هدى أبو غنيمة – الأردن

تلك الشعلة

هدى أبو غنيمةتتوهج الشعلة، ثم تكاد تخبو. أخالها ومضة برق والسماء تزمجر غاضبة، وهي تبعث طوفانا من المطر، علها تطهر الأرض من سبخات دماء الأحقاد والثارات الطائفية والعرقية.

أخشى أن تخبو تلك الشعلة المتوهجة في وجداننا، منذ تعلمنا أن نتهجى وحدة الوطن.

تدثرت بعلم بلادي، ورحت أتجول في رحاب الوجدان بحثا عن ملاذ آمن، وينابيع محبة تغذي إنسانيتي وتحمي تربة روحي من الجفاف والتردي في مهاوي اليأس.

أتلمس طريقي في أنفاق معتمة، مهتدية ببصيص ضوء يومئ لي من مكان بعيد، وكلما اجتزت نفقا واجهني آخر، فأغذ السير متمتمة: يا شمس بلادي أضيئي لي الطريق.

لم أعرف أن الرحلة الى أعماق الوجدان بهذه الصعوبة، فقد كانت الطريق مليئة بالمرايا المقعرة تريني أشكالا متعددة غريبة لذاتي: مناطق معتمة لا أعرفها، ولا يعرفها الآخرون، ومناطق أعرفها ولا يعرفها الآخرون، ومناطق يعرفونها ولا أعرفها.

أجتاز الأنفاق، لأرتقي جبالا ثم أهبط إلى وديان، أسير في طرق وعرة ضيقة، وعواء الذئاب يصم الآذان.

أتعثر بخيبات تحدق بأعين مطفأة، فأستعين بأمنيات تتلألأ كأقمار بهية وكلما راودني اليأس أومأ بصيص الشعلة لي من بعيد. لا أريدها أن تنطفئ ففي ضوئها أرى عالم الذات أرحب أفقا من عالم الواقع، وفي ضوئها أهتدي إلى ينابيع الحق والخير والجمال لأغسل ما علق بروحي من صور الدمار والدماء، وفي ضوئها أشعر بالأمان .

أتراني أجري وراء وهم شعلة قد انطفأت؟ أتراني أهذي بها، وأنا أكتبها على قصاصات تتطاير مع الريح العاصفة مثل لحظات فرح قصيرة؟ أم أني توغلت في متاهة البحث عنها بين الشرق والغرب ففقدت طريق العودة إلى عالمي؟

ألمح بصيصها يزداد توهجا، أتفقد دثاري فيبهر عيني ضوء قوي. إنها الشعلة متقدة بهية تنبعث من روح سكنت تراب جسدي، تراب وطني الذي جبلت منه.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3222164

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC