. بلى. لقد بلغت غايتي، ولم أبلغها.

لم أنطق ولكنها لمحت في ملامحي الحيرة. قالت نعم وجدت التي أبحث عنها، ولم أجدها.

لا أدري كيف جرفتني الريح إلى "تلمسان"، مكان لم أعرفه من قبل ولم أطأه. كل شيء هناك كان طازجا إلى ذاكرتي وبصري، شممت رائحتها في كل ركن، في الشوارع والأزقة، في البيوتات العتيقة، في الحقول وفي الحدائق.

كنت أتبع رائحتها مثل مجنون قد هدّه الجوع فأقتفى طيب الروائح. كنت أخط ورائي مساراتي باحثا عنها... وعني. وحين أيقنت أني ّ قد جبت المدينة كلها ولم يبق فيها محل إلا وقد خططت فيه مسارا من مساراتي، حلقت فوق المدينة كي أودعها. أتعرف ماذا رأيت؟ وهل تصدق ما أقول؟

حدقت في مساراتي كلها، فكانت عالما من الفوضى. لقد كانت خربشات مطابقة تماما لخربشاتك هذه.

رسم مرافق لقصة

D 26 شباط (فبراير) 2015     A محسن الغالبي     C 2 تعليقات

2 مشاركة منتدى

  • أ/محسن الغالبي تحية طيبة قصتك ملفتة للانتباه لما تحتويه في نسقها المضمر من مضمون مهم قلته بأسلوب غير مألوف وفبه طرافةوحداثة. بدا لي النص لوحة تجريدية فعلا ,وكأنك وأنت تكتب بالعربية متأثر بظلال قراءاتك بلغة أخرى فقد عبرت عن ضيق من فوضى هذا العالم من حولك والتعصب ولعل قراءتي ليست دقيقةوصائبة, وقد يرى آخرون فيها شيئامختلفا على أية حال هي قصة تلفت الانتباه شكرا لك مع تقديري.


  • الأخ محسن
    أحببت أن أعلق على الرسمة هذه المرة!
    فالحقيقة أنني لا أفهم مثل هذا الفن ولا أعرف كيف أفسره
    وتجدني أقف في المتاحف أمام اللوحات أميل برأسي يمنة ويسرة علّي أجد صورة قارب أو شجرة أو وجه إنسان..
    في المجلة أنتظر تعليق الأخت الصديقة هدى الدهان على لوحات الغلاف

    وهنا استمتعت حقا بقراءة الرسمة
    فشكرا لك


في العدد نفسه

كلمة العدد 111: بدء العام الدراسي 2015

الأدب الجزائري القديم ج2

جغرافية اللغة ونظم المعلومات

أعمدة الأدب العربي

رجل بين أوراقي

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  قصتان: مهذب ومتسخ + لماذا لا يرتاح؟

2.  من تواضع ارتفع

3.  الدائــــرة الضيقـــــة

4.  ضاعَتْ بينَ الرُّكامْ

5.  فوضى الذاكرة


القائمة البريدية