إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

عندما تركتً سكني في المدينة/ج3

الجزء الثالث والأخير

في باريس كانت تنتظرنا بعض الإجراءات الإدارية في السفارة اللبنانية، والحجز في الشركة الوطنية للطيران التي أعمل فيها، والتي أوفدتني مرارا إلى الخارج، وساهمتْ لاحقا في مساعدتي على تعليم أولادي. ولا زلتُ حتى الساعة أشعر أن لها في ذمتي فضلٌ كبير، فمنْ تعلّم من أبنائي خارج البلاد؛ كان يأتي ليزورنا مرتين في العام. أما رفاقهم من الطلبة الآخرين فكانت زياراتهم لأهاليهم نادرة، لا تتعدى المرة الواحدة طيلة فترة إقامتهم للدراسة.

قبل أن نأتي إلى أولورون سانت ماري، وخلال إقامتنا في بوردو، حيث كنا نتابع دورة أخرى في صيانة وتصحيح مضاعفة أو زيادة القدرة في تحريك الجنيحات (Servocommande)، وتوجيه الطائرة في الجو دون جهد ملحوظ. كنت عائدا من ميرنياك (Mérignac) في ضواحي بوردو إلى الفندق في المدينة، حينما توقفتْ سيارة لتقلني عن طريق الأوتوستوپ.

سألني صاحب السيارة خلال الطريق إن كنت فرنسيا. وكان يقطن كما عرفت لاحقا في بلدة "بيت حرام" البلدة التي بلغها العرب في فتوحاتهم، يوم كان "للسيف فتحٌ وللأقلام عرفان". وعرفتُ أيضا أنه خدم كضابط قديم برتبة نقيب في سلاح المشاة الفرنسي إبان الحرب العالمية الثانية.

أجبته مبتسما أنني لست فرنسيا بل من الشرق الأوسط. لكنه لم يكتفِ بالجواب وسألني من أي بلد أكون بالتحديد. وحينما أخبرته، سألني عن بلدتيّ أبلح (على وزن أفعل) ورياق، وهما بلدتان لبنانيتان في البقاع، فيهما منشآت كثيرة من أيام انتداب الفرنسيين، ومنها ثكنات عسكريّة وبيوت للضباط ما زالت كلها قائمة بحالة ممتازة ولا زالت تستخدم لسكن الضباط اللبنانيين وعائلاتهم حتى اليوم.

الرئيس اللبناني الأسبق، إلياس الهراوي، أقام مؤقتا في بعض تلك البيوت في بلدة أبلح، بعد الحرب الأهلية وانتخابه رئيسا للجمهورية، عندما كانت العاصمة والقصر الجمهوري في بعبدا ما زالا غير آمِنيْن.

ومن المنشآت الفرنسية الأخرى مدرسة الآباء البِيض على مساحة مترامية الأطراف، وهي من المدارس الأكثر شهرة في الجوار وكانت مركزا للقيادة الفرنسية في الشرق. وفي رياق (بتسكين الراء) مطار عسكري ومشاغل القطارات أيضا أو السكة الحديد التي آلت إلى زوال.

أبدى نقيب المشاة، الرجل الذي أقلني في سيارته كثيرا من علامات التعجب والأسف: كيف يُهزمُ العربُ في حرب عام 1967. قال لي: عرفتُ المقاتلين العرب جيدا في الحرب. الجنود العرب قاتلوا إلى جانبي في معركة العلمين وكانوا شجعانا لا يهابون الموت. لا أدري ماذا حل بهم، ولا كيف انهزموا في وقت قصير لا يتعدى ستة أيام.

تركتُ الرجل على حدود المدينة وعدت إلى الفندق مشيا على الأقدام، وصدى صوته يتردد في مسمعي وهو يقول بدهشة واستغراب:

A vrai dire que les Arabes ne sont pas lâches

ويعني أنه كان ينفي بثقة صفة الجبن أو التهالك والخنوع عند العرب. الرجل لم يكن يدري ولا قلتُ له إنّ العِلّة في القيادات التي لا تحسن الإفادة من طاقات الشعوب.

تعاملت مع المجسمين الخشبيين بكثير من العناية والحرص الشديد، فأحسنت توضيبهما لكي لا يتعرضا أثناء الشحن للتلف أو التكسير، واجتهدت كثيرا في إعداد مشكاتين زجاجيتين للمنحوتتين، ما دفعني بعد عودتي إلى البلاد إلى زيارات متكررة لمعمل مشهور بصناعة الزجاج في مدينة الفيحاء في الشمال، واخترت لهما مكانا استراتيجيا مناسبا مقابل المدخل الرئيسي في البيت ليراهما الداخل والخارج.

واستخدمت في تثبيت المشكاتين إلى الحائط أربعة براغي من الفضة الخالصة تليق بالغاية المنشودة، والبراغي الفضة تستعمل لتثبيت بوصلة الطائرة على لوحة القيادة، فلا تتأثر بالحقل المغناطيسي حولها، وهي تكلف مالا ليس قليلا لا تتساهل إدارة الشركة أبدا في ضياعه أو هدره. حصلت على البراغي بموافقة د. وديع سليمان، الأخ والصديق العزيز، وهو موظف مرموق يتمتع بكفاءة عالية وصلاحيات واسعة.

ما من زائر أتى للتهنئة بسلامة عودتنا بعد غياب طويل إلاّ وقف عند الباب مدهوشا أمام المجسمين الخشبيين. منهم من قارن مهارة الحفر بتمثال داوود لمايكل أنجلو: حينما انتهى من نحت التمثال طلب إليه أن يحرك قدمه ويمشي، ولما لم يستجب له التمثال صب عليه جام غضبه وضربه بمطرقة في يده فكسر رجله. يقول الزائر المغالي: لا ينقص السنونوة إلا أن تحرك منقارها لتطعم فراخها، والحمار لا ينقصه إلاّ أن يرفس صاحبه.

تقاطر المُحِبُّون لزيارتنا على مدى أسابيع. من بين هؤلاء من لم تكن تربطنا بهم معرفة كبيرة أو مودة ملحوظة. لكنهم كانوا يأتون لزيارتنا بفعل لياقتهم. عثمان، ويعمل في دائرة شحن البضائع، أتى يزورنا مع زوجته كالآخرين. عثمان هو الآخر أطرى المجسمين كثيرا وساعدته زوجته في المبالغة والإطراء، وأخبرني لدى زيارته أنه من هواة الحفر على الخشب مذ كان صبيا في الصفوف الابتدائية، لكنه في حياته كلها لم ير أجمل من السنونوة والحمار.

كنا نودعهما عند الباب حينما همستْ له زوجته بصوتٍ مسموع: هيا قل ما دمتما صديقين. وحينما تردد في الإفصاح عما يريد، قلت لها لا فرق يا سيدتي أن تقولي أو يقول فما الأمر؟ قالت بارتباك وخجل شديدين: عثمان يمارس هواية الحفر كما أخبرك، وهو سيحفر نموذجا إضافيا لكم ونموذجا يحتفظ به لنفسه إن سمحت بإعارتنا المجسمين.

قلت لها علام التردد والخجل؟ حبّا وكرامة يا سيدتي هذه من أبسط الأمور، فليكتفِ بحفر أنموذج واحد لنفسه، وليس ما يستوجب أن يتعب نفسه في الحفر من أجلي ما دام سيعيد إلينا النموذج الأصيل. هكذا رفعتُ المجسمين عن قاعدتيهما الزجاجيتين، ثم لففتهما ووضعتهما في كيس من الورق المقوّى وقلت لها: أهلا بكما وسهلا يا سيدتي.

انقضت ثلاثة أسابيع على الواقعة. وقلت في نفسي سيستغرق الحفر وقتا أطول. ثم انقضى شهرٌ وشهران فثلاثة شهور وعثمان لم ينته من الحفر بعد، فذهبت إليه أزوره في مكان عمله، وأسأله متى يعيد إلينا أمانة السنونوة والحمار. أبدى أسفه على التأخير لبعض الدواعي العائلية التي استنفدت وقته وعرقلت عملية الحفر.

طلب لي القهوة واعتذر مرة أخرى عن التأخير، وأكد لي أن المسألة لن تحتاج إلى وقت يتجاوز شهرا إضافيا آخر لا يزيد، وأنه سيعيد لي ما استعاره إلى البيت بنفسه. هكذا مضت الشهور، ثم مضت سنتان وهو يماطل ويكذب. رجوته أولا ولم يستجب للرجاء، ثم طالبته بفظاظة وكدت أشتمه وأصفه بالخسة والدناءة ولم يخجل. وحينما تولاني التقزز والغثيان تنازلت مكرها عن حقي في مجسمين حقيرين. ولم أقِمْ عليه دعوى أو أشكه للقضاء كما أشار البعض.

لكنني وهبت عمري للأمل مرة جديدة وراهنتُ على بقية الخير فيه، فعندما تركت سكني في المدينة ونقلتُ معي أثاث منزلي، نزعتُ المشكاتين الزجاجتين ووضّبتهما بعناية مع براغي الفضة الأربعة، وأرسلتهما بالبريد المضمون إلى السيد المحترم عثمان وحرمه المصون.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3108841

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC