الصفحة الأخيرة - عدلي الهواري

هموم أكاديمية: النموذج

عدلي الهواريسوف أتحدث في هذه المقالة من سلسلة هموم أكاديمية عن مصطلح النموذج (model)، وهو من المصطلحات التي تستخدم ويفترض أن لها معنى محددا، ولكن عند التعمق في البحث يتبين أننا لن نعرف المقصود بالنموذج إلا إذا عرّف مستخدمه ما يقصد بذلك.

واجهت هذا المصطلح أثناء بحثي لنيل الدكتوراه، عندما استخدمه أستاذ من داخل الجامعة مكلف بتقييم مسار بحثي في مرحلة مفصلية، وأشار إلى أن بحثي يجب أن يستكشف "مضامين الدراسة بالنسبة إلى نماذج الديموقراطية".

عندما تعمقت في البحث عن معنى نموذج، وجدت له استخدامين مختلفين تماما. على سبيل المثال، ماكفيرسون (1977) يستخدم "نموذج" بمعنى مفهوم نظري لعرض أو شرح ظاهرة قيد الدرس (ص ص 2-3).

أما هيلد (1995) فيستخدم مصطلح "نموذج" بصورة محددة أكثر، فهو يقول إن هناك ثلاثة نماذج للديموقراطية: الأول الديموقراطية المباشرة أو التشاركية؛ والثاني الديموقراطية الليبرالية أو النيابية؛ والثالث ديموقراطية الحزب الواحد. ويضيف هيلد أن كثيرين يشكون في كون النموذج الثالث شكلا من أشكال الديموقراطية (ص 5).

هناك مجال لمناقشة هيلد في توصيفه للنماذج الثلاثة، من ناحية اعتباره الديموقراطية المباشرة والتشاركية نموذجا واحدا، وكذلك الأمر بالنسبة للنموذج الثاني. أما الثالث، فلم يعد هناك شك في أن ديموقراطية الحزب الواحد ليست ديموقراطية، بل شكل من أشكال احتكار السلطة والاستبداد.

ولكن الغاية هنا ليست مناقشة هيلد، بل إظهار أن استخدام مصطلح "نموذج" لا يعني شيئا واحدا، ونحتاج دائما إلى معرفة تعريف مستخدمه له.

ولتفادي مناقشة رسالة الدكتوراه على أساس تعريف مفترض واحد لمصطلح "نموذج"، وضعت ضمن الفصل التمهيدي لرسالتي نقاشا للمصطلح، مع إشارة إلى المثالين أعلاه.

وجهة نظري كانت ولا تزال، أن جوهر الديموقراطية واحد، ولكن آليات التطبيق هي التي تختلف، فالجوهر ينطوي على حريات مكفولة دستوريا، وانتخابات دورية حرة ونزيهة يتنافس فيها مرشحون، وليس استفتاء على مرشح واحد.

ما يختلف بين بلد ديموقراطي وآخر هو الإجراءات التنفيذية والهياكل السياسية، فالنظام في الولايات المتحدة رئاسي، وفي بريطانيا ملكي، وفي الأولى مجلسا نواب وشيوخ يتم الوصول إليهما عبر الانتخابات، في حين أن العضوية في مجلس النواب (العموم) البريطاني بالانتخاب ومجلس اللوردات بالتعيين.

وقد تكون الانتخابات من دورتين أو دورة واحدة، وغير ذلك من مسائل تفصيلية وإجرائية، ولكنها لا تغير الجوهر المعتمد على انتخاب الشعب لمن يريد أن يدير الحكم بالنيابة عنه.

للمصطلحات في الوسط الأكاديمي جانب آخر يستحق تسليط الأضواء عليه، فبالإضافة إلى استخدامها على افتراض أنها تعني شيئا واحدا محددا، ثم يتبين بشيء من التعمق أن هذا غير صحيح، فإن الكثير من النقاش الأكاديمي يعتمد على الاعتراض على صحة ودقة المصطلحات.

ومن نتائج ذلك أن النقاش يظل يدور في إطار ضيق وبالتالي يصبح جافا. ونجد أيضا إنتاجا مستمرا لمصطلحات جديدة يعتقد من يبتكرها أنها أدق من مصطلح غيره.

= = =

مراجع

Held, D. 1987. Models of Democracy. Stanford: Stanford University Press.

Held, D. 1995. Democracy and the Global Order: From the Modern State to Cosmopolitan Governance. Cambridge: Polity Press.

Macpherson, C. B. 1977. The Life and Times of Liberal Democracy. New York: Oxford University Press.


موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3373154

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC