هدى التومي - تونس

غرائبية الدمج في الممارسة النحتية

غرائبية الدمج في الممارسة النحتية الخزفية: جون فنتان نموذجا

هدى التوميتستحيل تكوينات جون فونتان منحوتات عابرة في الأزمنة اللامكانية من خلال توصيفات مرئية موغلة في بداهتها الغرائبية. يعمد جون فنتان لإغواء المنحوتة الخزفية بتصنيفات هجينة. فيعمد لبحث تركيباته بشكل متعمّق يرسخ التصور في التمظهر. تصور المنحوتة الخزفية ومراحل إنجازها لحين تجليها للمشاهد كجزء من الرؤية الإنسانية المشتركة لممكن مجازي في الخيال النحتي.

مجسمات تجمع بين أجزاء من الجسد الإنساني والأنثوي غالبا بما هو سليقة بشرية تتلاقح مع أجسام حيوانية مستقاة بعناية فائقة تعكس تجذّر وضوح الرؤية لدى جون فونتان؛ رؤية تثير الغابر من الأسطوري المندثر قبالة الحضارة والحداثة.

يتّخذ الجسد البشري في جزئه الخلفي غالبا وضعيات قرفصاء وركوع وانكماش، تغيب عبره هوية الذات المجسمة، وتاركة للحيواني امتداد الهوية، فيتمظهر وفق خصوصياته. ففي وضعيتي العملين الآنفين وضعية الجسد في انكماش يذكّر بممارسة حركة رياضية، حيث يعمد الرياضي إلى ملامسة أطراف رجليه وهما ممتدتان دون انحناء، وهي وضعية تعكس رغبة تشكّل لدى الجسد؛ رغبة تقمّص الحيواني وملاقحته؛ رغبة انسجام واندماج مع رأس طير أو رأس تمساح. لا الجسدي يطغى ولا الطير يتجلّى ولا التمساح يرهب الناظر إليه.

نحت
نحت

إنه دمج مفتعل يعكس ميثة متجذرة في الإنساني بالتشبه بالحيواني وتقمّصه هروبا من الإنساني، أو هي مناشدة للحكايا الغابرة، حكايا الميثة الضائعة في سراديب الذاكرة الإنسانية، حكاية الجميلة والوحش: في مبدأ قصدي بالوحش قبالة الجميلة عبثية تنتفض من المرئي، تعكس عبثية الوجود فتنعكس جزافا على إيقاع التشكل الحيو ـ إنساني.

نحت
نحت

إنّه "جنون الغابة" كما يسميه جون لافنتان في دمج مفتعل للغوي في تسمية مجموعته القائمة على دمج الجسد الإنساني بالحيواني. جسد يسجد عاريا بلا قبلة، يسجد فيحضر الحيواني، من أقصى المخيلة، من عمق الذاكرة تأتي سمكة "المناني" برأسها الدائري ليندمج مع مقدمة الجسد الساجد، فتتماهى السذاجة في تمظهر السمكيّ مع السجود العاري للبشري. يسائل السمكي فينا الطقوس البشرية، فيعكس عبثية الأسطورة. أسطورة البدايات وامتدادها للآني. تلون من عمق الذاكرة.

نحت
نحت

ومن التلون تلون الحرباء مع تمثلات الجسدي في الأنثوي. لا المرأة تتعافى من نعوتها الأولى ولا الحرباء تستقل عن سوء النعت. هي التلاقح بين المرأة المتلونة في سليقتها الدارجة، تعكس تلوناتها الانفعالية والبيئية والاجتماعية قبالة اللاشيء حضورا. هي حرباء: حرباء على عكس ما أنفنا من تهكم العقلي على المرئي في تمظهره، على عكس دأب "مارغريت" في رسم "الغليون" وتسميته، هذا ليس بغليون. هنا تنعت مباشرة الأنثى في الجسدي المحيل لها، بأنّها حرباء: هي حرباء. والفن حربائي النزوع أو لا يكون. حربائي بالقدر الذي يدمجها في جنون تمظهرها مع الوحشيّ فينا، كما الفيل، أو التفيّل لو تعمّقنا في الصيغة والممكن من إحالاتها، بعاجه المسنن. أو هكذا تعكس العنونة من الممكن المرئي.

تعكس مراوحة بين الإنساني والحيواني، بين جسد الأنثى والإحالات الممكنة من الدمج، بين السليقة الأولى المتجذرة في الذاكرة الجماعية ومن تراكمات الأسطوري فيها، وبين الغرائبي وطرق استحداثه بشراهة المقبل على فضح الإنساني بنزوع عبثي. عبث غرائبي في ذاكرتنا الجماعية، وتقمص مشين حدّ الذهول والروعة للإنساني في تشكلاته الممكنة. لا شيء يأتي من عدم. من المجاز تنشأ الذاكرة القادمة.

نحت
نحت
نحت
نحت

اضغط/ي على الصورة لمشاهدتها بحجم أكبر.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2902254

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC