مبروكة بوهودي - تونس

قراءة في فن عبد المجيد البكري

التشكيلات الخطيّة الزخرفيّة والتشكيلات الهندسيّة في تجربة عبد المجيد البكري

مبروكة بوهوديقبل أن نتطرق إلى تحليل بعض النماذج التشكيلية التي تخص هذه المسألة، وجب أولا التعريف بالعلامة الخطية باعتبارها من أهم العناصر التشكيلية في تجربة الفنّان التونسي عبد المجيد البكري، وتعد ابرز المفاهيم الرئيسية التي بنى تجربته التشكيلية عليها∙

تعرف العلامة في معجم "المحيط" للغة بأنّها «السمة والإمارة׃ لهذا الشخص علامات مميزة· والعلامات ما ينصب في الطريق وغيره فيهتدى به»[1]. وتعرف في "معجم الألفاظ الجمالية" بأنها «إشارة، صفة مميزة تستعمل للتمثيل، أو الدلالة على شيء»[2].

وترتبط العلامة بالإشارات والحركة والإيماءة، وتعتبر المسافة إلى الشك والشرط وكل ما يعبر عنه بالصيغ الإنشائية، ومنها الرجاء والتمني والأمر، وهي موضوعات شعورية.

إذن هي مجرد أداة أو وسيلة لخدمة الفعل، وتفهم متى استخدمت الإشارة إلى الموضوع أو الموقف الذي تدل عليه، بخلاف الرمز الذي يفهم متى جعلنا نتصور الفكرة التي يقدمها.

من هنا ندرك أنّ العلامة ليس لها معنى متى تأملناها في ذاتّها، وإنما تستمد هذا المعنى أو ذاك من الأمر الذي نتفق على أن نستعملها للإشارة إليه، وبناء عليه استبدال علامة بعلامة أخرى من نفس الحقل دون أن يتغير المعنى·

والعلامة بنظر بيرس[3] «شيء ما قائم لشيء آخر ومدرك أو معبر عنه شخص ما»[4]. ويضيف أن العلامة لا تتناول الموضوع بحد ذاته مباشرة بل من ناحية ما، رغم أن علاقتها مباشرة وليست إيحائية مثل الإشارة باليد للمناداة، فالعلامة شيء يكون لاحقا أو ملتصقا بشخص كعلامة دالة للتعريف به∙

أمّا التعبير فهو تصور آخر للموضوع تبعثه العلامة في ذهن الشخص المتقبل للعلامة، ويكون في شكل ردة فعل ظاهرة أو غير ظاهرة كما هي الصورة الذهنيّة∙

ويعتبر دي سوسير[5] أن «الدليل» اعتباطي، بمعنى أنّ العلاقة بين الدال (الصورة الصوتية مثلا) والمدلول (الصورة الذهنية) هي علاقة غير مبررة، بحيث لا يوجد بينهما ترابط ضروري وطبيعي، بل هو رهن إرادة الفرد ونتاج للتواضع والاصطلاح. وأكبر دليل على ذلك اختلاف اللغات أو تعدد المترادفات في اللغة الواحدة∙

وهذا بدوره برهان على الطابع الكوني للعلامة فهي لا تحتاج إلى لغة معينة، في حين أن الدلالة تبقى مرتهنة بتحولاتها الآنية والتزامنية[6].

وفي هذا المجال يتحدث اريك بيسان عن لغات غير اللغة المحكية، منها الإشارات المنتظمة؛ الإشارات الغير منتظمة؛ الإشارات الدالة (التي تزاوج بين الشكل والمضمون)؛ والإشارات المعرفية∙

ولعل تعريفنا للخط هنا يكون من قبيل ضرورة يستوجبها البحث باعتبار أنّ البكري قد استعمله كوسيلة في الرسم وفي الزخرفة، للمرور إلى تعريف العلامة الخطية∙

يقول رولان بارت إن الخط «حركة ظاهرة» وهو في الاصطلاح التشكيلي كما الهندسي׃ مجموعة من النقاط المتصلة أو المنفصلة، وغالبا ما تكون متصلة وممتدة في استرسال على مسار ما∙

أما ابن منظور فيرى أن «الخط هو الطريقة المستطيلة في الشيء والجمع خطوط ، والخط׃ الكتابة ونحوها مما يخط وهو أيضا الطريق، وخط القلم أي كتب وخط الشيء يخطه خطا׃ إذا كتبه بقلم أو غيره والتخطيط هو التسطير» [7].

والخط في نظر بول كلي من جهة ما وحدة قياس. وللخط تمظهرات ووضعيات تعبير لثرائها وعمومياتها قد تفلت من التحديد والحصر∙ فأنواعه تتراوح بين المستقيم والمنكسر والمنحني∙ واتجاهاته من المائل إلى الأفقي فالعمودي∙ أما خاصياته فهو الداكن والفاتح، السميك والرقيق، المتواصل والمتقطع، اللين والصلب، النابض والساكن∙

ومن هذا التعريف نخلص إلى أن العلامة الخطية [8] ذات طبيعة مرئية، وتشمل كل العلامات أو التخطيطات المحمولة على مسطح، لعل قاعدتها يكون الخط والنقاط كما رأينا∙ ثم تأتي الحروف والأعداد والأشكال المرسومة بأداة خطية، كالقلم والمنضدة على مسطح، ولها عدة وجوه باستعمالات وخصائص متباينة∙

إن استحالة موروث إسلامي إلى فنّ تشكيلي، وتحويله إلى عمل تشكيلي معاصر يبدو لنا في بداية المطاف عملا سهلا. لكن عند ممارسته يجد بعض الفنانين التشكيليين نوعا من الصعوبة وذلك خوفا من الوقوع في المحاكاة والتقليد·

لنا أن نتدبر فن البكري من داخل الاستحالات التي يعيشها الشكل. وحري بنا أن نرتقي ها هنا، بفعل التحويل الذي يمارسه الفنّان الصانع، إلى فعل الاستحالة الذي تمارسه العلامات نفسها في كيانها، بعد انصهارها في أتون الفعل ومخالطتها للمواد والخامات المختلفة، عسى أن نلامس أو نتحسس من خلال مسار الاستحالة ذلك البناء الخلوي في التصور البيو­ فيزيولوجي لبنية العلامات.

هذا التصور يراهن على العلامات من حيث هي كيانات حية تولد وتتناسل وتتحول من طور إلى آخر على نحو ما. ويبدو أن عين المسألة هي كيف يمكن التنسيق بين فعل إنتاج العلامة التشكيلية وبين فعل إدراكها على مستوى القراءة؟ فهل تلتقي صناعة العلامة تشكيليا مع طريقة إدراكها في الفضاء؟

يشرح كمال بلاطة خصائص الحروف العربية في قوله: «في تأمل أشكال الحروف العربية وإيقاع تخطيطها في صفحة ما يمكن لنا أن نتقصى تقصيا كاملا خصائص النظام الذي يتسم بالتقسيمات الثنائية والثلاثية في بنيتي اللغة العربية والأرابسك، وتنجلي العناصر الثنائية في الخط العربي بشكل عام في كونه مركبا من الخطوط العمودية والخطوط الأفقية؛ منها ما هو فوق أفق خط الكلام ومنها ما هو تحته. ومن الأحرف ما هو متصل وما هو منفصل، منها المتميز بالانعطاف ومنها المتميز بالاستقامة. أما هذه العناصر الثنائية الضدية العامة، فان بناءها بأكمله يعتمد على تراكيب العناصر الثنائية إذ تكتب معظم الحروف العربية بناء على أوضاعها الثلاثة في الكلمة مثلما تتميز كراسي الحروف بنسق ثلاثي في التنقيط كما تقرب الألفاظ بنسق ثلاثي في التنقيط كما تقرب الألفاظ بنسق ثلاثي من الحروف»[9].

وعلى هذا الأساس يعتمد البكري على مجموعة من الحركات داخل الخطوط العربية والحروف التي تتقسم وتتجزأ ضمن منظومة من التعرجات الموجودة داخل التركيبة وتتحول بذلك من حروف إلى عناصر تشكيلية، وتتعدى ذلك لتستحيل مفردات تشكيلية متواصلة ومتجاوزة مكونة أشكالا تساهم في تدعيم الحركة داخل الفضاء التشكيلي، محدثة إيقاعات متواترة بين الانتظام واللاانتظام، إيقاعات تساهم في تحديد نظرة البكري إلى الموروث الإسلامي الذي استحال في حد ذاتّه إلى إبداع تشكيلي قائم على أساس الصورة والكتابة.

الحركة هنا ليست حركة متتالية بصفة تجعل عين المتلقي تشعر بالقلق حيال التركيبة، وإنما هي تساهم في ذلك التعدي من الفكر إلى المادة ومن الروح الأرضي إلى الروح السماوي. وفي هذا الإطار، ولكي يكون بحثي مستدلا بأعمال هذه الأفكار، سأقوم بتحليل بعض الأعمال التي تستجيب لإشكالية الصورة والكتابة من خلال تجربة البكري.

لوحة لعبد المجيد البكري
يحمل هذا العمل اسم «أسطوانة» أنجز سنة 1984 طوله خمسة 55 سنتمترا، وعرض 40 سنتمترا.

اعتمد البكري في هذا العمل على تقنيات مختلفة ومتداخلة فيما بينها تقوم على تقنية التلصيق وبطريقة "ﭭرافيزم"· من خلال هذا التمازج بين التقنيات تتواصل الأبعاد الدلالية والرمزية في إنشائية العمل الفني لدى هذا الفنان وذلك بربط العناصر التشكيلية والتوليدية لهذه الصيغ المبتكرة من خلال تقنية الفنان داخل التركيبة ومحاولة ربطها بالحقل الدلالي والمفاهيمي للإشكالية القائمة على الجدلية بين الخط والزخرفة المكونة للصورة التشكيلية.

هو تلاقح بين كينونة الفنّان وبين الماضي والحاضر وكيفية استغلال الماضي في إنشاء العملية الإبداعية في زمن الفنان بجملة من العناصر التحليلية الموجودة داخل التركيبة.

تمثل هذه اللوحة تركيبة خطية، تحتوي على مستوى البناء التشكيلي، خطوط مختلفة الأحجام والتقنية جسدت بطريقة عفوية، يتزاوج فيها كل شكل بشكل آخر ويحتفي فيها الفعل بالمادة، ولا نستبعد من تشكيلاتها فرضية تظل كل الاحتمالات واردة باعتبار أن أشكالها تتجه في كل أنحاء اللوحة بدون رقيب∙

وتوجد علاقة شكل وأشكال أخرى قائمة على أساس التناسق والتنوع والتوافق∙ ووحدة تربط بين مجموعة من الأشياء أو الألوان ويتم هذا التناسق على أساس اختيار الوحدات المكونة لهذه الشبكة∙ وهذا الفضاء تتولد فيه الأفكار وتتحامل معها ملكة اليد في انصهارها مع ملكة الفكر، فإن العناصر التشكيلية المعتمدة في بنائها هي قائمة على أساس الدال والمدلول، فهي علاقة بين الصورة والدلالة، بين المادة والمفهوم∙

لوحة لعبد المجيد البكري

اعتمد البكري إذن في جملة أعماله على خلفية تعتمد بالأساس على ألوان حارة مثل الأصفر والبرتقالي وألوان ترابية ذات درجات ضوئية، فنجد البني الداكن والفاتح وألوان شفافة مميعة مما يحدث علاقات بصرية مختلفة تساهم في إظهار جملة الأشكال المعتمدة من خلال الحروف∙ ويساعد اللون في إدماج الأسطوانة كشكل غير متغير باعتماد لون مغيّر للمنحى ككل∙

وفيما يخص علاقة الشكل باللون والفضاء فيمثل اللون في حد ذاتّه جملة من الفويرقات اللونية والضوئية المتتالية فيما بينها والتي تدعم عدة مفاهيم ضمن الحقل الدلالي التشكيلي∙

أمّا الكتابة فقد جسدت بالقيمة الضوئية المتمثلة في الأسود فهي تدل على الحروف العربية الأولى منذ بداية نشأتها والتي يكتبها النسّاخون عادة بالحبر الأسود أو بالصمغ∙ وزّعت على الفضاء بطرق مختلفة، فنجدها متراكمة، متراصة، أفقية وعمودية.

= = = = =

الهوامش

[1] المحيط، معجم اللغة العربية، المجلد الثاني، ص 878.

[2] Etienne Souriau, Vocabulaire esthétique, P. 512. Presse universitaires, France. «Indice, marque qui sert à représenter, a indiquer une chose».

[3] Charles Sanders Peirce, philosophe et physicien américain. Les œuvres principales de Peirce sont " Recherches photométriques" (1878) et "Etudes de logique" 1883.

[4] يمكن استنتاج أن العلامة تقوم أساسا على علاقة ثلاثية كما حددها بيرس هي ׃ العلامة؛ (الوسيلة) الموضوع؛ والتعبير. والعلامة هي الدليل والمدلول بمعنى وحدة الصورة المادية والمتصور الذهني. عادل فاخوري «السيمياء» الموسوعة الفلسفية العربية، ج 2، ص 228.

[5] Ferdinand de Saussure, Linguiste suisse, originaire de Genève.

[6] جورج كتورة، "الاصطلاحات والمفاهيم"، المجلد الأول من الموسوعة الفلسفية، ص 462.

[7] ابن منظور، "لسان العرب"، ج 4، ص 138، دار إحياء التراث العربي، بيروت 2000.

[8] استعرض امبرتو ايكو في كتابه "العلامة " (ص 21) تحت عنصر التعريف المعجمي لكلمة العلامة مفهوما خاصا للشكل الخطي البسيط.

[9] إسماعيل الفاروقي، "الإسلام والفن"، ص 23.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3206368

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC