غانية أحمد الوناس - الجزائر

إلى طفلتي: لا تكفّي يوما عن اللعب

غانية الوناس: كاتبة جزائريةأكتب إليك، قبل سنوات من وجودك في حياتي، ربمّا إن حدث ذات يوم وإن حالفك الحظ، ستقرئين ما أكتبه لك هنا، لست أدري دافعي لفعل ذلك، لكنها رغبة اجتاحتني، فما رغبت في كتمانها ولا كبتها وحرمانها من نور الوجود والواقع.

ربما بمنظور أي شخص عادي، يكون هذا الأمر لا معنى له، وربما هو أمر سخيف للبعض الآخر، ولكنه بالنسبة إلي أمر ذو شأن كبير لدي، أحمل في ذاكرتي أشياء كثيرة، ربما تكون هي التي جعلتني ما أنا عليه اليوم، ربما لست شخصا مثاليا لأتحدث عن نفسي، لكن فعلت ما استطعت حتى لا أصبح مثالا سيئا لأحد، وحتى لا أكون عديمة النفع، أو مجرد رقم تافه من عداد اللواتي يأتين للحياة بلا هدف، ويرحلن دون هدف، وما بين البينين فراغ لا يملأه إلى الطين والتراب.

صغيرتي، أنت كحلم جميل يصادف وجودك في كل قلب، لا بدّ أن الملايين من النساء عبر هذا العالم الواسع، قد كنت أمنية بقلوبهن، كما أنت الآن بقلبي، لا بدّ أنك كنت نجمة مضيئة في سماء كل فتاة، تراك كل مساء وتدعو الله أن تكوني ذات يوم تحملين دمها واسمها ومشاعرها وآمالها أيضا، لا بدّ أنك لكلّ الجميلات كنت بذرة يحلمن أن تنمو وتزهر في أرحامهن، وأن تكوني زهرة يشدو عبيرها في حياتهن، وشجرة تورق في حديقة وجدانهن الذي يفيض بالحبّ والعاطفة.

أيّتها الملاك الذي أراه في الغيم والنجم والقمر، إن حظيت بك يوما، كهدية سماوية سأجعلك أميرة لقلبي وروحي، فوحدك ستكونين كما أنا، جزءا منّي، تفاصيلك الصغيرة التي سأحفظها عن ظهر حب، ملامحك التي سأستعيد حاسة الرسم لأرسمها على كلّ الجدران واللوحات والمرايا، وجهك الصغير الذي سيكون مصباح نوري، يضيء حياتي القادمة، وهالة من الحبّ الرباني التي أريدها أن تغمر أيامي.

سأكون لك كما ستحلمين دائما، صديقة رفيقة، أو ربما سأكون لك ما تشائين، أي صفة تجعلك تثقين بأن يدي ستكون دائما ممتدة إليك، تحرصك وترعاك، وتمسح عن جبينك تعب الأيام التي ستأتيك.

سأكون عالما تحيين فيه كما نذرت في صحوك وغفوتك، شيئا ترينه وتلمسينه، وتقسمين كلما لمسته أنّه تماما كما كنت ترسمين في خيالك.

لا أريدك يوما أن تحزني لأنك ستكونين فتاة، أريدك أن تكوني قوية، لأن أمّك حاولت ذلك، لا أريدك ضعيفة تستجدين عطف الآخرين، لأنّي بذلك سأكفر بكلّ ما حاولت سنوات حياتي القيام به، أريدك قادرة على الوقوف أمام كل ما سيواجهك، وأن تؤمني بأن وجودك في الحياة هو أهمّ رسالة خلقت لأجلها.

لا تبتري أحلامك لأجل أحد، مهما كان قريبا منك، ولا تجعلي من نفسك قربانا أو كبش فداء من أجل أيّ كان، ولا تسمحي لأحد أن يجعلك رهانا، أو لعبة، أو أي اسم تحتى هذا المعنى.

ستكونين أفضل منّي، أعرف ذلك وأعيه جيدا، ستكونين مثالا جيدا للآخرين، وستكونين فخري، وفخر كلّ الذين سيعرفونك، ويحبّونك، ويكونون دائما إلى جانبك.

أميرتي، لا تكبري إلا في الأمور التي تحتاج منك الجدّ والعمل والنشاط والثقة، ابقي طفلة ما استطعت، عيشي طفولتك من أقصاها إلى أقصاها، وكوني أنت مهما اختلف الذين حولك.

لا تكفي عن اللعب أبدا، استمتعي بكلّ الذي ستقومين به، أحبيه من قلبك، وامنحي وقتك دائما للأشياء التي تدخل البهجة إلى قلبك الصغير، وكوني وفية وصادقة، إياك أن تكذبي أو تنافقي، أو تقولي يوما لأحد شيئا لست تشعرينه في داخلك.

أحبّي كرة القدم، كما فعلت أنا، شجعي إيطاليا كثيرا، فذلك سيدل حتما على أنك تملكين ذوقا رفيعا، أحبي يوفنتوس وبرشلونة، لكنّ إياك أن تشجعي ريال مدريد، فلم أستطع يوما أن أحبّه رغم عراقته وألقابه، ليس لأنه سيء، ولكن كواكبنا ومجراتنا أنا وهو لم تتوافق يوما.

كوني صديقة الحياة، سامحيها حين تخذلك، واغفري لها قسوتها عليك أحيانا، ستنصفك يوما مهما آذتك، لا تلعنيها أبدا، وابقي لسانك نقيا، عفيفا، خفيفا، لا يسمع منك إلا طيّب الكلام وجيده.

مهما حدث لك، لا تفقدي ثقتك بنفسك، ولا تفقدي أبدا إيمانك بالله، واعلمي أنّك مهما مضيت في دروب مختلفة، سيكون وحده القادر على التواجد معك في جميع الظروف.

لا تنسي أن تحبّي الكتب، كما أحببتها وأكثر، صادقيها ما استطعت، أحبّيها كما لم تحبّي أحدا، وكوني وفية لها لأنها ستكون أوفى من ستعرفين في حياتك كلّها.

لا تندمي أبدا، إن حدث وأخطأت، فقط انظري إلى السماء ورددي كلّ دعاء تحفظينه، أخبري الله أسرارك، واطلبي دائما منه العون، فهو وحده سيفعل ذلك من أجلك، لأنه أكثر من يحبنا.

زهرتي النديّة التي لم تنتش حياتي بعد بعبيرها، إن استطعت أن تكوني إلى جانبي، فلا تجعلي من ذلك موعدا بعيدا، كوني قريبة إلى حيث أؤمن أنّك ستكونين هنا، بعد أن أغمض عيني، سأكون لك كلّ ما تطمحين.

وتذكري دائما، إن قرأت رسالتي هذه، بأني انتظرتك كثيرا، وبأنّي لن أملّ انتظارك، وبأنّ هذه التي تكتب إلى شخص غير موجود هو أنت، هي أكثر من سيحبك بعد الله.

احتفظي بكلّ حروفي إن استطعت، وذات يوم سأحبّ جدا أن تقرأي لي بصوتك الذي سأدمنه.

أمك التي تحبك.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3430898

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC