زهرة يبرم - الجزائر

أحلام دافئة

بدأ الإعجاب مبكرا، وظل محبوسا في الصدور شهورا عديدة. هي تخشى أن تبادر. تخشى أن يكون فظا. وتخشى أن يرفض مبادرتها. وهو أيضا يخشى المبادرة. وطال حبس الإعجاب المتبادل، لأنهما إن تكلما استخدم كل واحد لهجة رسمية وكلمات مقتضبة، ويعود كل منهما إلى صمته.

في الحياة مواقف كثيرة، بسيطة كانت أو معقدة، تحتاج منا إلى اتخاذ القرار. وكما أن السرعة في اتخاذ قرار ما لها سلبياتها، فإن التردد في ذلك يقتل الفكرة ويقضي على كثير من الفرص.

ذات مرة، وبعد أن شجع نفسه كثيرا على المحاولة، قرر أن يبعث لها رسالة إلكترونية، علها تساعد على كسر الجليد بينهما. لكن خوفه لم يكن أقل من خوفها، ثم أنه احتار في اختيار موضوع ليكون موضوع الرسالة.

وأخيرا كتب لها رسالة يقترح فيها أن يؤلفا معا نصا مشتركا، يكتبان فقراته بالتناوب. فهو كاتب، وهي أيضا هاوية أدب وتملك ناصية فن الكتابة.

لاقت الفكرة استحسانا كبيرا لديها. فهو الكاتب الذي ستبرز مواهبها أمامه وتقيس نفسها به، وهو الرجل الذي كانت تبحث عنه. مذ تعرفت إليه تملكها هاجس لم يفارقها، هاجس كسبه واتخاذه مرفأ لمركب روحها المضطرب، وفارسا لأحلامها التي كادت تخبو. لكنها سرعان ما تعود لواقعها المكبل بالخشية والرهبة.

أشياء مبهمة اعتملت في نفسها. قد تسميها مشاعر، وقد لا تجد لها اسما تسميها به. كم تحتاج روحها إلى بعض الجنون لتنطلق، فحياة العاقل مملة أحيانا. ليتها تتخذه عشا لطائر روحها الحزين، عشا من الدفء والقش والنغمات، لترتمي روحها على نكهة القش والياسمين والأمنيات.

بعد أول فقرتين كتباها، تركها تختار عنوانا لنصهما. فاختارت له "أحلام دافئة". حينها أصغى جليا لأطيار الحس تغرد في روحه، واجتاحته مشاعر دافئة. وضع من قناعته كأسا مترفة كترف الأمراء، سكب فيها قليلا من عصير حب باذخ ارتشفه على مهل. لا يريد أن يسكر، لا يريد أن يفقد سيطرته على مركب حياته المحمل بالأوهام والخيبات.

لقد وجدها بعد ارتباك في حياته ويأس. بعد أن كان على وشك أن يودع الشمس ويبحث لروحه عن كهف تؤوي إليه. وجدها بعد أن بهت الكون من حوله وفقد القمر لمعانه الفضي وصار رمادي اللون منطفئا. لقد أشرقت في قلبه الشمس من جديد، وتلألأ القمر في غسق ليله فغمر روحه بالضياء.

أما هي، فوسط الصخب الذي تعج به الحياة، لم تنتبه لفرس السنين وهو يركض بها جامحا في براري العمر. لم تكن تشعر بقسوة برد أيامها الجليدية إلا حين تحسست في نفسها دفء المشاعر. قد يكون القدر يلعب لعبته حين رمى أحدهما في طريق الآخر علهما يبدآن سفرا جديدا معا.

ومع الأيام نمت في براري قلبيهما الشبه قطبية تلك الحقيقة الإنسانية الخالدة، نما الحب وانتظم الشوق في خافقيهما. وكم يسعد الإنسان بالحياة حين يحتويه قلب يغمره بدفء المحبة فيبادله الحب بالحب!

وها هو يدعم صدق مشاعره بأن اختار لمجموعته القصصية الجديدة عنوان "أحلام دافئة".

وضربا موعدا للقاء كخطوة أخرى نحو إتمام نصف الدين.

قالت: نلتقي على أعلى جسر بالمدينة، فنكون أقرب إلى السماء، ومن تحتنا الماء.

قال: لا، الجسر لا. بل نلتقي في حديقة عامة.

لم تكن تَقَاسِيمُهُ تهمها كثيرا. لم تطلب منه صورا إضافية فوق الصورة الوحيدة التي يضعها على صفحته، والتي يبدو فيها وسيما. لقد فضلت أن تتأمله من الداخل، فوجدته أجمل بكثير من الصورة. وسامته تربكها أحيانا. هي لا ترى نفسها جميلة، لكنه يراها كذلك. ردد لها مرارا أنها من نوع النساء اللواتي يحب.

تعَجَّبَ من حاله، ومن الحب الذي فرض سطوته عليه فجاراه وسار خلفه. لكنه إنسان ومن حقه أن يعيش مشاعره كباقي الآدميين مع من أرسلها القدر له هدية بعد أن سئم عمره، ويأمل أن تكون تذكرته للحياة. بها سيقطع الخط الفاصل بين اليأس والأمل. لكن شعورا ما يسيطر عليه ويربكه، فيهيئ نفسه لكل الاحتمالات.

وجدت نفسها في الحديقة قبل الموعد ببعض الوقت. مقاعد متباعدة، بعضها مشغول وكثير منها شاغر. تتحسس وجوده حولها في المكان، فتحتار، تذهل وترتبك. تحاول أن تتجلد، أن تثبت، أن تستبد على تبلدها، وتواصل بحثها بين الوجوه عن ذلك الوسيم الذي يحمل بين يديه كتابا بعنوان "أحلام دافئة".

شنطة نسائيةتنظر إلى الساعة على هاتفها النقال. تجلس على مقعد وتضع على ركبتيها حقيبتها المهندسة باللونين الأسود والأبيض. تبرزها، وتنتظر توأم روحها. فقد قال لها يوما: ستبقين دوما توأم روحي شئت ذلك أم أبيت، ستبقين ملء القلب وملء العين رغم كل ما يمكن أن يحصل. وعد مني أن أحبك طول العمر.

ويسيل الشوق من روحها سواقي. تعال ننظر إلى وجهنا في وجه الآخر، ونغسل وجهينا بالشوق. نشرب عطشنا للقاء، ونطل علينا من فوق. نفرش لروحينا السماء، ونستر عري الروح بفرحة زرقاء.

وجاءها يحمل معه صمته، وداخل صمته غربة. جاء يبحث فيها عن وطن. جاءها وطوق قوس قزح يجذبه إليها عله يقتبس من ألوانها لحياته.

تلك اللحظة. وذاك الصمت الرهيب بداخله. هل هو حنين أم رهبة؟ وتتوقف ذاته عند أجمل الذكريات معها. مليئة خزائن أسراره، خواطره وأشعاره. تتلظى دواخله بلهفة وخوف، برغبة ورهبة.

جسده لم يتشجع بعد. تتساقط الدموع بحرا جارفا من جفاف. وحنينه يشده إلى العالم الافتراضي، إلى العالم الأزرق حيث يكون أكثر جرأة. ويشد بقوة على كتاب به أصدق الكلمات.

وتلمح الكتاب غافيا في إحدى يديه، وباليد الأخرى يدفع عجلة كرسيه المتحرك.

سارعت لإخفاء حقيبة يدها المهندسة باللونين الأسود والأبيض في كيس بلاستيكي أخرجته منها. وقفت، تقدمت ومرت بجانبه كأنها لم تره أو لم يكن موجودا.

لماذا لم يخبرها بأنه مقعد؟ كيف أخفى عنها أمرا كهذا؟

ويقودها التفكير إلى مواقف عديدة يهم فيها بإرسال صوره، ونتف من كلماته تلقي ظلالا من الغموض. لكنها كانت ترفض، وتصر على أنها تحبذ التعرف على جوهره كإنسان فقط، وأن الصورة ما هي إلا غلاف لذلك الجوهر. نعم ، هي من أصرت على عدم معرفة الحقيقة دون أن تتوقع أن تكون صادمة بهذا العنف.

وتزهو روحه بالأمنيات تنشد ينبوع فرح. يتجول بين الوجوه يبحث عن تلك الشجاعة التي أحبته روحا وأغفلت منه عاهات الجسد. تلك التي أمضت له تعهدا بالحب طول العمر. لقد قالت له يوما: حين يتوقف الزمن سوف لا أزال أحبك، لا أدري أين؟ لا أدري كيف؟ لكن سوف أظل أحبك، ولا أعلم ماذا يحصل لي من دونك.

على بعد خطوات منه بقيت واقفة وحدها، كمحارب خسر المعركة أمام نفسه ولم يلق السلاح بعد. وتساءلت: أليس هناك من حل آخر لتتويج محاولتي بغير الفشل ما دمت قررت لمشاعري ألا تموت قبل أن تحاول أن تحيى؟ وفينوس التي استيقظت بأعماقي بعد أن كانت نائمة، كيف لي أن أعيدها للنوم من جديد؟

لقد تشربته الروح رشفة رشفة، فكيف يمكن للانسحاب أن يكون؟ عليها أن تتلطف بنفسها فيه. سيكون قاسيا عليها، بل سيكون احتضارا لروحها. لقد دخل قلبها بليونة، أما الخروج منه فليس بالسهولة التي تظن. كم تود لو تنام على أحلامها ولا تستيقظ أبدا. كم الحقيقة قاسية عليها، وكم سيكون قرارها قاسيا عليه.

وعلى درج الحياة تقرفصت تجمع ما تناثر منها. وتعالى صوت بداخلها، قد يكون صوتها: سأحبك أيتها الحياة، سأتعلم حبك بجواره. سأهرب من قسوة بردك الجليدي لأحتمي به. لن أُسْكِتَ عصافير قلبي وهي تغرد للحياة وللحب.

أخرجت حقيبتها من الكيس، وضعتها على كتفها واستدارت نحوه. تجلى أمامها بكل وسامته. استقبلها بابتسامة عريضة أشرق لها وجهه، وأشرقت في قلبها نورا وضياء. تقدمت، أمسكت بكرسيه المتحرك من الخلف ودفعته به إلى الأمام. وحول شجرة مسنة تتوسط الحديقة، دارت به العديد من الدورات وهما يضحكان للحياة بسعادة غامرة، ولم تشأ أن تتوقف به عن الدوران.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3200404

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC