د. ابراهيم دشيري - المغرب

الزهرة المستحيلة

إبراهيم دشيريكان جميلا أشقر اللون تشع ملامح الذكاء من عينيه خفيف الحركة يلفت انتباه الجميع بصوته المبحوح المنغم. كانت كلماته مثل أغرودة ربيع جميل والأطيار تطرب لسماع صوته والجبل يردد صدى كلماته لحنا جميلا.

ذات يوم أراد أن يحمل الجراب فبدت له المحفظة فأخذها، فقالت له أمه: ويحك. ماذا ستفعل بهذه المحفظة المشؤومة؟ خذ جرابك فإني قد وضعت لك فيه خبزا وسمنا وبقايا مرق العشاء، وانطلق نحو الزريبة كي تخرج الأغنام إلى المرعى.

حين خرج الطفل رأى زمرة من زملائه حاملين محفظاتهم متوجهين إلى المدرسة. ألقى عليهم التحية، فقال له أحدهم: لماذا أطلت الغياب عن الفصل؟ لقد سأل عنك المعلم بالأمس، يجب أن تذهب معنا اليوم. فبادره الطفل بقوله: "ولمن أترك القطيع؟ وقد كلفتني أمي برعايته".

حين رجع في المساء كانت الشمس في طريقها إلى الغروب. قامت أمه بعملية عد الأغنام، أما هو فقد هرع إلى ملاقاة أخيه الصغير الذي كان يفارقه طيلة النهار، ويبدو أن الصغير كان يبادله نفس الحنين فقد كانت ملاقاتهما حارة مفعمة بدفء المحبة والأخوة.

صعدا إلى سطح الدار فأخذا يلعبان بكرة صغيرة، فنهرتهما الأم وحذرتهما من الوقوع لأن السطح بدون سترة، فكفا عن اللعب، فأخذ الراعي جرابه وقال لأخيه: "تعال انظر فقد أحضرتك لك شيئا"، وكان قد أحضر له باقة من الأزهار الملونة وأغصانا ذات أعواد رقيقة كي يصنع له منها طربوشا هنديا.

وفي انتظار أن يستوي طعام العشاء في الطهي، نادت الأم ابنيها الصغيرين ليجلسا إلى جانبها فأخذت تشير إلى الوادي وتقول لابنها الراعي: "إياك والولوج إلى الوادي يا بني، فإن السيل لا يرحم، لا يغرنك صفاء السماء وزرقتها، ولا يغرنك وهج الشمس ولمعانها، لأن الرعود يا بني قد تمطر في مكان بعيد ثم يحمل السيل مياهها فيمتلئ منها الوادي. انظر تلك بقايا منازل من أغرقتهم السيول، إنهم كانوا يسكنون هناك بجانب الوادي، وكانوا يظنون أن السيل لن يبلغ يوما منازلهم، انظر تلك قبورهم في أعلى الجبل هناك دفنوهم ثم انصرفوا، انظر تلك عظام أغنامهم مرمية تحت شجرة الخروب. إن ضحايا هذا الوادي يا بني يبتلعهم النسيان ويسقطون من ذاكرة التاريخ، فكم تركوا وراءهم من أحزان وشجون، وكم خلفوا من قلوب باكية وعيون.

أجابها الابن: "إنه واد جميل يا أمي فكيف لا ألج إليه لأتمتع بأزهاره، وصفاء صخوره، وهبات نسائمه. إن أزهار الدفلى قد تفتحت فيه اليوم يا أمي وإنها تبدو أجمل من أزهار المدينة".

نعم يا بني إنه واد جميل إلا أنه لا يرحم، لقد كان جدك يقول لي حين كنت صغيرة أرعى الغنم مثلك: "لا تغفلي يا بنيتي؛ ابتعدي عن الوادي، لا أحب أن أراك إلا في أعلى الوادي".

وكنت أسأله: "وماذا افعل يا أبي إذا نزلت شاة إلى الوادي؟ هل أنزل لاستردادها أم لا؟"

فكان يقول لي دائما: "أرجوك لا تنزلي فكم من رعاة نزلوا في مثل هذه الحالة فابتلعهم الوادي، ولأن تذهب غنمي كلها أهون علي من فقدك يا بنيتي فأنت عزيزة علي، ولولا الزمان القاسي ما تركتك ترعين الغنم ، ولكن ماذا نفعل ها هي الشمس قد أحرقت وجهك الجميل وابتسامتك صار يكسوها حزن دفين وضحكتك لم تعد بالبراءة التي كنت أعهدها".

وبعد ذلك، ما هي إلا لحظات حتى تحلق الثلاثة حول طاجين العشاء، لم يستطع الصغير الإمساك برغيف الخبز الذي كان حديث عهد بالفرن، فأخذت أمه تقوم بعملية تبريده: تارة تنفخ فيه بفمها وتارة تضعه فوق آنية الماء البارد، في حين كان الراعي الصغير يلتهم العشاء بنهم ينم عن جوع شديد.

وفي الصباح الموالي، بينما كانت الغنم ترعى والنسيم يهب عليلا وطيور الجبل تردد أغاريدها الشجية، إذ لاحت من الطفل نظرة إلى أسفل الوادي، فلفت انتباهه وجود زهرة جميلة ناصعة البياض مشرقة، كان النور يلمع من جوانبها.

تأثر الطفل بمنظر هذه الزهرة التي لم يسبق له أن رأى مثلها، فقرر أن ينزل إلى الوادي من أجل اقتطافها وإهدائها إلى أمه، لكنه تذكر وصيتها فتراجع عن قراره. لكن صوتا بداخله كان يلح عليه بالنزول ويأمره بالتخلص من عقدة الخوف، وأن بإمكانه أن ينزل إلى الوادي بسرعة ويصعد منه بسرعة.

وفي الغد حين كانت شمس الضحى تصارع الضباب من أجل إضاءة القرية، كان بعض أهل القرية يحاولون تخليص جثة الطفل التي كانت عالقة بين الصخور وأعواد الشجر. لكنهم تعجبوا من زهرة بيضاء كان غصنها عالقا بين الأعواد، وكان الماء يدفعها نحو صدر الطفل والنور يلمع من جوانبها.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3252745

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC