د. رانيا كمال علي

بعض من حبات اللؤلؤ

رانيا كمالكعادتي في كل مره أشعر بالحزن فيها، أركض إلى البحر. ولكن حزني كان يفوق في شدته كل ما حدث في حياتي، في هذا اليوم بالذات بكيت كما لم أبكِ في حياتي، إحساس مرير أن تهدي أحدهم أغلى ما لديك، قلبك، ليرده إليك مجروحا حزينا غائر الطعنات.

إنه الحب، ذلك الجنون، ذلك الألم، نعم الألم. لم يكن حبي لها عاديا، بل كان يشبه في قوته الأساطير والقصص الرومانسية. كيف لا، وأنفاسي وروحي ودمي تشهد عليه، لقد كانت عيني تفضح نظرة حبي المشتعلة لها، فإذا التقَت عينيّ بِـعيّنييها لحظة، كم كنت أحس بأن كل حروف الشوق والهيام تجمعت وتجمهرت داخلي، وصار الشوق الدفين قضية، ومع كل هذا لم تكن تشعر بي.

كان حبا من طرف واحد. كنا أصدقاء طفولة، تربينا معا، كبرنا معا، ولكنها كانت غارقة في حبه هو، لطالما كانت مشدودة ومعجبة به، تقلدُ كل حركاته، يضحكان ويحزنان للأشياء نفسها، إنه الحب وفي النهاية القلب من يحكم، القلب هو الذي يختار.

لقد اكتفيت بحبها في السر، ورغم حبها له لم أجرب الحب من امرأة ثانية، وحتى لم أعطِ نفسي أية فرصة لأشعر بأخرى لتعطيني الحب، لم أجرب إلا العطاء، ولم أتقن فنا سواه، لم أستطع أن أشعر كم ستكون سعادتي إذا بادلتني الشعور، فقلبي كان يحمل في داخله الأمل. دائما ما كنتُ أسمع مقولة درويش تتردد في أذني "بي أمل يأتي ويذهب، لكن لن أُوَدعه".

في يوم عيد ميلادها كانت كعادتها متألقة ورائعة الجمال بفستانها الوردي كلون بشرتها، بشعرها الحريري الأشقر الطويل، بحذائها الذهبي ذي الكعب المرتفع، فكانت المفاجأة، لقد تم إعلان خطبتها عليه، حينئذ تقدم خطوات نحوها وألبسها عقدا من اللؤلؤ، ثم رفع رأسها إلى وجهه ونظر في عينيها ووضع قبلة بينهما.

في هذا اليوم أدركتُ أنها النهاية، إنهما متناغمان جدا، لقد شعرتُ أنهما يطيران من الحب، حتى أنهما قالا في نفس الوقت وفي صوت واحد: "سأكون معك حتى في أحلامك".

لكن صوت الأمل الذي طالما كان بداخلي ما زال يشدني إليه ويجعلني أركضُ خلفه كالمجنون، ومع هذا قررتُ أن أركز في عملي في محاولة يائسة لنسيانها. مرت الأيام بطيئة وكئيبة، كنتُ أعيش بين الألم والوحشة، وأنا أعرفُ أن كل يوم يقربه منها ويبعدني عنها أكثر وأكثر.

ومع الأيام حدث شيء لم يكن يتوقعه أحد، فقد نزل علينا خبر وفاته كالصاعقة، حدث ذلك وهو بلاد الغربة حيث سافر في بعثة لاستكمال دراساته العليا، وكانت سوف تذهب إليه بمجرد إعداد عش الزوجية هناك.

كنت أعلم أنها الأكثر حزنا، أتذكر كم بكت يوم وداعها له في المطار وكم كانت شاحبة جدا عندما رأيتها بعدها بأيام، على الرغم من أنه يكلمها يوميا، وكانت تعرف أنها مجرد أيام وتستقر معه إلى الأبد.

كنتُ أحاول التخفيف عنها دائما، ولكنني شعرتُ أن مهمتي هذه المرة ستكون الأصعب. حملتُ همَّ وفاته ليس لأنه صديقي فحسب، بل لأنها تحبه.

وبالفعل عندما ذهبتُ إليها وجدتها حزينة أكثر مما تصورت، لقد أدمت عينيها من كثرة البكاء، وكانت تحدق في الجميع بذهول وكأنها لا ترى أحدا. وقفت بجانبها ولم أسمح لليأس أن يصيبني، كنت أذهب إليها يوميا حتى تداركت أزمتها واستجمعت قوتها من جديد.

عرضتُ عليها الزواج وأخبرتها أننا سنظل تنذكره وندعو االله له، فهو صديق العمر. كم كانت سعادتي غامرة عندما وافقت على طلبي! ولكنها اشترطت شرطا غريبا جدا: أن يظل عقد اللؤلؤ على عنقها كما ألبسها إياه.

وافقت على الرغم من رفضي الداخلي التام لهذا الشرط، ولكن لم يكن أمام حبي الشديد وعشقي لها أي خيار آخر، كنتُ أعرف أن هذا العقد سيظل مصدر إزعاج لي، وبالفعل كلما رأيته عليها أتذكر قصة حبهما وأحداث عيد ميلادها كأنه شريط سينمائي لا ينقطع. كلما رأيته أدركت أنها لم تحبني بعد.

كانت رقيقة جدا معي، تعاملني بكل لطف، ومرت السنوات ولم ننجب أطفالا، كانت دائما تؤجل هذه الفكرة، ولكني أنجبتُ منها الأمل، فقد كنتُ دائما أمني نفسي أنها سوف تحبني، وحينها سوف تخلع ذلك العقد اللعين، فأنا لم ولن أطلب منها ذلك أبدا، فقد أعطيتها وعدا، والرجولة كلمة.

وفى أحد الأيام، وبينما كنا نتناول طعام العشاء، لاحظت أنها نسيت أن ترتدي خاتم الزواج، فأسرعتُ ونظرت إلى عنقها فوجدتها لم تنسَ العقد.

لم أستطع السيطرة على أعصابي وغضبي وانفجرت في وجهها وقلت لها: "ما زلت تحبينه، تنسين خاتم زواجنا أما العقد فلا، مع أنه لم يكن ذلك الرجل المثالي الذي تحلمين به، لقد كان بطلا لعلاقات نسائية كثيره حتى وأنت خطيبته".

استرسلت كثيرا في الحديث ولم يمهلني الغضب أن أرى نظرتها الحزينة. كنتُ كالأعمى أتخبط في الكلام وهي تنظر إلي بكل ألم وحسره، وعندما توقفتُ عن الصراخ، قالت لي بصوت يملؤه الحزن:

"الحقيقة أنك لم تغتله، فمن يستطيع أن يغتال ميتا؟ لقد استطعت أن تطلق الرصاص وتغتال زواجنا". ونزعت العقد من عنقها فتناثرت حباته على الأرض، وهمت مسرعة نحو الباب تاركة المنزل.

ذهبت إليها مرارا وتكرارا لكن دون جدوى، كانت في كل مره ترفض مقابلتي، كنت أعرف أنني أنا صاحب الحق في هذه المرة، ولكن ضعفي أمام حبها لم يترك لي مجالا في أن أحاول إعادتها إلى المنزل.

ومع تكرار رفضها لمقابلتي أدركتُ أنها لم تكن تحبني بل كانت ترى في شيئا آخر، بل والأدهى أنني رأيتُ أنها أنهت علاقتها بي لمجرد أنني تكلمتُ عنه، لكن سرعان ما كذبتُ نفسي عندما تلقيتُ منها اتصالا هاتفيا تخبرني فيه أنها تريدُ أن تراني.

التقينا وأنا أمد إليها يدي، ولكنها مدت يدها واكتفت بمصافحة باردة باهتة خالية من العواطف، كان كلامها جارحا ربما لأنها قررت البوح بالحقيقة المرة. بدأت معي الحديث بقولها:

"لقد كنت نعمَ الزوج والأب والصديق، ولقد أحببتني كما لم يحبني أحد. حتى هو لم أكن أشعر بأنه يحبني مثلك".

واسترسلت قائلة:

"كنتُ طوال حياتي أشعر بأنك تحبني وتعشقني وتهيم بي شوقا، لكنني لم أحبك قط، كنتَ بالنسبة لي صديقا رائعا وأخا لم أكن أحلم بمثله، وعندما مات ووقفت إلى جانبي كعادتك ثم طلبت مني الزواج ووافقتُ على التو، عندها وقفتُ مثلك في المنتصف.

نعم لقد كنت أرفض ارتباطي بك داخليا كما كنتَ ترفض بداخلك شرطي بارتداء العقد الذي كنتَ تحاول إخفاء رفضك له كلما ظهرتُ أمامك به.

لقد قررتُ أن أنهي زواجي منك عندما خلعت خاتم زواجنا، كم كنت متأكدة من ردة فعلك، كنتُ أريد أن أرحل بهدوء، ولكنك فاجأتني بخيانات حبيبي عندها خلعت العقد بغضب حتى انفرطت حباته.

أعترف لك بأني استغللت حبك لي في محاولة فاشله لنسيانه بزواجك مني في البداية، وأردتُ في النهاية أن ألعب معك دور الضحية، ولكنني لم أستطع لأنك لا تستحق مني كل هذا. كنتَ نبيلا عندما أخفيت عني حقيقته كل هذا الوقت، لقد عرفتُ أن كل ما قلتَه عنه كان صحيحا.

كنتُ أريد أن أشكو إليك وأبكي بين ذراعيك عندما فوجئت بأنه غدر بي كثيرا، ولكن كما قال جبران: النصف هو ما يجعلك غريبا عن أقرب الناس إليك، وهو ما يجعل أقرب الناس إليك غرباء عنك؛ لقد كان زواجنا عبارة عن قارب في بحر هائج أثقله الماضي، فلم يستطع أن يوصله الحاضر إلى بر الأمان".

صافحتني بابتسامتها الرقيقة وقالت: "للحديث بقية، علنا نستطيع أن نبدأ من جديد".

لكن كلامها كان يغرقني وأنا على قيد الحياة. أزحتُ وجهي وغيرتُ طريقي وسرتُ عكس طريقها، لم أستطع أن أغفر لها، ليتني عبرتُ عن رفضي لشرطها، ويا ليتها رفضت زواجنا من أساسه.

لقد رحل كل شيء. حتى الأمل الذي كان رفيقي رحل مع حقيقتها المرة. وبقيت حبات اللؤلؤ المنثور.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3097969

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC