عدلي الهواري

كلمة العدد 109: التحريض في برامج الدردشة

.

د. عدلي الهواري ناشر مجلة عود الند

كل عام وأنتم بخير بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك.

لا يخفى على متابعي التلفزيون اعتماد القنوات الكبير على برامج الدردشة. في ظاهر الأمور أن هذه البرامج كثرت تلبية لرغبة الناس في مشاهدة هذا النمط من البرامج. أما السبب الأهم فهو انخفاض تكاليفها مقارنة بغيرها، وخاصة المسلسلات (التمثيليات)، أو البرامج الوثائقية.

برنامج الدردشة يحتاج إلى شخص يجلس في الأستوديو، وفريق صغير يضم الفنيين والمخرج والمنتج ومساعدين. (في الإذاعة لا حاجة إلى نصف هذا العدد). ويقوم برنامج الدردشة على دعوة أشخاص للحديث معهم.

قارن/ي كلفة إعداد برنامج دردشة مدته ساعة مع حلقة مسلسل تلفزيوني مدته ساعة أيضا. دون أن نعرف الأرقام الحقيقية يمكننا أن نستنتج أن تكاليف حلقة المسلسل أضعاف تكاليف حلقة الدردشة، والأسباب تشمل أولا عدد المشاركين من ممثلات وممثلين وفنيين ومخرج ومساعدين، وثانيا الوقت اللازم لإنتاج حلقة من مسلسل.

برنامج الدردشة يحتاج إلى بعض التحضير، إذا كان من يقدمه يهتم بذلك، ويشمل التحضير متابعة وسائل الإعلام، والبحث عن معلومات إضافية للتعمق أكثر في موضوع الحلقة لكي يمكن طرح أسئلة ينتج عنها للمشاهدات والمشاهدين معلومات مفيدة أو مقابلة ممتعة. وما أن تنتهي الحلقة ينتهي عمل الفريق، وفي اليوم التالي يبدأ العمل على حلقة أخرى.

بالمقارنة حلقة المسلسل ينجز منها بضع دقائق مقابل ساعات من العمل، وإنتاج ساعة يحتاج إلى عمل أيام عدة. وبعد الانتهاء من التصوير تبدأ مرحلة أخرى من إعداد الحلقات وتجهيزها للبث.

البرامج الوثائقية أيضا تكلف أكثر من برامج الدردشة، فهناك سفر، ومقابلات، واستخدام مواد أرشيفية من المحتمل كثيرا أنه لن يمكن استخدامها إلا مقابل مبلغ من المال لمن يملك الأرشيف والحقوق. والعمل على حلقة من برنامج وثائقي مدته ساعة يستغرق وقتا طويلا، ولا يمكن أن يكون بضع ساعات على الأكثر قبل موعد بثه، مثلما هي الحال مع برنامج دردشة.

بعض برامج الدردشة مطلوب، فكلنا نحب أن نستمع إلى أشخاص لديهم ما يقال بخصوص موضوع نهتم به، ولكن المشاهدين الآن يقدم لهم الكثير من برامج الدردشة ابتداء من الصباح الباكر.

وقد تعددت أدوار برامج الدردشة والحكي، فهي كانت في العادة (ولا تزال) تركز على الفنانات والفنانين والمشاهير الآخرين، فهؤلاء عنصر جذب للمشاهدة، ومشاركتهم تكون أحيانا جزءا من حملة الترويج لفيلم سينمائي جديد، أو ألبوم أغاني، وغير ذلك.

من المؤسف أن أحد أدوار برامج الدردشة أصبح التحريض، فمن المشاهد المألوفة هذه الأيام أن يلقي مقدم البرنامج خطابا تحريضيا على أشخاص أو على تيارات.

لجوء وسائل الإعلام إلى التحريض له نتائج كارثية، وخير مثال على ذلك ما حدث في رواندا، التي ينتمي فيها حوالي 85% من ملايينها السبعة إلى الهوتو، وينتمي 14% منهم إلى التوتسي.

متطرفو الأغلبية حملوا التوتسي المسؤولية عن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسة في رواندا. وفي عام 1994 بدأت عملية إبادة جماعية منهجية، أسفرت عن مقتل ثمانمئة ألف مواطن من التوتسي. وقد استخدمت الإذاعات للتحريض على التوتسي.

إن الإعلامي الذي يحرض قد يظن أنه لا يفعل ذلك، بل يدافع عن قضية عزيزة على قلبه، أو أن دافعه حبه لوطنه أو لشعبه. ولكن من يظن ذلك واهم، وطبعا هذا على افتراض حسن النية، أي أن المذيع يقوم بدوره بدافع ذاتي وليس مطلوبا منه تأدية الدور الذي يقوم به من الجهة التي يعمل لديها علنا كموظف، أو سرا مقابل امتيازات.

ومن البديهيات أن يحترم الإعلاميات والإعلاميون، مهما كانت مؤهلاتهم، الجمهور حتى لو كان في معظمه أميا. وبالتالي من يتوفر له منبر إعلامي عليه واجب أخلاقي لاستعماله بمسؤولية.

من الممكن أن ينتج عن التحريض الإعلامي في وسائل الإعلام العربية ما حدث في رواندا أيضا من إبادة جماعية لفئة من فئات المجتمع. وأي "نجاح" في ذلك هو أولا كارثة إنسانية، ثم يتحول "النجاح" الظاهري إلى وصمة لا تمحى مهما مر عليها من زمن.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2971604

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC