د. مليكة فريحي - الجزائر

المقاومة في الأدب الجزائري أثناء الاستعمار الفرنسي/ج2

المقاومة في الأدب الجزائري أثناء الاستعمار الفرنسي: الجزء الثاني والأخير

المسكوت السياسي في رواية "المساواة" لمحمد سعيد الزَّاهري: دراسة للمسار السيمي للبطل

موضوع الرواية

تدور رواية "المساواة" لمحمد سعيد الزاهري حول طفلين: أحدهما الرشيد، وهو مسلم جزائري الأصل، والثاني فرنسوا، وهو إسباني الأصل، وقد ولدا في حي واحد ودرسا في مدرسة واحدة، وتعلما مبادئ الثورة الفرنسية التي تدعو إلى المساواة والحرية والعدالة، فآمن الرشيد بها ووضع ثقته كلها في الإدارة الفرنسية. إلا أنه أصيب بخيبة أمل بعدما استدعي هو وفرنسوا إلى الجندية الفرنسية، وبدأ زميله يرتقي بسرعة مدهشة، ويحصل على الرتب العسكرية الواحدة تلو الأخرى، إلى أن وصل إلى رتبة كولونيل جنرال، بينما بقي هو جنديا بسيطا. وقد ترك هذا في نفسه ألما شديد إلى حد القنوط فاليأس فالانتحار[16].

المسكوت السياسي في الرواية

خلقت هذه القصة جوًّا سياسيا وفكريا كبيرا لما تحمله من شجاعة أدبية لهذا الكاتب، الذي يرى أن قضية المساواة أكذوبة سياسية صنعتها مخيلة الاحتلال الفرنسي الذي لم يؤمن بالفكرة، لكن وجد من أوساط الشعب الجزائري من يصدقها، وهذا هو النّجاح الذي حققه فيها، بهذا اعتبرت قصة فرنسوا والرشيد في العشرينيات شجاعة تبرهن عن الوعي السياسي المنتشر والمتربص بكيد المحتلين. والمسكوت السياسي الذي سجلته هذه القصة هو نتيجة لواقع فكري كان أول ضحاياه "في مطلع ظهور الحركة الوطنية ،الأمير خالد الذي عطلت جريدته (الإقدام عام 1923)، ونفي خارج الجزائر ليقع منه التخلص والمستراح[17]، فقيمة هذه القصة ظهرت في رد فعل جريدة المنتقد حين رصدت أوّل جائزة أدبية لرثاء الرشيد، ولمن يخلد شخصية البطل الرشيد، وهو شخصية من شخصيات قصة الزّاهري، ورفع شعارات تمجد الجزائر وأنّها لا تصلح إلا للجزائريين [18] في جريدة الجزائر1925، وقد كان من بين الشعراء محمد العيد آل خليفة الذي قدم قصيدة جاء فيها:

نَعمْ لَكَ في العُلَى عَمَلٌ مَجِيد = = ولَكِنْ مَا جَزَاؤُكَ يَا رَشِيد؟

أمِتَ عَلَى الصِبَا أسَفًا وحُزنًا = = كَذَلِكَ ينتج الضَّغْطُ الشَّدِيدُ

عَلَامَ فَرَنْسوا يَعْلُوكَ كَعْبًا = = وأَنْتَ لمثْلِهِ الكُفْؤُ الوَحِيد

أَلَمْ تَكُ يَا رَشِيد لَهُ شَقِيقَا = = زَمَانٍ أَبُوكُمَا العِلْمُ المُفِيدُ

وكنْتَ بِجَنْبِه في الحَرْبِ بِمَا = = أَمْضَ قِوَاكُمَا الجُهْدُ الجَهِيدُ

حَيَاتُكَ كُلُّهَا مَأْسَاةُ حُزْنٍ = = يَشِيبُ لِهَولِ مَنْظَرِهَا الوَلِيدُ[19]

فهذه الأكذوبة التي صنعتها قوات الاحتلال الفرنسي لا يمكن[20] أن تصدق، لأنَّ السياسة لا تجدي نفعا مع لصوص اللَّيل. ونجد مفدي زكرياء يقول في ذلك:

وَلَا تُجْدِي السِيَاسَة مَعَ الذِّئَابِ = = تَصَرُفُهُمْ غدرا خزيا وعارا

ولا تُجْديِ السِيَاسَةُ مَعَ لُصُوصِ = = تَتَسَتر بالدُّجَى تَخْشَ النّهَار

وكأنَّ محمد السّعيد الزّاهري كان متوقعا للأبعاد السياسية المستترة[21] للاستعمار الفرنسي، ويريد أن يبث الوعي السياسي بطريقة القصة التي وجدت صدى كبيرا خاصة ممن سيشايع أفكار فرحات عباس،. وقد لخص رأيهم ابن باديس سنة 1936 حين أعلن "أن الأمة الجزائرية الإسلامية الجزائرية مجمعة على اعتبار نفسها أمة فرنسية بحتة لا وطن لها إلا الوطن الفرنسي، ولا غاية لها إلا الاندماج الفعلي التام في فرنسا، ولا أمل لها في تحقيق هذه الرغبة، إلا بأن تمد فرنسا يدها بكل سرعة، فتلغي جميع ما يحول دون تحقيق هذا الاندماج التام" [22]. وفرحات عباس قد قال إن فرنسا هي أنا "بحيث بحث عن الجزائر في الماضي لم يجد لها أثرا وبحث عنها في الحاضر لم يعثر لها على خبر فإذا به يصيح فرنسا هي أنا "[23]. شخصية الرشيد في قصة الزّاهري هي صورة للمنبهرين بقضية المساواة التي مثلت له الحياة والموت في نفس الوقت.

الوظائف التي قامت بها الشخصية البطلة

حالة الثبات: وشملت وضع الثقة بمبادئ الإدارة الفرنسية؛ واعتبار الجزائر أمة فرنسية؛ والاندماج التام مع فرنسا؛ وأكذوبة مبادئ الثورة الفرنسية التي تدعو إلى المساواة والحرية والعدالة.

حالة التحول: وشملت وقوع الرشيد ضحية للمبادئ الفرنسية؛ واكتشاف حقيقة قضية الاندماج؛ وارتقاء زميله بسرعة مدهشة وحصوله على الرتب العسكرية الواحدة تلو الأخرى إلى أن وصل إلى رتبة كولونيل جنرال، بينما بقي هو جنديا بسيطا، وقد ترك هذا في نفسه ألما شديد إلى حد القنوط؛ ثم اليأس فالانتحار.

المسار السيمي للبطل

المقطع الأول: حياة الثابت.

شخصية البطل/الرشيد في القصة نموذج الفتى الساذج التي لا يرى الحياة إلا كما رسمتها فرنسا، وفق مبادئ كلها أكاذيب: "الثورة الفرنسية التي تدعو إلى المساواة والحرية والعدالة فآمن (الرشي ) بها ووضع ثقته كلها في الإدارة الفرنسية"[24].

المقطع الثاني: حياة المتحول.

تتحول حياة البطل الرشيد من شخصية ساذجة غرة إلى معدن للهموم بعد أن ذاقت طعم المأساة، بعد أن أصيب بخيبة أمل بعدما استدعي هو وفرنسوا إلى الجندية الفرنسية، وبدأ زميله يرتقي بسرعة مدهشة ويحصل على الرتب العسكرية الواحدة تلو الأخرى، إلى أن وصل إلى رتبة كولونيل جنرال، بينما بقي هو جنديا بسيطا وقد ترك هذا في نفسه ألما شديد إلى حد القنوط فاليأس فالانتحار[25]، وهي تلك اللوحة الفنية البائسة اليائسة التي رسمت لشخصية الرشيد في نهاية القصة.

الرسم العاملي في الرواية

أما العوامل عند غريماس فتنتظم في أزواج ثلاثة: المرسل/المرسل إليه؛ الذات/الموضوع؛ المساعد/المعيق.

هذا الانتظام ليس اعتباطيا وإنما هو نتاج لتحليل يأخذ بعين الاعتبار الاستثمارات الدلالية المتنوعة، فهذه الأزواج الثلاثة التي يستخلصها غريماس من الجرد العام للممثلين يقدمها في نموذج يريده شاملا وعاما، لا يقتصر على المجال السردي فحسب، بل يمكن تطبيقه في مجالات كثيرة من الحياة ويأخذ ها النموذج الشكل التالي:

مرسل = = = = = موضوع = = = = = مرسل إليه

مساعد = = = = = ذات = = = = = = = معيق

الرشيد - - - > الانبهار - - -> فرنسا

التجنيد - - -> الرشيد - - -> اكتشاف الحقيقة

كما أن هذه الأزواج الثلاثة ليست مركبة تركيبا اعتباطيا، فكل زوج يتكون من عاملين يربط بينهما محور دلالي معين. وبذلك تصبح لدينا ثلاثة محاور دلالية: محور الرغبة: الذات/الموضوع؛ ومحور الإبلاغ: المرسل/المرسل إليه؛ ومحور الصراع: المساعد/المعيق.

محور الرغبة: رغبة البطل في العيش مع الاستعمار.

محور الإبلاغ: تجند البطل.

محور الصراع: ما يمكن استنتاجه من علاقة الصراع وهي هل سيتم تحقيق التواصل بين الرغبة وموضوع القيمة؟ هنا يتعارض عاملان: أحدهما يدعى المساعد والأخر المعارض. الأول يقف إلى جانب الذات والثاني يعمل دائما على عرقلة جهودها من أجل الحصول على الموضوع [26]، فبمساعدة التجنيد والتعليم تبدأ الحياة الثانية للرشيد بطل الرواية وهي اكتشاف الحقيقة والدعاية المغرية التي جاءت بها فرنسا، فبدل الانتقام كان الانتحار وهو أهم صراع واجه البطل.

إذن كانت إرهاصات المقاومة الوطنية في حقيقة أمرها انطلاقا من نهاية الحرب العالمية الأولى حيث لعب القلم دور البندقية بقيادة الأمير خالد 1919 حين طالب ببعض الحقوق الرمزية في بداية الأعوام العشرين لتنتهي بالمطالبة الصريحة بالاستقلال [27] في برنامج حزب نجم إفريقيا الشمالية 1929، فالقصة لم تكن عادية ولا باردة، بل منتزعة بمهارة عن بديع اللغة، وهو ما يسمى بالمفاجأة من هدير داخلي صاخب تهز وتزعج النائمين في كهوف الغياب والموت، فقد حمّل الكلمة بكل ما تستطيع أن تحمله من رموز ودلالات، ففكرة الاندماج سرعان ما انصهرت، حتى أن هناك من سخر من الزّواج بالأجنبيات في قالب فكاهي وهذا وجدناه في قصص رضا حوحو؛ ونظم الشاعر الأمين العمودي أبياتا تلخص نظرة المحافظين فقال في الدُّكتور سعدان الذي كانت زوجته فرنسية وكان له معها طفل سمي صالحا:

حَيِّ الطَّبِيبَ لا تُهْمِل قَرِينَتَهُ = = فَهُوَ سُلَيمَانُ، والمَدَامُ بَلْقِيسُ

لَهُ غُلَامُ أَطَالَ اللَّه مُدَتَه = = تَنَازَعَتِ العَرَبُ فِيه والفَرَنْسِيسُ

لاَ تُعَذِّبُوه إنْ خَانَ مِلَتَه = = فَنِصْفُه صَالِحُ والنِّصْفُ مُوِرِيس[28]

ولربما أنَّ قصة فرنسوا والرَّشيد جاءت كرد فعل على الصراع السياسي الذي جرى سنة 1921 بين الأمير خالد وصوالح، فالأخير كان يناوئ الأمير، وخاصة أنّ الأمير كان وطنيا في حين أن صوالح كان متجنسا بالجنسية الفرنسية. إذن الأوّل جزائري الأصل والثاني فرنسي الجنسية وهو جزائري الأصل.

ويبقى الرَّد الأخير ما سجله ابن باديس حول هذه القضية تحت عنوان كلمة صريحة أعلن فيها "أن الأمة الجزائرية الإسلامية ليست من فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن يصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت؛ بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد في لغتها، وفي أخلاقها، وفي عنصرها، وفي دينها، ولا تريد أن تندمج، ولها وطن محدد معين وهو الوطن الجزائري بحدوده الحالية المعروفة"[29]. إذن تبقى هذه القصة تحمل مسكوتا سياسيا يريد محمد السَّعيد الزَّاهري إيصاله بالإضافة إلى الشِّعار الذي رفعه في الجزائر عام 1925 أنَّ الجزائر ملك للجزائريين لوحدهم لا ينازعهم فيها أحد.

= = = = =

الهوامش

[16] شريبط أحمد شريبط، تطور البنية الفنية للقصة الجزائرية المعاصرة 1947- 1985، ص 50.

[17] عبد الملك مرتاض، أدب المقاومة في الجزائر 1830- 1962 رصد لصور المقاومة في الشعر السياسي، ص 327.

[18] عبد الملك مرتاض، أدب المقاومة في الجزائر 1830- 1962 رصد لصور المقاومة في الشعر السياسي، ص 373.

[19] محمد العيد آل خليفة، الديوان، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ط (1) قسنطينة 1967 ص 449 – 450.

[20] المصدر نفسه، ص 449 – 450.

[21] مفدي زكرياء، اللَّهب المقدس، موفم للنش والتوزيع، الجزائر ط 3،2000، ص 153.

[22] ابن باديس الشهاب ج(1) ، 12 أبريل 1936، ص 45-46.

[23] المصدر نفسه، ص 46.

[24] شريبط أحمد شريبط، تطور البنية الفنية للقصة الجزائرية المعاصرة 1947- 1985، ص50.

[25] المرجع نفسه، ص 50.

[26] حميد لحمداني، بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي.يناير1997، ص36 .

[27] عبد الملك مرتاض، أدب المقاومة في الجزائر 1947 -1962، ص 39.

[28] مخلوف عامر، مظاهر التحديد في القصة الجزائرية ، ص 36.

[29] عبد الملك مرتاض، أدب المقاومة في الجزائر 1947-1962 رصد لصور المقاومة في الشعر الجزائري، ص 377.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2959346

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC