محمد بروحو - المغرب

المركب والوصية

محمد بروحواستيقظ غانم على جفوة حلم ثقيل، أثقل جفونا أتعبت بأحلام واهية منذ بداية ذاك الخريف. كاد أن يفوه بأسراره لأقرب الناس إليه. انتشله هذا الحلم من أعماق نوم طويل، رأى فيه نفسه في مقام. على ربوة معشوشبة، تطل مباشرة على ضفة بحيرة واسعة مترامية الأطراف.

ارتاد تلك البحيرة منذ زمن بعيد. منذ أن ألف ممارسة هواية صيد أسماك البحيرة اللذيذة والملونة والتي ألفت بدورها العيش في أعماق البحيرة المظلمة. تغريه كثيرا باصطيادها، لذا كان يصطاد منها ما يشاء، لكنه لم يستلذ طعم لحمها يوما ما، منذ ذاك اليوم الذي حدث له ما حدث، فاستعف لحمها.

أثار انتباهه شبح بدا له يتهادى على حركة ماء البحيرة البطيء، يتمايل ذات اليمين وذات الشمال. لم تتح له فرصة النظر إليه بتمعن حتى يخبر ما قد يمكن أن يوجد بداخله. كان مركبا صغيرا مثل تلك المراكب التي تستخدم في اجتياز الأنهار.

تناهى إلى سمعه أنين خافت ومتقطع. يصل من وراء أشجار حجبت ضفة النهر المقابلة، حيثما رسا ذاك المركب الصغير. خاله أنين مولود لم يمض على فتق صرته غير وقت قصير.

ابتعد القارب، نشب في شجرة دفلى مزهرة من أشجار ثبتت على حافة النهر منذ زمن بعيد في تربة طينية صلبة ولزجة. حدج غانم المركب بعينين واسعتين، وهو منهمك في سحب خيط الصنارة الذي بدا ثقيلا. يعني هذا أن أحد الأسماك الكبيرة علقت به.

انشغل غانم عن خيط الصنارة وما علق بها، وركز سمعه على صوت أغصان شجر يابس متساقط على الأرض، تكسر على وقع خطوات مرت مسرعة.

كأنه رأى شبحا يكاد يلاطف جذوع شجر منزوع. تحرك الشبح ببطء شديد محاولا الاقتراب من المركب، لكنه تحفظ في وهلة. كأنه كان يريد أن يتمم عملا ما بتلك السرعة. لم يدرك غانم أكان تحفظ الشبح خوفا منه حتى لا يراه، أم أن هناك سرا آخر لم يدركه هو؟

ركز نظره باهتمام. وطفق يوزع نظراته بين الشبح و المركب، وخيط الصنارة ما زال عالقا بيده. تشتت تفكيره عما يفترض به أن يقوم بفعله تلك اللحظة. وبدا حائرا، أيترك صيده ويهتم بأمر الشبح، أم يترك الصنارة ويصل إلى المركب حتى يعلم شيئا من أمره وحاله وما بداخله؟

اهتدى إلى وسيلة يفض بها صراع أفكاره، كان قد تذكر وصية جده: "أن تتريث في الإقدام على فعل الأشياء. أن تركز. وتبدأ بأيسر الأمور، وتترك ما صعب عليك آخر شيء تقوم به. حتى إذا عجزت عن إتمامه فزت بما أنجزت قبله".

ردد الوصية مع نفسه وهو يسحب خيط الصنارة، كان صيدا ثمينا، سمكة بوزن ثلاثة كيلوجرامات. انتفخ البطن ببويضات اقترب وضعها، تمنح فرصة الحفاظ على نسلها. شرع في عبور النهر الذي كان ماؤه قد غطى صدره، وكاد يلامس عنقه.

سبح في اتجاه المركب الذي كان قد نشب في شجرة دفلى. وصل إلى مكان المركب متعبا. بحذر اقترب من المركب، لم يسمع أي صوت في تلك الوهلة، لا من داخل المركب أو من حوله.

رمى بناظره داخل المركب فرأى، ولم يكن يتوقع أن يرى ما رآه.

رأى ملاكا دثر بلحاف أبيض على صدره وضعت أيقونة من فضة لامعة، اتخذت شكل سمكة كبيرة وملونة، كتب على بياضها الناصع اسم الصبية: مريم.

كان الملاك صبية. لم يمر على ولادتها غير ساعات قليلة، خبر هذا حينما نظر إلى فتق صرتها الذي بدا طريا وقطرات من دمها الخفيف تقطر فتلطخ اللحاف الأبيض الذي كان يوشحها.

أخذه دهش وذهول. وهو يرى ما رآه، تساءل سؤال غريب رمت به الأقدار في وطن ليس وطنه. كيف يتأتى لمولودة أن تحل بمكان لا يعمره إنسان؟

تذكر وصية جده من جديد. حمل الصبية بين يديه، كانت عيناها لا تزالان مغمضتين وعلى شفتيها ابتسامة ملائكية، لم يدرك سرها: أكانت له أم لغيره؟

ركب القارب وعاد إلى مكان صيده، حمل القفة بيمناه حيث وضع السمكة، والصبية بيسراه، ثم وضع القصبة فوق كتفه وانصرف.

سار يقطع طريق الغابة وإذا به يصل مفترق طرق. لف الظلام المكان، فحار أي الطرق يسلك، تمنى لو كان جده معه في تلك اللحظة لاستشاره عن أي طريق يتبع. تفكر.

"اذا حارت بك الأفكار وضاقت بك الأقدار وتاهت عنك السبل، استفت قلبك". كانت وصية جده الثانية.
انزوى إلى جذع شجرة. ركن تحتها حائرا تائها متدبرا في أمره، وإذا به يسمع حفيف رياح هبت فحركت سكون الشجر، وأصدرت أغصانها خشخشة ومالت إلى جهة اليمين، تيمن بحركتها وتوغل داخل دروب الغابة.

تبع اتجاه الرياح وراقب ميلان الأغصان ، حدد الطريق وانطلق مسرعا. سار يعدو عدو غزال، يحسب أن الصبية تحتاج طعاما، خطى خطوات فوق ظل باهت لشجرة ميتة، حمرة الشفق خفت وراء تلال قديمة.

عاد إلى البيت منهكا. حكى لزوجته ما حدث. لم تصدق الزوجة الحكاية ولم تفهم القصد، واتهم بالخيانة. ثارت ثائرتها وأعلنت الحرب. اتفقا معا على أن ينعم بالصبية على جارة عقيم. انتشت الجارة للفكرة ووجدت الصبية عندها أرق حضن وألذ حياة.

مضى زمان وأتى زمان، وعاد ذات يوم إلى نفس المكان، رمى بالصنارة إلى ماء البركة، ألفى يجوب بناظره كل أرجاء البحيرة، تحرك خيط الصنارة. سحبه بسرعة وهو يرفع نظره.

دعك عينيه، لم يعلق بها شيء لكنه رمق شبح مركب بدا له نشَبا في شجرة دفلى مزهرة نبتت على الضفة المقابلة للبحيرة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3200404

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC