رجاء رحالي - الجزائر

أحاسيس

على نفس الطاولة، وفي نفس المكان، كل شيء غريب وموحش، طلبت مجرد فنجان، مرت الدقائق كأنها ساعات بذكريات أثقلتها الأحزان. غادرت؛ التفت في غير عادتي، لن أعود إليك أيها المكان.

في روايتي الكثير من الجروح وعلى جرحي وقف وابتسم، وهو آخر من على صورتي ارتسم، أهو يهزأ مني أم من تصوري أن النور يغلب العتم؟ وأن الحياة قد تخلق من العدم، وزاد الروح أن تسمو بمثاليات القيم، إنه من رقص على جرح هو من له وسم.

كنت في طريقي، وبين أحلامي صادفته، وكنت قد رسمته، عرفته وهو في علم الغيب، ولواقعي أحضرته. استأمنته، وفي رحلة قصيرة اصطحبته. ليس ذنبه أنه ليس هو، وليس ذنبي أنني ألفته، فقد كان يعلم أنني ألفظ فيه أنفاسي الأخيرة، ويعلم أنها تضاءلت همساتها حتى صارت عديمة، ويعلم أنني تهيأت لمنية كثر مثلها. هذا قاتل ومقتول في مسرح التشدق بالفضيلة، ويعلم أن كفني من مشاهد الحكاية نسجه، كل خيط هو لحظة من الزمن تشعل فتيلة، فكل النهايات من الخيال حبكت وفي مسرح الحب، الألم صنع له مدينة، مدينة حبي له حزينة.

لم خنتني أيتها المضغة [القلب] وتسربت بين ثنايا المحظور؟ ألم تضجر من شجني؟ أم راقت لك مني الدموع؟

استأمنتك حين عاهدتني وعاهدتك أننا لغيرنا لن نكون، فخذلتني وكسرتني وإلى الهزيمة أسكنتني، فمتى من كبوتي أقوم؟ تدق بين الضلوع ليس لك علي سلطان، أواسيك بحكمة العقل، أن للكرامة أيضا مكانا، فكيف تنتظر من يغير الأحباب كالكسوة؟ وليس للعشرة عنده مكان. أيجرح الحبيب حبيبه؟ إن جرح الحبيب والموت سيان.

استحالت كلماتي تخنقها العبرات، بنيت في الخيال قصورا، وهدّها ضعيف الهزات، اسكن أيها القلب للحقيقة وارسم أيها الثغر بسمات، فكلمات الحلم ماتت مع أول العثرات. كلمات أبوحها في صمت أسمعه يحكي ترانيمي، أبوحها في صمت بين شديد المعاني يخفي حنيني، أبوحها في صمت حتى لا يموت الشوق في تعبيري، فصمت البوح يرسم الحب ألوانا من الأنين.

كل هذا لأنني خبأت له الكثير من الوفاء والاحترام، أسكنته مدينتي الفاضلة ولففته اهتماما، صنعت له في عالمي من الخيال تمثالا، فارسا هماما، ولكن هي أنا من العلو أخاطب الواقع بدرجة المثال، ولا مثالية في واقع هان فيه المثال، ورثت واقعا ضمد الجرح، ومسح الدمع وأنزلني لأعيش الحقيقة بلا أوهام، بلا أحزان.

رافقته السلامة؛ لقد عز اللقاء، كان كلّي ولكّلي أبيت البقاء، لأنني لم أكن كله وفي لغتي الجزء والعدم سواء. رافقته السلامة؛ من منازل الملوك اهديه جوابا، فوهم الحب وإن ساغ طعمه، يورث متصنعه الشقاء.

أحرقتني نار حبه وإن حمّلته ذنبها، فذنبي بقربه هو البلاء والعقاب، فإذا كان السماء فأنا غيثها، وأنا صفاؤها. وإن كان الأرض فأنا ثباتها وثراؤها. وإن كان العلو، أنا السمو الشامخ ومن الجواهر ماسها.

صفاء نفسي عاد من دونه، أبى أن أعكره بشعور سخيف، فإذا كان التعود يجلب الذل، فسحقا لنفس تتعود الرخيص.

ما زلت كما كنت لا أقبل من الحقيقة نصفها، ولا من الكرامة بعضها. كمال القيم مهري وبيتي، ما ساومت يوما في الأحاسيس. تعلم مني، فخير لقاء بقدر من الله في الدنيا يجنبنا خسران النفيس، ويعلمنا من المعاني صحيحها، ففي مفهوم الحب يجعل صاحبه سعيدا ليس تعيسا، فالحب معانيه راقية تديرها في الكون نواميس.

عذرا أيها الحب. اختزلوك في هزيل المعنى، حصروك في قصير الزمان، نصبوا لك يوما تمثالا، تهدى فيه الهدايا ويقال فيه عذب الكلام، ونسوا أنك تحيط الحياة من كل مكان.

اقتصروك في أهل العاشقين وأهل الغرام، خنقوك في شهوات الجسد وكثير منها حرام، ونسوا أننا نتنفسك في بزوغ كل شمس وفي بسمات ثغور الأطفال. نسوا أنك دفء الشعور بالأمان وشعار القدسين في نشر السلام، نسوا أنك الوفاء والإخلاص وبك توصل الأرحام، أنت الحب بك يكون الضمير عنوانا للإنسان، ومن دونك يموت القلب ويدنو إلى درجة الحيوان.

نرجوك حبا يزهر البراعم؛ ترقى به الأرواح إلى درجة الكمال. نرجوك حبا يكفكف الدموع ويسكن الآلام، نرجوك حبا يخمد نار الفتن في زمن صار فيه الحليم حيرانا.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3435134

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC